
قلعة الشقيف أو "بوفور" أي "القلعة الجميلة"، هي حصن تاريخي مرتفع يطل على نهر الليطاني، ويكشف الجليل الأعلى في شمال فلسطين. يعود تاريخها إلى 900 سنة، وهي واحدة من بين خمس قلاع في منطقة جبل عامل مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وحظيت بحماية مُعززة عام 2024.
احتلت إسرائيل القلعة عام 1986، وبقيت فيها حتى عام 2000، حين انسحبت من جنوب لبنان بعد نحو عقدين من الاحتلال.
عاشت القلعة الصراع العربي الإسرائيلي، وتحوّلت بعد هزيمة 1967، إلى أحد أبرز المراكز العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث وجّهت منها ضرباتها باتجاه إسرائيل على مدى عقود. عام 1982، شهدت القلعة أعنف معركة عسكرية بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين.
شهادات
نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية شهادات بعنوان "قلعة الشقيف 1982.. روايتان"، جمعت فيها الذاكرة الفلسطينية المقاومة، من خلال ما رواه معين الطاهر، من موقعه كقائد لكتيبة الجرمق في "فتح"، وهي الكتيبة التي أدت الدور الرئيسي في معركة قلعة الشقيف عام 1982، كما رصد رواية الجنود الإسرائيليين الذين قاتلوا في المعركة.
وبرز من بين الوثائق، الفيلم الذي بثّته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي سنة 2013 عن معركة الشقيف، وأطلقت عليه اسم "الجرح الأخضر المفتوح"، استغرق عرضه أكثر من ساعة، وتمّ فيه الاستعانة بصور أرشيفية أُخذت خلال الاجتياح الإسرائيلي للجنوب.
وأهم ما جاء في الفيلم كان المقابلات التي أجرتها القناة مع الجنود والضباط الذين شاركوا في المعركة، أو ساهموا في اتخاذ القرارات بشأنها، مع وصف لكيفية سير المعركة. كما تضمن الفيلم لقاءات مع عائلات القتلى من الجنود الإسرائيليين.
ومن أبرز الذين أدلوا بشهاداتهم، رئيس هيئة الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي غابي أشكينازي، وكان حينها قائداً لقوات غولاني التي تم تكليفها باحتلال القلعة.
وبحسب معين الطاهر، تحدثت الرواية الإسرائيلية حينها عن وجود 27 مقاتلاً كانوا في القلعة "استشهدوا جميعاً"، ووصفتهم بأنهم "مقاتلين بارعين لم يُبد أحد منهم رغبة في الاستسلام، إذ كانت المعركة بالنسبة إليهم مسألة كرامة".
وأسهب أشكينازي في الفيلم بالحديث عن كيف حارب الإسرائيليون طوال الليل، "إذ قضينا ساعات طويلة ونحن لا نعرف من أين يطلقون النيران. وكانت النار تأتي من كل مكان في القلعة".
يصف "موتي" أحد الجنود الإسرائيليين المعركة بأنها "لم تكن متكافئة مع الفدائيين، غير أن أحداً منهم رفض الاستسلام".
سأل بيغن أحد الجنود أمام عدسات التلفاز: "هل كان لديهم بنادق؟" فأجاب الجندي: "الكثير من البنادق. " ثم سأله: "هل استسلم أحد؟" فرد الجندي بغضب: "لم يستسلم أحد منهم"، وكررها: "لم يستسلم أحد".
الرواية الفلسطينية
تقول الشهادات إن الرواية الفلسطينية "بقيت في حدود سرد مآثر الفدائيين وبطولاتهم". ومع أن أسماء الشهداء وأعدادهم وأوطانهم وجنسياتهم وفصائلهم، لم يتم حصرها حتى اليوم، "إلا إن ثمة عناصر كثيرة لرواية فلسطينية متكاملة".
تقول الرواية إن معركة الشقيف بدأت بقصف تمهيدي إسرائيلي جوي ومدفعي وصاروخي متواصل منذ صباح 4 يونيو 1982، "استخدموا فيها القنابل العنقودية التي فرشت أرض القلعة كأنها بساط".
وجاء في تقرير مؤسسة الدراسات الفلسطينية: "تختلف الروايتان الفلسطينية والإسرائيلية بشأن معركة قلعة الشقيف التي جرت في الأيام الأولى للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وتتداخل الاعتبارات السياسية مع المشاعر الوجدانية مع النقص الكبير في المعلومات إزاء ما جرى في تلك المعركة، التي لا تزال تكشف عن حقائق أخفيت عمداً، وتسرّب بعضها خلال الأعوام الماضية".
موقع استراتيجي
"القلعة الجميلة" دفعت ثمن موقعها الاستراتيجي الذي جعلها هدفاً للحكام المتعاقبين على مرّ القرون، من السلالات الصليبية والعربية إلى العثمانيين.
ومن جديد يكرر التاريخ نفسه، بعد أن تعرضت القلعة طيلة الأيام الماضية لغارات جوية مكثفة، عقب غارات إسرائيلية على مدينة صور الأثرية، المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، والتي تضم أهم الآثار الفينيقية والرومانية في المنطقة.
كما رفع جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، علمه فوق القلعة للمرة الأولى منذ التحرير عام 2000.
يعود تاريخ بناء القلعة إلى فترات قديمة، إلا أن المصادر التاريخية تختلف حول الجهة التي شيّدتها أول مرة. ويعتقد عدد من المؤرخين أن أصلها يعود إلى العصر الفينيقي أو الروماني، قبل أن يعاد بناؤها وتحصينها خلال الحقبة الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي.
وقال نتنياهو في رسالة مصوّرة: "إن السيطرة على بوفورت تشكّل مرحلةً حاسمة وتحوّلاً جذرياً في السياسة التي نتبعها".
وذكرت وكالة "أسوشيتد برس"، أن الجيش الإسرائيلي "نشر مقاطع فيديو تُظهر قواته في قلعة "بوفورت" بعد تقدمها لعدة أيام عبر القرى المحيطة بالنبطية".
أضافت: "يُعدّ الاستيلاء على قلعة بوفورت، ذات الأهمية الاستراتيجية، تطوراً هاماً في التوغل البري الإسرائيلي في لبنان، حيث يُمثّل أعمق توغل في الأراضي اللبنانية منذ عام 2000، وانتهاكاً لوقف إطلاق النار الرسمي الساري منذ 17 أبريل".








