
في زمن تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي وتتقاطع مع مناحي الحياة، يؤكد الشاعر والكاتب والمترجم السعودي محمد الضبع، مؤسس منصّة "كتابة"، أن الكاتب الحقيقي لا "يؤجر عقله" للذكاء الاصطناعي، لأن لحظة الكتابة تظل اللحظة الأهم التي يتكوّن فيها الصوت والهوية الخاصة بالكاتب.
"الشرق" التقت الشاعر والمترجم والكاتب السعودي محمد الضبع في حوار خاص، تحدث فيه عن تجربته في الكتابة الحديثة، ورؤيته لعالم الشعر والترجمة، وعلاقة الإبداع بالأدوات الحديثة.
شاعر ومترجم وأسست أخيراً منصة "كتابة"، هل اختفى الشاعر في خضم هذه التجارب؟
الشاعر موجود دائماً، وعلاقتي به بدأت منذ الطفولة من خلال القراءة والحفظ والمشاركات المدرسية. الشعر بالنسبة لي أنقى أنواع الفنون.
منذ طفولتي كنت أحاول اكتشاف سرّ هذه الخدعة الجميلة، خدعة القصيدة، لذلك أنظر إلى الشعر بوصفه حالة من الصفاء والتأمل والانسجام مع العالم، وحتى لو انشغلنا عنه، نعود إليه دائماً.
شاركت مبكراً في برنامج "أمير الشعراء" كيف تصف تلك التجربة؟
كنت حينها في الصف الثالث الثانوي، وحاولت المشاركة قبلها، لكني لم أتمكن بسبب صغر سني. الأهم بالنسبة لي هو ما كان يحدث على هامش المشاركة من نقاشات ثقافية وفلسفية، أتاحت لي التعرّف على عوالم فكرية جديدة لم أكن أعرفها من قبل. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها أسماء نيتشه وفرويد. كانت نافذة صغيرة دلفت منها لاحقاً إلى عالم الترجمة.
لديك إصدار وحيد هو ديوان "صياد الظل" لماذا لم تصدر غيره؟
نعم "صياد الظل" هو ديواني الوحيد، الشعر بالنسبة لي تجربة قائمة على الدهشة والبراءة والصدق، وهذه أشياء لا يمكن استعادتها بسهولة. الشعر ينقل حالة معينة من الشاعر إلى القارئ، وهذه الحالة تحتاج إلى صدق ومصادفة. ومع ذلك لم أتوقف عن كتابة الشعر، لكني توقفت عن التعامل معه كمشروع نشر منتظم، ربما أعود إليه لاحقاً.
قفزت من حقل الشعر إلى حقل الترجمة، ترى ما الذي دفعك إلى هذا العالم؟
الترجمة عملية ممتعة جداً، فالمترجم لا يترجم الكلمات فقط، بل يبحث عن أفكار وتعابير موجودة في ثقافات أخرى ليوصلها لقارئ ربما لم يجدها في لغته.
حين بدأت رحلتي في الترجمة في عام 2011، أسست حينها مدوّنة ونشرة بريدية بعنوان "معطف فوق سرير العالم"، كنت أبحث طوال الأسبوع عن مقال أو قصيدة أترجمها في نهاية الأسبوع، كنت أقرأ عشرات المقالات والقصائد أسبوعياً، وأختار النصوص غير المعروفة غالباً، على أمل أن تضيف للقارئ شيئاً جديداً.
اختياراتك في الترجمة هل كانت تنطلق من خلفيتك الأدبية فقط؟
كانت مزيجاً من مجالات عدّة، حيث ترجمت نصوصاً شعرية لشعراء مؤثرين مثل شارلز بوكوفسكي وبيلي كولنز، كذلك ترجمت مقالات يومية تتناول موضوعات مختلفة، مثل الصحة النفسية والفقد والحياة اليومية، موضوعات غير موجودة بكثرة في الكتابة العربية.
بعد ترجمة المقالات اتجهت لترجمة الكتب وترجمت 20 كتاباً، حدثني عن هذه التجربة؟
البداية كانت حين جمعت عدداً من المقالات المترجمة في كتاب مختارات بعنوان "اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة"، وحين صدر الكتاب انتشر بشكل جيد، وما تزال تعاد طباعته حتى اليوم.
اتجهت بعد ذلك لترجمة الكتب الكاملة، وبدأت بكتاب "سنة القراءة الخطرة" لأندي ميلر. كان كتاباً طويلاً، يتجاوز 350 صفحة تقريباً، وهنا بدأت أتعلم معنى أن تعمل كمترجم محترف.
ما الذي جعلك تتوغل أكثر في عالم الترجمة؟
الترجمة ممتعة، فهي ليست قراءة وكتابة فقط، بل يبحث فيها المترجم أحياناً عن تفاصيل النص وفهم خلفيته الثقافية، مثل الأغاني أو الأفلام أو الاقتباسات، وغيرها من التفاصيل. بينما يجب على المترجم أن يتشرّب النص كاملاً، لأنه قد يضطر أحياناً للإجابة عن أسئلة لم يجب عنها الكاتب نفسه، في اللغة، أو الهدف، أو تحديد جنس، أو معنى، أو اتجاه، لم يكن محسوماً في النص الأصلي.
