
أثمر الانتعاش الذي تشهده الساحة الثقافية في المملكة العربية السعودية سيلاً من المبادرات الجديدة المتعلقة بتطوير القطاع الثقافي بمختلف مجالاته.
وفي هذا السياق، أعلنت "جامعة الملك عبد العزيز" أخيراً برنامج ماجستير في الأدب المسرحي، وهي المرة الأولى التي يعلن فيها عن برنامج أكاديمي للمسرح، في مؤسسات التعليم السعودية منذ نحو عقدين من الزمن، وهو البرنامج الأول من نوعه في مراحل الدراسات العليا.
ويستهدف البرنامج المذكور ترسيخ الهوية المسرحية السعودية والارتقاء بالذائقة النقدية المسرحية عبر أسس البحث العلمي. وأقرت الجامعة أيضاً 18 مقرراً دراسياً منها النص المسرحي، المسرح والفلسفة، نظريات الكتابة والنقد المسرحي، الدراما، الأدب المقارن، مدخل إلى تاريخ المسرح الحديث، ونقد النصوص وتحليلها.
وقال عضو المجلس العلمي في "جامعة الملك عبد العزيز" الدكتور عبد الرحمن السلمي لـ"الشرق" إن "مؤسسات الدولة المعنية بالمسرح بحاجة إلى دور الجامعات في تأهيل الكوادر المسرحية، وإكسابها المهارات اللازمة لكتابة الأسس البحثية المتعلقة بقضايا المسرح وفنونه"، مشيراً إلى التنسيق بين الجامعة ووزارة الثقافة في ما يخص التدريب والابتعاث.
أكاديمية وفرقة للمسرح الوطني
وتهدف وزارة الثقافة السعودية إلى إنشاء أكاديميات للفنون لرفد المسرح والفنون الأدائية بالكفاءات اللازمة لتتكامل مع برامج الابتعاث الثقافي التي أعلنت عنها الوزارة سابقاً.
ومن جانبه، قال رئيس هيئة المسرح والفنون الأدائية سلطان البازعي "العمل على إنشاء أكاديميات للفنون بما فيها المسرح، مع الاعتماد على التدريب أكثر من الممارسة التعليمية التقليدية".
وأعلنت وزارة الثقافة السعودية في مارس 2018 تأسيس فرقة وطنية للمسرح، وبرنامج للابتعاث إلى جامعات عالمية لدراسة الفنون ضمن مبادراتها لتطوير قطاع الفنون في السعودية.
مسيرة فنية
في عام 1991 أطلقت "جامعة الملك سعود" في الرياض برنامج البكالوريوس في الفنون المسرحية، كشعبة تابعة لقسم الإعلام بكلية الآداب ثم توقف مع بداية الألفية الجديدة من دون إبداء أسباب، وأصبح تدريس المسرح بعدها لا يتعدى كونه مقرراً دراسياً في تخصصات الأدب العربي والإنجليزي.
يعد نايف خلف من أوائل الطلاب السعوديين الملتحقين بدراسة المسرح، حاز الماجستير والدكتوراه من "جامعة إكستر" البريطانية في المسرح والدراما، وأصبح أكاديمياً في إحدى الجامعات السعودية، وبالإضافة لكونه ممثلاً ومخرجاً، فهو يدير الآن جمعية الثقافة والفنون في الرياض.
ويقول نايف لـ"الشرق" إن" تجارب كثير من ممثلي المسرح في السعودية لم يسبقها تكوين علمي، إذ اعتمد كثيرون على الهواية والتجربة العملية".
ويرى الممثل السعودي أن التعليم الأكاديمي سيخلق جيلاً مختلفاً من المسرحيين"سينتج لنا متذوقين مسرحيين ونقاداً، وسيمتد أثره إلى أولئك الذين لم ينالوا حظهم من الدراسة الأكاديمية للمسرح".
الجدل في خدمة الفن
من جهته، يقول الشاعر والكاتب المسرحي صالح زمانان إن "غياب البعد الأكاديمي لفن المسرح في السعودية أنتج تراكماً من الأعمال والتصورات المغلوطة التي لا تتسق مع أصالة الفنون وتطورها، ما أدى إلى تشابه في التجارب المقدمة".
ويضيف صالح زمانان:"إن ما يؤسس لتجربة إبداعية ذات هوية هي الأسئلة الخصوصية التي تكون روافدها التاريخ والمعاصرة والأسطورة والرمز والفلسفة والآداب"، لافتاً إلى أن "هذا الجدل لن يستقيم إلا بفهم أسس هذا الفن وتطوراته وتشكلاته وهضم الجدوى منه وعمليته الإنتاجية والعلمية".
ويرى زمانان أن إطلاق برنامج الماجستير في الأدب المسرحي "خطوة متأخرة، ولكنها تفيض بالأمل والتفاؤل بفترة مضيئة أكاديمياً وبحثياً في مجال المسرح".
ويراهن الكاتب المسرحي على تقدم الجامعات السعودية في التصنيفات الدولية المعتمدة، بما يؤهلها لمواكبة تطور البرامج الأكاديمية الحديثة في مجال الفنون.
تاريخ المسرح السعودي
في عام 1950 بدأ المسرح في السعودية أول عروضه بمسرحيتي"صلاح الدين"و"عبد الرحمن الداخل"، وكما يشير عنوان المسرحيتين، اتسمت تلك المحاولات بالطابع المحافظ، ومع ذلك لم يشفع لها بالقبول الاجتماعي.
"دار قريش للتمثيل القصصي الإسلامي"، كانت أولى المحاولات لتأسيس فرقة مسرحية في المملكة عام 1960 في مكة المكرمة، على يد الأديب والمؤرخ المكي أحمد السباعي، لكن لم يكتب لها النجاح نظراً للرفض المجتمعي لفكرة المسرح آنذاك. ولا ينفي ذلك حقيقة أن المسرح السعودي شهد نشاطاً موسعاً في فترة الثمانينات من القرن الماضي، إذ قدّم للساحة الفنية ممثلين مثل محمد العلي وبكر الشدي وعبدالله السدحان وراشد الشمراني وناصر القصبي وغيرهم كثر.




