"صلة رحم".. عن الحياة التي تستحق أن نأتي إليها

time reading iconدقائق القراءة - 9
الملصق الدعائي لمسلسل "صلة رحم" - المكتب الإعلامي لمنصة "شاهد"
الملصق الدعائي لمسلسل "صلة رحم" - المكتب الإعلامي لمنصة "شاهد"
القاهرة -رامي عبد الرازق*

في محاولة منه لأن يسترضيها بعد أن علمت بمسألة تأجيره لرحم فتاة شابة، من أجل الحصول على ابن من زوجته التي فقدت رحمها؛ يهدي طبيب التخدير حسام/إياد نصار لأمه قلادة ذهبية منقوش عليها كلمتين مقدستين (مودة ورحمة)، وهما الصفتان اللتان تردان في الآية القرآنية التي تلخص، بحكمة إلهية، العلاقة الإنسانية والعاطفية والجسدية بين الرجل والمرأة، بين قوسي الحياة (لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).

هذه القلادة، بما كتب عليها، يمكن أن نعتبرها مفتاح قراءة ما هو أكثر من مجرد تناول قضية تأجير الأرحام، الشائكة دينياً واجتماعياً، وحتى على المستوى النفسي والإنساني، بل إننا في مجتمع يعاني من انفجار سكاني، وتذمر حكومي مستمر من ارتفاع نسبة المواليد، تبدو استماتة دكتور حسام وارتكابه للعديد من الجرائم، من أجل إحضار طفل للحياة يحمل اسمه، كأنه يحارب العالم كله، وليس فقط القوانين الوضعية أو الفتاوى التي تحرم مثل هذا الأمر.

يمكن القول إن مسلسل "صلة رحم"، تأليف محمد هشام عبية، وإخراج تامر نادي، يتخذ من قضية تأجير الأرحام إطاراً خارجياً، للحديث عن تقلبات المشاعر واختلاف ميول الأرواح في العلاقات العاطفية بين الرجال والنساء، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ثمة قصدية واضحة للخوض في غابة من الأسئلة الوجودية، التي تخص قدرة البشر على اختيار مصائرهم، أو الحق في الخطأ، أو مبدأ الفرصة الثانية، وهو ما يمكن رصده بصورة واضحة، لو تتبعنا الخطوط الفرعية للثنائيات التي يتشكل منها متن المسلسل ككل.

في البداية، يقوم النص بتحييد الجانب الديني في قضية تأجير الأرحام، عبر مشهد مطول مع الشيخ خالد الجندي، الذي يلتقي به حسام بالصدفة في حديقة المستشفى، يجزم الشيخ خالد بالتحريم، ولكن يصر حسام على المضي، على اعتبار أن الفتاوى متغيرة بتغير الزمن، وأن رغبته في الحصول على طفل من زوجته ليلى، والمشفوعة بشعور هائل بالذنب، لأنه تسبب في الحادث الذي أفقدها رحمها، كل هذا أكبر بكثير من انتظار أن تتغير وجهة نظر العلماء في تفسير آيات الكتاب.

ولا يفوت السيناريو أن يشير في معرض حديث الشيخ خالد، عن العنصر المهم بالنسبة للطرح الفكري والشعوري للنص، وهو مسألة القدر ومبدأ الجبر والاختيار والتسليم للقضاء، وهو العنصر الذي سوف تتكئ عليه غالبية صراعات شخصيات المسلسل، التي لا تمسها مسألة تأجير الرحم بشكل مباشر.

الثنائيات والطرف الثالث

يعتمد المسلسل على بناء درامي هندسي شهير، وهو المثلث المكون من رجل وامرأتان، أو رجلين وامرأة، فأزمة حسام وليلى تبدأ مع دخول طرف ثالث لعلاقتهما، وهي الدكتور جيهان حبيبته الأولى العائدة بشوق ومحبة جارفة، ورغبة دفينة في استعادته.

