"رنين" توم يونغ.. وتبقى الحكاية عن لبنان وفلسطين | الشرق للأخبار

"رنين" توم يونغ.. وتبقى الحكاية عن لبنان وفلسطين

عمل بريشة الرسام البريطاني توم يونغ يجسّد حافلة مدرسية دمرتها إسرائيل في مدينة صور . 2025 - الشرق
عمل بريشة الرسام البريطاني توم يونغ يجسّد حافلة مدرسية دمرتها إسرائيل في مدينة صور . 2025 - الشرق

في قلب أسواق مدينة صيدا القديمة، التي عرفها التاريخ باسم صيدون، يقف "حمّام الجديد" العثماني الذي يعود بناؤه إلى عام 1720.

يستضيف هذا الموقع التراثي معرض الفنان البريطاني توم يونغ "رنين"، الذي أنجز على مدى الأشهر الماضية، سلسلة من اللوحات التي تتناول الحرب في غزة وجنوب لبنان. 

ومن مرسميه في بيروت والمملكة المتحدة، تفاعل مع الأحداث المأساوية لحظة وقوعها، محاولاً معالجة الألم عبر الإبداع، والتعبير عن تضامنه مع الذين يرزحون تحت وطأة أشكال العنف، والاحتفاء بالروح الإنسانية المتشبّثة بالانتماء والحياة.

"رنين" 2026

يجمع معرض "رنين" لوحات أنجزها الفنان استجابة للمأساة المستمرّة في جنوب لبنان وفلسطين. يواجه المعرض الكلفة الإنسانية للحرب، فيما يتأمّل في قدرة الذاكرة والثقافة والروح الإنسانية على البقاء، حتى حين تتعرّض الحياة لكل هذا الخراب.

بعد مجموعة "الجذور"، التي عُرضت في آذار 2025، يتأمّل "رنين" في ما نفقده حين تقع الأمكنة والذكريات والأرواح في قبضة الصراع، وفي ما يبقى منها رغم كل شيء.

تتنقّل اللوحات بين طبقات من التراث المعماري العريق في لبنان، وبين الناس الذين تتبدّل أحوالهم مع هذه المعالم. مواقع أثرية قديمة ومعالم معاصرة تتجاور مع مشاهد تكشف هشاشة الإنسان أمام العنف: الآثار الرومانية في صور وقلعة الشقيف؛ قرى وأراضٍ زراعية تنتظر عائلات تتوق إلى العودة إليها؛ حافلة مدرسية محطّمة تختزل ما يلحق بالطفولة والتعليم من أذى؛ ومسعفون يواصلون أداء مهمّاتهم وسط الخطر.

في قلب المعرض، تبرز صورة أمل خليل، الصحافية وصديقة توم يونغ، التي قتلتها إسرائيل في 22 نيسان 2026. كانت أمل كتبت عن أعمال يونغ في حمّام الجديد، وكانت وجهاً مألوفاً في المكان، تزوره للاستمتاع بالمعارض وحضور الحفلات الموسيقية.

ويكتسب حضور الصحافة والطب في معرض "رنين" معنى خاصاً داخل حمّام الجديد. فعلى مدى ثلاثة قرون، شكّل الحمّام مساحة للشفاء والتجمّع ورواية الحكايات. التقى فيه الناس، وتبادلوا تجاربهم، وعثروا على لحظات من الراحة وسط مشقّات الحياة.

تُعرض اللوحات ضمن معرض "إحياء"، الذي يحتفي بالإرث المعماري والطبيعي الاستثنائي لمدينة صيدا. وتشغل الأعمال غرفة الساونا القديمة، وهي المساحة نفسها التي تضرّرت بفعل القصف الإسرائيلي عام 1982. وهكذا، لا تحمل اللوحات ذكريات الحرب وحدها، بل تتعلّق بذاكرة جدران شهدت بدورها على العنف والدمار، وعلى ما تلاهما من محاولات للنهوض من جديد.

لا تسعى المجموعة الجديدة إلى تقديم إجابات سهلة عن مأساة ما تزال فصولها مفتوحة. بل هي  تعبير عن التعاطف والتضامن مع الذين يعيشون تبعات الصراع، ورفض لأن يتحوّل تدمير الأرواح والأماكن والذكريات إلى مشهد عابر أو حقيقة غير مرئية.

إنها تذكير بأن المباني قد تتضرّر، والأرواح قد تُزهق، لكن الذاكرة والإبداع والروح الإنسانية قادرة على الصمود والاستمرار. كما يصادف معرض "رنين" الذكرى السادسة لافتتاح معرض "إحياء" في حمّام الجديد.

أبناء الجنوب

يقول الفنان توم يونغ لـ"الشرق": "في وقت طغى فيه عدم اليقين على جوانب كثيرة من الحياة في لبنان، ما يزال حمّام الجديد يسعى إلى أن يكون كما أراد له تاريخه أن يكون: ملاذاً للسلام والجمال والتواصل الإنساني".

ويضيف: "بقي حمّام الجديد فاتحاً أبوابه في أوقات كان إقفالها فيها الخيار الأسهل. ظلّ مكاناً يجد فيه الفن والموسيقى والصحافة والحوار والذاكرة بيتاً يجمعها، ومساحة يبقى فيها اللقاء ممكناً رغمكلّ ما يحيط به من انقسام وخراب".

في بيانه الفني أهدى يونغ معرض "رنين" إلى أبناء جنوب لبنان، "إلى الذين خسروا منازلهم وأرزاقهم وأحبّاءهم والأمكنة التي يسمّونها بيوتهم، وإلى كل من لا يزال يؤمن بأن الثقافة والتعاطف قادر على البقاء، حتى في أحلك الأوقات".

