
يشهد معرض دمشق الدولي للكتاب، مشاركة لافتة من مثقفين وشعراء سعوديين في البرنامج الثقافي المصاحب لجناح وزارة الثقافة السعودية، تعكس حجم الحضور وتنوعه، فيما زار السفير السعودي في سوريا فيصل المجفل، الثلاثاء، جناح المملكة.
وفي مستهل الزيارة التقى المجفل، وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح، الذي رحب بحلول المملكة ضيف شرف في معرض دمشق الدولي للكتاب 2026، تأكيداً لعمق العلاقات الثقافية السعودية السورية، القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، مشيداً بجهود المملكة المتمثلة بمشاركتها.
كما أشاد وزير الثقافة السوري بما يقدمه جناح المملكة من الفعاليات المتميزة التي تعكس الغنى والتنوع في الموروث الثقافي السعودي، وتجسد التزام المملكة بتعزيز الثقافة والأدب على الساحة العربية والدولية، وفي طليعة هذه الفعاليات مجموعة متنوعة ومتميزة من الندوات والأمسيات الشعرية بمشاركة نخبة من الأدباء والمثقفين السعوديين.
جذور تاريخية
وفي هذا السياق، قال الكاتب والقاص السعودي علي زعلة، خلال مشاركته في افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب، إن الشام بتاريخها وأدبها وشعرها وفكرها وحضارتها مثلت منذ بداياتها القديمة إحدى أكبر النقلات في مسار الحضارة العربية، مشيراً إلى أن إقامة هذا الحدث الثقافي الكبير بحضور رسمي وشعبي واسع تعكس عودة الحياة الثقافية في سوريا إلى مسارها الطبيعي.
وأضاف زعلة أن هذه الفعالية تعيد "المياه إلى مجاريها، وأحجار الزاوية إلى مواضعها الصحيحة"، مؤكداً أن سوريا ستعود إلى ممارسة دورها الحضاري والفكري والثقافي في منظومة الفكر العربي، في ظل رؤية جديدة تضع الثقافة ضمن أولويات البناء إلى جانب الاقتصاد والمجتمع.
وتطرق زعلة إلى عمق العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية وسوريا، موضحاً أنها علاقات ضاربة في التاريخ تمتد إلى مئات السنين، مستشهداً برحلات العلماء بين نجد والشام، ومعتبراً أن هذا التداخل العلمي والمعرفي شكل أساساً متيناً للتواصل الثقافي بين البلدين.
وأشار إلى أن بدايات التكوين الثقافي السعودي الحديث ارتبطت أيضاً بدمشق، لافتاً إلى أن أول رواية سعودية "التوأمان" لعبد القدوس الأنصاري، طبعت في دمشق عام 1930، معتبراً أن هذه الواقعة الثقافية تكشف عمق التشابك الثقافي بين البلدين، وتؤكد أن السعودية وسوريا تمثلان معاً مركز ثقل في الحضارة والثقافة العربية.
وختم حديثه بالتأكيد على أن سوريا اليوم تشهد تشكل هوية ثقافية جديدة، تستند إلى ماضيها الحضاري وتنهل من تجربتها القريبة، بما تحمله من سرديات الحرب والتحرير والصمود، معرباً عن أمله في أن تنتج هذه المرحلة أدباً وسينما ودراما تسهم في إثراء المشهد الثقافي العربي.
تأثير متبادل
من جهتها، قالت الشاعرة السعودية تهاني الصبيح لـ "الشرق" إن مشاركتها في البرنامج الثقافي للجناح السعودي تمثل لحظة ثقافية وإنسانية بالغة الأهمية، مؤكدة أن دمشق كانت ولا تزال وطناً للشعر والإبداع، وقدمت للمشهد العربي أسماء أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي عبر العقود.
وأضافت الصبيح، أنها تفخر بتمثيل المملكة العربية السعودية في هذا المحفل الثقافي العريق، معتبرة أن هذا الحضور يحمل مسؤولية ثقافية وأخلاقية تجاه اللغة والشعر والوطن، وتجاه سوريا بوصفها أحد أهم الفضاءات الثقافية.
وتطرقت الشاعرة السعودية في حديثها إلى عمق التأثير المتبادل بين الأدبين السعودي والسوري، مشيرة إلى أن تجربتها الأكاديمية تأثرت بعدد من الأكاديميين السوريين الذين تركوا أثراً واضحاً في وعيها الأدبي ومنهجها المعرفي، مؤكدة أن هذا التفاعل يعكس طبيعة العلاقة الثقافية التاريخية بين البلدين.
وأوضحت الصبيح أن هذه المشاركة تحمل رسالة مفادها أن سوريا تعود اليوم لتفتح نوافذها الثقافية لتستقبل العالم من جديد، وتقدم أدبها وإبداعها بوصفهما جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي العربي والإنساني.
حضور خارج التوقعات
بدوره قال الشاعر السعودي محمد يعقوب في حديثه لـ "الشرق" إنه كان يتوقع برنامجاً محدوداً، قبل أن يفاجأ بحضور سعودي شامل "إنساناً وتراثاً وتاريخاً وألعاباً شعبية، وثقافة وشعراً ونقداً وسرداً"، معتبراً أن هذا التنوع عجيب لكنه غير مستغرب، مضيفاً: "حين يلوح أحد للسعودية بالحب، تذهب إليه كلها".
وأشار إلى أن الجناح السعودي قدم صورة مبسطة وواضحة عن طبيعة العلاقة الراهنة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية، وما يمكن أن تكون عليه في المرحلة المقبلة، مؤكداً أن هذا الحضور الثقافي يعكس حجم التقارب والانسجام بين البلدين، ويؤسس لمسار أعمق في التعاون الثقافي، مؤكداً أن المملكة اليوم "واجهة ثقافية هائلة تسعى إلى بناء علاقة ثقافية عالية مع عاصمة ثقافية كبرى في الذاكرة العربية".
وشدد يعقوب على أن المملكة لم تعد تفصل بين الرؤية السياسية والثقافية والرياضية، بل تنظر إليها ضمن إطار شامل هو رؤية 2030، التي تراهن على القوة الناعمة بوصفها أحد محركات الحضور والتأثير، معتبراً أن العلاقة السياسية الوطيدة بين البلدين تشكل أساساً متيناً لبناء علاقات ثقافية وأدبية وتاريخية تعزز مستقبل الشعبين.
وختم يعقوب حديثه باستحضار قول المتنبي إن "قلبي لم يسرقه إلا الشام"، مضيفاً: "وأعتقد أننا جميعاً، منذ وصولنا إلى دمشق، وهذه الشام تسرق قلوبنا جميعاً".
وتأتي هذه اللقاءات ضمن البرنامج الثقافي المصاحب لجناح وزارة الثقافة السعودية في معرض دمشق الدولي للكتاب، في إطار حضور سعودي يهدف إلى تقديم الثقافة بوصفها جسراً إنسانياً يتقدم على الجغرافيا، ومساراً موازياً للعلاقات السياسية، يراهن على الأدب والفنون بوصفها أدوات للتقارب، وبناء المعنى المشترك، وتعزيز الحضور العربي في لحظة إعادة تشكل ثقافي تشهدها المنطقة.