ويحشد النص مجموعة مصادفات في الحلقة الأولى لتفجير الأزمة، بناء على الفتيل المشتعل المسمى جيهان، ويستعيد حسام علاقته بها سريعاً، ويذهب لها في نفس الليلة التي تصاب فيها زوجته بأعراض الولادة، بعد فشل الحقن المجهري أكثر من مرة، ثم في محاولة اللحاق بها يتعرضون لحادث عنيف، تفقد على أثره الرحم.

صحيح أن هذا الحشد من الصدف لتفجير الأزمة لم يكن متين بالدرجة الكافية، وقد لوثته الميلودراما الفاقعة بمبالغتها المنفلتة، لكننا في النهاية أمام مثلث عاطفي سوف يصبح نموذج بنائي لبقية العلاقات في المسلسل، حيث ننتقل إلى حنان وعلاقتها الملتهبة بزوجها السابق فرج الصعيدي، المحتقن بالرغبة المحمومة والهستيرية في استعادتها، والتي لا يوازيها إلا رغبة دكتور حسام في تأجير رحمها لإنجاب طفل من بويضات زوجته، لنصبح أمام مثلث (حنان وفرج  وحسام)، والذي يتطور بصورة دراماتيكية جيدة، عندما يقرر حسام أن يتزوج حنان من أجل أن يؤمّن حملها بكل الوسائل الممكنة، بل ويتمكن من سجن فرج قبل أن يخرج ليقتله.

أما ليلى، الزوجة التي فقدت الرحم، وفقدت معه ثقتها الكاملة في حسام، بعد أن علمت بحكاية جيهان تصبح هي الأخرى طرفاً في مثلث جديد، مع ضلعين ذكوريين، هما يوسف عشيق زوجة أخيها، وحسام الذي يحاول استعادتها بكل طاقته، ويوسف نفسه، وهو شخصية ثانوية، إلا انه يشكل مع زوجة شقيق ليلى، وشقيقها نفسه، مثلث عاطفي صريح، خاصة عندما يورط ناريمان زوجة الأخ في لحظة مشحونة بالحميمية، ويصورها ويبتزها من أجل ان يحافظ عل علاقته بها، لكنه ينقل العطاء على ليلى عندما يجدها أكثر سخونة واستجابة خاصة في لحظات انهيارها العنيف نتيجة فشل علاقتها الدامي بحسام.

تشكل هذه الثنائيات داخل أطر المثلث العاطفي، البنية التحتية للحديث عن أشكال المودة والرحمة، التي يبدو النص واضعاً عينه الشعورية عليها، ويتمكن صناع العمل بمهارة نسبية أن يصيغوا من الصراعات العاطفية والنفسية الجانبية، دوافع وقرارات تحرك الترس الأكبر للحبكة، وهو ترس أزمة تأجير الرحم وملحقاتها من عمليات سرقة البويضات، وتزوير البطاقة الشخصية لحنان، وإدمان ليلى، وتعرض حسام للنصب والضرب، وعمليات الإجهاض التي يتورط بها مع زميله خالد/ محمد جمعة، وهو من أكثر الشخصيات الجدلية في المسلسل، وله منطقه الخاص في مسألة الرحمة والقدر والاختيار، وصولا إلى الطعنة القاتلة التي سوف يتلقاها حسام، بينما يرتكب أخر فعل عنيف، وهو قتل فرج بعد خروجه من السجن، قبل أن يحتضن ابنه في اللحظات الأخيرة.

آدم

في مشهد توافق حسام وليلى أخيراً على مسألة تأجير رحم حنان، ينطق الاثنان باسم الابن المنتظر الذي تحمله بين أحشائها، آدم، وهو الطفل الذي يحمله أباه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، بعد أن ضحى بكل شيء من أجل أن يُحضره إلى الحياة، وهو الطفل الذي سوف يظل رابطاً لصلة رحم لن تنقطع بين حنان وليلى، حتى بعد رحيل حسام، كما في المشهد الأخير من المسلسل.

وبالتالي لا يبدو اختيار اسم آدم لمجرد الوجاهة الفكرية، بل هو تلخيص وجودي وتكثيف حاد، لامتداد خط المودة والرحمة على استقامته، فالحياة هي أثمن ما في الوجود، وهي بكل المقاييس الدينية والإنسانية والفلسفية، تستحق أن تستمر وتعاش، ولولا المودة والرحمة لصارت الحياة جحيماً مكتمل اللهب، وبقعة احتراق للروح والجسد.

