تعقيدات أخلاقية تواجه العالم بين "ذكاء فائق" و"مضطرب"

time reading iconدقائق القراءة - 8
صورة تجمع عناصر فنية مصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي - artificialpaintings.com
صورة تجمع عناصر فنية مصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي - artificialpaintings.com
بغداد-علي صلاح بلداوي

في منتصف القرن العشرين، حين بدأت الثورة الرقمية تأخذ مكانها في العالم، لم يكن أحد يتصوّر أن العقل البشري سينشئ شيئاً يوازيه، بل وربما يتجاوزه في بعض النواحي، لكنه سرعان ما تحوّل إلى كيان مستقل، متطوّر، قادر على التعلم، التحليل، واتخاذ القرار.

لكن إذا افترضنا أن الذكاء الاصطناعي سيواصل تطوّره نحو مزيد من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات، فهل يمكن أن يكتسب وكالة أخلاقية؟ هل ينبغي أن نعتبر السيارات الذاتية القيادة مثلاً مسؤولة أخلاقياً عن قراراتها، وهل ينبغي منح الذكاء الاصطناعي مكانة أخلاقية مماثلة للبشر، أم أنه سيظل مجرد أداة تُستخدم لخدمة أغراضنا؟ 

وهل يستحق كيان صناعي بالغ الذكاء شكلاً من أشكال الاحترام الأخلاقي، وإذا بلغ الذكاء الاصطناعي مستوى متقدماً من الوعي والمعرفة، فهل ينبغي منحه حقوقاً؟

في كتاب "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" لأستاذ فلسفة الوسائط والتكنولوجيا في قسم الفلسفة بجامعة فيينا، مارك كوكلبيرج، الصادر عن مؤسسة هنداوي (2024)، ترجمة هبة عبد العزيز غانم، يُعرّف الذكاء الاصطناعي على أنه: قدرة الآلات أو الخوارزميات على محاكاة الذكاء البشري.

يُؤكد الكاتب أنه إذا تحقّق الذكاء الاصطناعي العام يوماً ما، فإن التحدي لن يكون مقتصراً على مستوى ذكائه، بل سيكون في ضمان ألا يتحوّل إلى "ذكاء مضطرب" قادر على إجراء حسابات معقّدة، ولكنه لا يهتم بقيم البشر ومصالحهم. 

ما نستنتجه هو أن الأخلاق أكثر تعقيداً من مجرد اتباع قواعد؛ فهي تتضمن التعاطف والحدس، وهي جوانب يصعب برمجتها بشكل كامل.

المكانة الإنسانية للذكاء

من جهة أخرى، يطرح السؤال عن المكانة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي نفسه بقوة: هل يستحق الاحترام، وهل "إيقاف تشغيله" يعادل قتله؟

يشير مارك كوكلبيرج إلى أن الدراسات أظهرت تعاطف البشر مع الروبوتات، حتى لو لم تكن واعية، ما يشير إلى أننا قد نكون بحاجة لمراعاة تأثير سلوكنا تجاهها على أخلاقياتنا نحن. فكما يقول كانط: "القسوة تجاه الأشياء قد تجعلنا أقل إنسانية تجاه البشر".

يعود الكاتب ليذكرنا أن هذه المحاكاة بطبيعة الحال صار لها الأثر الكبير في حياتنا اليومية، فلم يعد الذكاء الاصطناعي محصوراً في الألعاب أو الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً أساسياً في تقنياتنا الحديثة وأنظمتنا اليومية.

 بفضل التطوّرات الهائلة في الحوسبة، وتدفّق البيانات، وانتشار الهواتف الذكية، تطوّر تعلّم الآلة ليؤدي مهاماً معقّدة، مثل التخطيط، والتعرّف على الوجوه، واتخاذ القرارات. لا يكاد مجال يخلو من بصمته؛ فهو يطوّر السيارات ذاتية القيادة، ويسهم في تشخيص الأمراض بدقة تضاهي الأطباء، ويدعم القطاع المالي في التنبؤ ورصد الاحتيال. 

كما يُستخدم في الأمن عبر الطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية. حتى في حياتنا اليومية، نجده في محرّكات البحث، ووسائل التواصل، والإعلانات الموجّهة، ليصبح جزءاً لا غنى عنه في عالمنا الرقمي.

ذكاء فائق

ومع كل تطوّر يشهده هذا المجال، يتطوّر معه الجدل حول المهمّات والنتائج، هو جدل صراعٍ مستمر بين التفاؤل والخوف من التقدّم التكنولوجي. فالتطوّر الذي يسمح للآلات بفهم مشاعرنا والانفعالات، قد يفتح أمامنا آفاقاً جديدة للتفاعل معها، ما قد يحسّن جوانب حياتنا اليومية. ومع ذلك، تثير هذه الابتكارات تساؤلات عميقة حول الخصوصية والهوية البشرية والأبعاد الأخلاقية.