هل العوائد المالية للترجمة مجدية؟
الترجمة مثل أي حرفة أخرى، يمكن أن تكون مجدية إذا عمل المترجم على بناء اسمه وسمعته، وهذا أمر مهم جداً خصوصاً مع تصاعد الذكاء الاصطناعي.
كما يجب التمييز بين ترجمة الكتب، وأنواع الترجمة الأخرى، فترجمة الكتب قد لا تكون ذات عوائد مالية مرتفعة، لذلك على المترجم ألا يحصر نفسه في الترجمة فقط، بل العمل على مشروعات أخرى.
بعد سنوات من العمل في الترجمة اتجهت إلى تأسيس منصة "كتابة"، ما الدافع وراء هذه القفزة؟
القصة بدأت عام 2023 بنشرة بريدية جديدة أسميتها "رسالة السبت"، وقررت حينها أن أكتب مقالاً بشكل منتظم يتم نشره في كل يوم سبت لمدة عام كامل. حقق أحد تلك المقالات تفاعلاً كبيراً، وكان بعنوان "عشرة أسباب تدفعني للالتزام بالكتابة اليومية". أدركت حينها الحاجة العميقة لدى الكثير من الكُتّاب الذين انقطعوا عن الكتابة أو فقدوا المساحة المناسبة لها.
أضف إلى ذلك أن منصّة "كتابة" جاءت لتسهم في بناء المدوّنات والنشرات البريدية العربية للكُتّاب والجهات، فهناك صعوبة في إيجاد منصّة احترافية تدعم اللغة العربية، وتجمع بين المدونة والنشرة البريدية وبناء قاعدة قراء.
صحيح أن هناك العديد من الأدوات والمنصّات مثل WordPress وMailchimp وSubstack وMedium، لكنها ليست مصمّمة لتجربة الكتابة العربية.
ما أبرز الخدمات التي يحصل عليها الكاتب؟
نركز بالدرجة الأولى على الإنتاجية، والاستمرارية في الكتابة والنشر من أجل بناء قاعدة قرّاء للكاتب وتطوير مهاراته، فالكتابة تحتاج إلى روتين. الأمر الآخر ما نسميه "الموضوع المميز"، فكثير من الكتّاب يكتبون في كل شيء، وهذا جميل، لكنه يربك القارئ، لذلك نعمل على مساعدة الكاتب في بناء هويته.
لدينا أيضاً الخدمات الرقمية التي تتيح للكاتب المشترك بناء مدونة ونشرة بريدية، وجدولة المحتوى، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. كذلك نقدّم الخدمات التدريبية، وهي عبارة عن معسكر كتابة افتراضي، نقدّم خلاله برنامجاً أساسياً لبناء مهارات الكتابة، فضلاً عن ورش كتابة مستمرة مخصصة لخريجي المعسكر بهدف الحفاظ على الاستمرارية.
في زمن الذكاء الاصطناعي، هل ما زلنا بحاجة لتعلم الكتابة؟
أعتقد أن هذا هو أفضل وقت لتعلم الكتابة. الكتابة هي عملية التفكير، من يكتب يفكر، ومن ينسخ من الذكاء الاصطناعي يؤجّر عقله. الأمر يشبه الوجبات السريعة، يمكنك أن تعتمد عليها، لكن على حساب صحتك، كذلك الكتابة بالذكاء الاصطناعي، قد توفّر وقتاً، لكنها تضعف تفكيرك على المدى الطويل.
يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في البحث، أو جمع المعلومات، أو التنظيم، لكن لحظة الكتابة يجب أن تكون لك أيها الكاتب، لأنها اللحظة التي تبني فيها صوتك وهويتك.
ذكرت أن هناك طبقات في الكتابة لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليدها، ما هي؟
هناك عدة طبقات، أولها طبقة اللغة، وهي السطح، وهذه الطبقة لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقليدها. أما الطبقة الثانية فهي طبقة التجربة، ما عاشه الكاتب قبل الكتابة وهذه اللحظة لا يمكن تقليدها. ثم تأتي طبقة الاسم والسمعة، فاسم الكاتب هو ما يضيف قيمة للنص، تليها طبقة التوزيع، كيف يصل النص إلى الجمهور. وأخيراً طبقة الرأي والموقف، وهي ما يتشكل داخل الكاتب من موقف حقيقي، هذه الطبقات هي ما يجعل النص إنسانياً.
بعد كل هذه التجارب أين تجد نفسك؟
أجد نفسي في كل هذه التجارب في الشعر، في الترجمة، في الكتابة، في بناء المنصّة، وأتمنى أن أعود لإصدار ديوان جديد، وربما أترجم كتاباً آخر، وكل هذه المسارات بالنسبة لي تشكلّ امتداداً لبعضها.