والعلاقات العديدة التي نراها في شكل ثنائيات أو مثلثات عاطفية، تناقش مبدأ المودة والرحمة، انطلاقاً من عدة زوايا، أبرزها الحق في ارتكاب الخطأ والعودة عنه، والحق في الفرصة الثانية، على سبيل المثال يرى طبيب الإجهاض خالد أنه يمنح الفتيات اللائي يأتين إليه فرصة ثانية في أن يصححن مسار حياتهن، بدلاً من أن يتعرضن للقتل على يد ذويهم، بعد خطأ الحمل غير المشروع، وهو ما تجسده شخصية مثل ريكو، التي يقبض عليه بسببها.

وحتى نورا نفسها تمنح حبيبها الشيطان فرصة ثانية، بعد أن أذلها وتسبب في إجهاضها، وتتزوجه في النهاية، بينما يرفض زياد أن يمنح زوجته ناريمان فرصة ثانية، وينتهي الأمر بينهم بالطلاق لتنهار علاقتهما، رغم اعترافها بخطأ ما ارتكبته مع يوسف، في حين تستقيم حياة حسام وليلى بعد أن يمنح كل منهما فرصة ثانية للآخر، فهو يتقبل مغامرتها الطائشة مع يوسف، ويحميها من أن تسقط نحو القاع، وفي المقابل، تغفر له مشاعره تجاه جيهان، وتتقبل وجود حنان كرحم بديل لابنها أدم.

إن آدم، الذي يحمل اسم أبو الحياة البشرية، هو محصلة الصراعات الدموية التي سبقت إحضاره إلى الحياة، آدم، هو السؤال والجواب في نفس الوقت، وهو الطفل الوحيد الذي يولد بالمسلسل، بعد أن فقدت أجنة كثيرة قبله أرواحها، كنتيجة طبيعية لغياب المودة والرحمة بين طرفي العلاقة التي شكلتهما، فقد سبق لحنان أن أجهضت جنينها من فرج بعد هروبها منه، ثم تلتها نورا متخلصة من حملها بعد أن تنكر لها يسري، وفقدت ليلى حملها بسبب غياب حسام، ثم الحادث الذي تسبب فيه نتيجة سكره، وحتى ريكو فتاة الليل التائبة، تتخلص من حملها لكي تمزق الصفحة الأخيرة من ماضيها الملوث، بينما يعترف دكتور خالد بأنه شارك في إجهاض أكثر من 100 جنين، لأنهم جميعاً لم يكونوا نتاج لمودة ورحمة حقيقية تستحق أن تحضرهم للحياة.

عزف منفرد

على الرغم من كونه ينتمي إلى الميلودراما الصريحة، والتي تعتمد أحياناً كثيرة في قيادة المشاعر وطرح الأفكار على قدر من المصادفات المفتعلة، إلا ان محصلة مستويات التأويل، وتماسك الحبكات الأساسية والفرعية، والقدرة على جذب مشاعر المتلقي وهز أفكاره وملاحقته بالأسئلة، تصب في خانات النضج والقوة والتأثير الخاص بتجربة "صلة رحم".

وبينما تبدو الكثير من دراما مسلسلات الموسم الحالي  مصابة بالأنيميا الحادة، يأتي هذا العمل كمحاولة جادة في اختيار قضية لها أبعاد متشعبة، ودراسة بيئاتها ورسم الشخصيات، وتطوير الصراع، وخلق روح بصرية لها دور سردي حقيقي، وليس مجرد حليات شكلية من النور والظل، وهو ما يمكن اعتباره دليلاً على أن الصناعة لا تزال قادرة على تقديم منتج أصيل، بعيداً عن تشوهات الشعبوية، أو محاكاة النماذج الباهتة فنياً، أو تقليد الوارد من الخارج دون وعي أو دراية.

* ناقد فني 

تصنيفات

قصص قد تهمك