
بعد مرور قرن على رحيله، ينظر العالم إلى أنطوني غاودي، أشهر معماريي كاتالونيا على مستوى العالم، باعتباره جسراً يربط بين فن "الآرت نوفو" والعمارة الحديثة.
ولطالما أسرت عمارة غاودي أجيالاً من المعماريين الكبار، وذلك بفضل أشكالها الغريبة، وتعقيداتها الرمزية. كما أدرجت اليونسكو سبعة من أعماله على قائمة التراث العالمي، من بينها كنيسة ساغرادا فاميليا، أكثر المعالم زيارة في إسبانيا، التي دُفن في سردابها غاودي، وما تزال غير مكتملة حتى اليوم.
وكانت إسبانيا أعلنت عام 2026 عاماً لغاودي، إحياءً لذكرى مرور قرن على وفاته. وستتبوأ برشلونة مكانة العاصمة العالمية للعمارة، وستستضيف العديد من المعارض والمؤتمرات والفعاليات. كما ستقيم مجموعة واسعة من الأنشطة التعليمية والأكاديمية، والجولات السياحية، والحفلات الموسيقية، لتسليط الضوء على إرث المعماري الشهير.
خلال دراسته في مدرسة برشلونة للهندسة المعمارية في سبعينيات القرن التاسع عشر، انغمس غاودي في قراءة الكتب التي تضم صوراً لمبان إسلامية مصرية وهندية وفارسية. وتزخر دفاتره المبكرة بملاحظات حول قصر الحمراء في غرناطة، أحد أفضل القصور المحفوظة في العالم الإسلامي التاريخي.
كان الاستشراق رائجاً في جميع فروع الفنون في أواخر القرن التاسع عشر. لكن غاودي لم يستخدم المراجع الشرقية لمجرد الزخرفة الغريبة. تقول صوفيا أبرامتشوك، الرئيسة السابقة لقسم التصميم في مؤسسة غاودي: "أعتقد أن ما برع فيه غاودي في هندسته المعمارية، هو أن تأثيراته الإسلامية كانت أكثر تعقيداً من مجرد استعارة أشكالها".
أضافت: "كان فناناً تجاوز الحدود الثقافية، جامعاً الحقيقة والجمال أينما وجدهما، كما استطاع أن يدمجهما في أعماله بطرق جديدة وفريدة".
"المزيد من غاودي"
ستكون المعارض التي تركز على فلسفة غاودي وأعماله في كل أنحاء برشلونة. وسيقدّم المتحف الوطني للفنون في كاتالونيا معرض "غاودي ومعاصروه"، وهو عبارة عن سلسلة من الجولات الافتراضية ذات الطابع الخاص، تأخذ شكل قصص رقمية قصيرة. كما سيضمّ المتحف أعمالاً لم تُعرض من قبل لغاودي وغيره إلى مجموعته الدائمة تحت عنوان "المزيد من غاودي: تأملات وتشبيهات".
وسيقدّم متحف "تاريخ كاتالونيا" نظرة شاملة وطموحة على مجمل أعمال غاودي، مركزاً على المبادئ المعمارية المُطبّقة وعلاقتها بالسياق التاريخي والاجتماعي والتكنولوجي.
كما سينضم قصر "غويل" إلى هذا الحدث، مستضيفاً معرضين آخرين حول غاودي، الأول بعنوان "غاودي: نوافذ على المستقبل"، يتناول الأبواب والنوافذ والزجاج الملوّن الفريدة لفهم استخدامات الضوء في أسلوب غاودي، والعلاقة بين الداخل والخارج، والترابط بين المساحات. ويركز المعرض الثاني على الأثاث الذي صُمّم خصيصاً لهذا المسكن بمشاركة صانع الخزائن فيدال.
ستتيح فعاليات عام غاودي فرصة لزيارة مبانٍ قد لا تكون متاحة للجميع أو أقل شهرة، مثل منزل فيغيراس، المعروف باسم برج بيليسغوارد (1909)، الواقع في الجزء العلوي من برشلونة. يستمد المنزل اسمه من قلعة كانت قائمة في الموقع، ويُقال إنها تعود للملك مارتي.
سيستضيف المبنى هذا العام عرضاً لأوّل كتاب مُخصص له، من تأليف غالدريك سانتانا، المدير الحالي لكرسي غاودي. ستتاح أيضاً فرصة حضور حفلات موسيقية يقدمها قائد الأوركسترا وعازف التشيلو الشهير جوردي سافال في بيليسجارد، مع برنامج مخصّص للمهندس المعماري الراحل.
رؤيته للعالم
كان أنطونيو غاودي إي كورنيت (1852-1926) مهندساً معمارياً كتالونياً رائداً، عمل بشكل شبه كامل في برشلونة أو بالقرب منها في إسبانيا.
في التأثيرات المبكرة، يُعزى حسّه الهندسي إلى والده، صانع المراجل الذي كان يُشكّل المعادن إلى أشكال معقّدة. في طفولته، كان يمضي وقته في منزل ريفي في رويدومز، على الساحل جنوب برشلونة، محاطاً بأشجار الصنوبر المتوسطية وجبال براديس والأصداف البحرية، التي ظهرت أشكالها في مبانيه.
انتقل غاودي في سن السادسة عشرة إلى برشلونة مع شقيقه الأكبر لمتابعة دراسته وسط الثورة الصناعية وحركة النهضة الثقافية، التي هدفت إلى الارتقاء باللغة والهوية الكتالونية، وترك مزيج الحداثة والتقاليد أثراً عميقاً في نفسه.
كان طالباً غير تقليدي، اختلف مع أساتذته في كلية الهندسة المعمارية، لكنه برع في الرسم والهندسة والتاريخ. جرب مقترحات ذات رؤية مستقبلية لم تُنفذ، وتصاميم أثاث مبتكرة. عند تخرجه عام 1878، قال مدير المدرسة إلياس روجنت عبارته الشهيرة: "إما أننا منحنا شهادة لمجنون أو لعبقري".