عندما تصبح الآلات قادرة على قراءة مشاعرنا، هل يعني ذلك أن عواطفنا تصبح مرئية وقابلة للتحليل من قبل كيانات غير بشرية؟ وهل ستعزز هذه التطورات علاقتنا بالتكنولوجيا أم ستزيد الفجوة بيننا وبين جوهر إنسانيتنا؟

ليس من أجوبةٍ حاسمة لهذه التساؤلات التي تزداد مع تطور إمكانات الذكاء، وليس أمام هذا التطور غير المسيطر عليه من قبل عامة الناس سوى المراقبة أو محاولة التكيّف الإجباري، مع القلق المستمر من المستقبل.

لعل أكثر الأفكار التي يتناولها الكاتب، وتثير مخاوف لا نهاية لها هي "الذكاء الفائق". فكرة اكتسبت زخماً كبيراً في وسائل الإعلام والنقاشات العامة، حتى أن شخصيات بارزة في مجال التكنولوجيا، مثل إيلون ماسك وراي كورزويل، لم يتوانوا عن التحذير منها أو الترويج لها.

تتمثّل فكرة الذكاء الفائق في تفوّق الآلات على العقل البشري، وهو سيناريو يُعرف بـ"انفجار الذكاء الاصطناعي" أو "التفرّد التكنولوجي". ويشبّه الفيلسوف السويدي نيك بوستروم موقفنا منه، بموقف الغوريلا التي أصبح مصيرها اليوم بين يدي البشر، حيث يؤدي تفوق الآلات على التحكم في مصائر البشر، وربما تستعبدهم بدلاً من أن تكون تحت سيطرتهم.

يرى البعض في هذا الاحتمال كابوساً، بينما ينظر إليه آخرون كحلم يعِد بعصر جديد من التقدّم البشري، وهناك من يجد فيه مزيجاً غريباً من الرعب والإثارة، كأنه واقع ينتمي إلى المستقبل، لكنه مستقبل يقترب وبسرعة.

مسارات الذكاء الفائق

إذن، كيف يمكن أن يتحقق الذكاء الفائق؟ يرى بوستروم أن هناك مسارين للوصول إليه: الأول عبر التحسين الذاتي التكراري، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بتطوير نسخ متقدمة من نفسه باستمرار، والثاني من خلال محاكاة الدماغ البشري رقمياً وربطه بأنظمة آلية فائقة الذكاء.

هذا التطور قد يؤدي إلى واقع لا يتحكم فيه البشر، بل تهيمن فيه الخوارزميات على القرارات الحاسمة، يفقد فيه البشر سلطتهم، وحتى معناهم الوجودي، فلا قدرة لهم على التحكم في الأرض ولا معنى لكل ما يفكرون به أو يعانونه وينتجونه بمقابل الآلة.

أسئلة أخلاقية 

تتضارب الآراء حول الذكاء الاصطناعي، وتتعدّد بتعدد الفلاسفة والمشتغلين بالتفكير في المستقبل البشري، بين من يرى أن الآلات لن تمتلك أبداً وكالة أخلاقية، لأنها تفتقر إلى المشاعر والإرادة الحرّة، وهي عناصر جوهرية للحكم الأخلاقي، وبين من يؤكد على أن أنظمة الكمبيوتر ليست سوى أدوات صنعها البشر.

وبالتالي فإن المسؤولية الأخلاقية تقع بالكامل على عاتق صانعيها ومستخدميها. كما أن محاولة برمجة "آلات أخلاقية" تستند إلى افتراض خاطئ، بأن الأخلاق، يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد، متجاهلة دور العواطف البشرية واختلاف الثقافات والتوجهات الفكرية في تعريف الأخلاق وتطبيقها.

وسط هذه التكهنات، تبرز أسئلة أخلاقية ملحة حول الذكاء الاصطناعي، مثل: كيف يمكن تنظيم استخدامه بما يضمن عدم تحوله إلى أداة للقمع أو الاستغلال؟ إلى أي مدى يمكن للآلات أن تكون مسؤولة أخلاقياً عن قراراتها؟ وهل يمكننا حقاً أن نمنح الذكاء الاصطناعي "وكالة أخلاقية" تجعله قادراً على اتخاذ قرارات عادلة ومستقلة؟

هذه الأسئلة أصبحت ضرورية مع دخول الذكاء في أنظمة حساسة مثل القضاء، ففي الولايات المتحدة، استُخدم نظام "كومباس" للتنبؤ بمعدلات العود الجريمة، كذلك تمّ استخدامه في تطوير الأسلحة وتوجيهها خلال الحروب، وهو ما يولد التساؤلات حول مدى عدالة القرارات التي تتخذها الآلات عندما تتعامل مع مصائر البشر.

قيمنا البشرية

بعد كل الأسئلة المثارة والمخاوف المتجددة، نتوصل مع المؤلف إلى حقيقة لا تقبل التغيير، هو أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة محايدة، بل هو انعكاس للطريقة التي نصممه بها، للقيم التي نبرمجه وفقها، وللغايات التي نرغب في تحقيقها من خلاله. ومع توسع استخدامه، سيكون علينا أن نواجه، عاجلاً أم آجلاً، حقيقة أن علاقتنا به لن تظل علاقة السيد بالخادم، بل قد تصبح أكثر تعقيداً، وربما أكثر تداخلاً مما نتصور.

تصنيفات

قصص قد تهمك