وختم قائلاً: "ما يبقى ليس الحجر وحده، ولا الصورة وحدها، ولا الحكاية التي تُروى عن ماضٍ مضى. ما يبقى هو الإنسان، وحقّه في أن يتذكّر، وأن يحزن، وأن يعبّر، وأن يحلم بالعودة. وما دام ثمة من يفتح باباً، ويضيء قاعة، ويعلّق لوحة، ويرفع صوتاً بالحقيقة، فإن الذاكرة لن تُترك وحيدة في مواجهة النسيان".

"إحياء" 2020

يقام "رنين" ضمن معرض يونغ الدائم "إحياء"، الذي انطلق في أكتوبر 2020. ومنذ ذلك الحين، بقي الحمّام مفتوحاً حتى خلال الحرب الأخيرة عام 2024.

تحتلّ اللوحات تحديداً غرفة الساونا القديمة، المعروفة باسم "بيت النار". فالنار هي العنصر الذي تتمحور حوله هذه القاعة، وهي أيضاً المساحة الوحيدة في الحمّام التي طالتها الحرب مباشرة عام 1982، عندما دمّرت قذيفة إسرائيلية سقف الغرفة، الذي استُبدل لاحقاً بسقف مؤقّت من ألواح الحديد المعرّج.

بقي حمام الجديد على مدى قرون، مساحة مدنية جامعة، تذوب فيها الفوارق الاجتماعية، ويلتقي فيها الأغنياء والفقراء من أبناء الديانات كلها ضمن طقس مشترك. وحتى أواخر أربعينيات القرن الماضي، حين جعل انتشار الحمّامات المنزلية وشبكات المياه الخاصة دوره التقليدي متقادماً، ظلّ حمّام الجديد نابضاً في قلب الحياة الاجتماعية في مدينة صيدا.

أُقفل الحمّام، وظلّ موصداً في وجه الناس لعقود، إلى أن استحوذ عليه سعيد باشو، ومؤسسة شرقي للتنمية الثقافية والابتكار عام 2018. وعندما عاد المرمّمون إلى دخوله للمرة الأولى، وصفوا التجربة بأنها رحلة عبر الزمن.

استلهم الفنان مشروع "إحياء" (Revival) من زيارة قام بها باشو إلى معرض سابق للفنان توم يونغ في فندق صوفر الكبير، فدعاه إلى تقديم قراءة فنية للتاريخ المتراكم في جدران الحمّام وقبابه. وكانت النتيجة معرضاً يضمّ ستين لوحة زيتية موزّعة على عشر قاعات مقبّبة، استندت إلى شهادات شفوية لسكان مسنّين استعادوا ذكريات طفولتهم حين كانوا يقصدون الحمّام في الماضي.

في غياب أرشيف فوتوغرافي يوثّق هذا الفضاء الحميم، تحوّلت الذاكرة والروايات الشفوية إلى المصدر الأساسي لإعادة رسم ملامحه واستحضار الحياة التي كانت تدبّ فيه.

تأجّل افتتاح المعرض أربع مرات بفعل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان: انتفاضة 17 تشرين 2019، وجائحة كوفيد-19، وانفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020.

لكن هذه الانقطاعات نفسها، منحت المشروع معنى أعمق. ففي زمن اتّسم بالتوترات والانهيار الاقتصادي والسياسي، عاد الحمّام إلى الواجهة بوصفه رمزاً، وربما نقيضاً، لكل ما يفرّق اللبنانيين، عمارة تاريخية تحمل في جوهرها معنى التطهّر والتعايش.

جرت أعمال الترميم بدقّة، مع الالتزام بالأساليب التقليدية. وتحت إشراف عمر حيدر، استخدم الحرفيون الكلس والطين بدلاً من الإسمنت، حفاظاً على أصالة المواد وعلى مهارات تقليدية مهدّدةبالاندثار. وفي موازاة صون الإرث المعماري، جمع المشروع بين التراث والتكنولوجيا المعاصرة، من خلال عروض الأفلام والمحاضرات والحفلات الموسيقية وورش العلاج بالفن، وصولاً إلى تطويرجولة رقمية تفاعلية تتيح للزائر اكتشاف الحمّام وتاريخه.

وعادت الموسيقى إلى القاعات المقبّبة، لتملأ فضاءاتها التي طالما احتضنت أصوات الناس وحكاياتهم. ومنذ ذلك الحين، استضاف الحمّام موسيقيين من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية. كما أتاح لأطفال من المدارس المحلية ومخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في صيدا وصور أن يقدّموا معارضهم الخاصة في المكان، في حوار فني وإنساني مع ذاكرته وجدرانه.

وفي السنوات الأخيرة، ومع تجدّد الصراع وعودة الاضطرابات إلى جنوب لبنان، واصل حمّام الجديد استقبال زوّاره، ليبقى الموقع التاريخي الوحيد المفتوح أمام الجمهور في المنطقة خلال الحربين الإسرائيليتين على لبنان عامَي 2024 و2026. وحتى حين كانت الغارات تقع في محيطه، ظلّت أبوابه مفتوحة يومياً، موفّراً ملاذاً يجد فيه الناس فسحة من الأمان عبر الفن والتاريخ والثقافة المشتركة.

الجذور 2025

تستكشف مجموعة "الجذور" معنى الانتماء إلى الأرض، ذلك الانتماء الذي يظلّ راسخاً مهما اشتدّت الحروب وتوالت الصراعات.

تقدّم المجموعة ضمن السياق الفني العام لمعرض "إحياء"، الذي يستعيد تاريخ الحمّام بوصفه فضاءً للتطهّر والتلاقي، جمع عبر الزمن أشخاصاً من خلفيات دينية وإثنية متنوّعة، في تجربة إنسانية مشتركة تتجاوز الاختلافات.

تصنيفات

قصص قد تهمك