رحيل محمد حافظ رجب.. الغريب الثائر ضد "حراس البؤس الثقافي" | الشرق للأخبار

رحيل محمد حافظ رجب.. الغريب الثائر ضد "حراس البؤس الثقافي"

time reading iconدقائق القراءة - 7
 الكاتب المصري محمد حافظ رجب (1935-2021)  - الشرق
الكاتب المصري محمد حافظ رجب (1935-2021) - الشرق
القاهرة-

غيب الموت، مساء الجمعة، الكاتب المصري محمد حافظ رجب (1935-2021)، أحد أبرز المجددين في القصة المصرية بعد جيل نجيب محفوظ، وصاحب التأثير البارز في جيل الستينات المصري، والضلع الثالث لهرم القصة القصيرة المصرية مع يوسف إدريس، ومحمد المخزنجي حسب تعبير الروائي إبراهيم عبدالمجيد.

ويعتبر رجب صاحب الصرخة الشهيرة "نحن جيل بلا أساتذة"، كما أنه صاحب العوالم الفنية السحرية، التي كانت نصوصاً فيها قدر من الحكمة، والهلوسة، ومتمردة تحمل فعل الاحتجاج على كلا المستويين الجمالي والفكري، كتابة "أحلام" حسب ما وصفها هو نفسه قائلاً: "في الأحلام يعيش الإنسان حياة بلا منطق، بلا قانون، بلا علامات مرور، كل شيء يختلط ويضطرب ويتابع وينفصل".

أبطاله بشر بلا أسماء، ولكنهم يسكنون أحياناً علب السجائر، أو يمتلكون قوى خارقة تخترق آذان البشر الآخرين وتدخل إليهم، رؤوس تتحول إلى كرات قدم يضربها اللاعبون.

الغربة هي البطلة في عالم رجب القصصي الثري والمتشعب يقول: "الناس هم منهلي الرئيسي.. مدرستي الحقيقية، العابرون، والمزروعون في المحطة: باعة الصحف ماسحو الأحذية، الجرسونات، أصحاب المحلات، العمال".

هذه الكتابة التي أربكت الواقع الثقافي المستقر، جلبت عليه الاتهامات، مرات بالغموض، أو الهلوسة ومرات أخرى بأنها سريالية في هذا العالم الواقعي جداً حسب ما قال نجيب محفوظ.

"العواصف تغزو بيتنا"

بدت حياة رجب المولود في الإسكندرية درامية، تصل إلى حد المأساوية في كثير من جوانبها، كانت الكتابة ملاذه لمواجهة هذا العالم القاسي الذي كان يواجهه يومياً، بل كانت وسيلته للاستقرار النفسي ولكن الاستقرار لم يحدث.. كما قال عندما حاورته منذ سنوات: "بدأت العواصف تغزو بيتنا.. طلق أبى أمي وتزوج بأخرى، ورحنا أنا وهي نتنقل بين بيوت العائلة.. حتى تزوجت هي أيضاً".

لم يكن أمام رجب سوى أن يعود مرة أخرى إلى الأب الذي اشترط عليه أن يكتفي بالمدرسة الابتدائية وحدها: "عندما أخبرني بذلك أحسست بأنني أريد أن أصرخ أو أبكى أو أجرى كالمخبول، أريد أن تطول يداي لأحتضن البشر وأحكي لهم حكايات طويلة محملة بالعذاب والأسى، وبدا كل من حولي من الباعة يقولون عني (مجنون)".

ظل رجب يكتب ويكتب ويكتب... يستعير من صبحي بائع الهريسة الأوراق البيضاء التي يسودها، ويقرؤها له.. وكانت المفاجأة أن صبحي نفسه يكتب الزجل، وصبي المصور المجاور يكتب القصة والشعر، وبائع المثلجات في محل "على كيفك" يكتب الأغنية، وخادم الفندق الصغير القريب يكتب الشعر.. وعلى الفور كوّنوا رابطة الكتاب الشبان بالإسكندرية.

ضوء بعيد ينير طريق النجاح

وعبر البريد نشأت علاقة بين القاهرة وبين رجب، بدأ في إرسال قصصه إلى المجلات المختلفة.. ليتلقى بعض النصائح في باب الردود، حتى فوجئ بأول قصصه "الجلباب" منشورة في مجلة القصة.

وقال: "أحسست يومها بأنى أكاد أرى ضوءاً بعيداً ينير الطريق إلى شارع النجاح". ورغم السعادة بالنشر، إلا أن رجب لم يعرف الاستقرار، إذ طاردت الشرطة الباعة الجائلين فاشتغل جرسوناً، ثم في مصنع حلويات نادلر، فبائع كتب في المحطة، ثم في مقهى وهكذا: "ظلت الشرطة تستقبلي والحياة تزداد عبوساً".

وفي عام 1956 أرسل رجب إلى لطفي الخولي رسالة يقول فيها: "لم أعد قادراً على المكوث في هذه القهوة التي تضمني في جوانبها الشاحبة 15 ساعة يومياً، أبيع اللب وأوراق اليانصيب.. أنا جائع محروم، أولادي جياع يصرخون.. وما أقسى صرخات الأبناء في آذان الآباء"، وجاءه الرد وظيفة في المجلس الأعلى للثقافة والفنون مع يوسف السباعي.

 وفي قاهرة الستينات بدأ رجب رحلة أخرى، يفوز بجوائز نادي القصة وتنفتح له صفحات الجرائد "الشعب والمساء والرسالة الجديدة".

وفي تلك الفترة يتفق مع 5 من الكتاب الشباب على إصدار مجموعة قصصية مشتركة يتحمس لها يحيى حقي ويختار لها عنوان "عيش وملح"، وصدرت حاملة قصصاً لعباس محمد عباس، ومحمد جاد، والدسوقي فهمي، وعز الدين نجيب، وسيد خميس.

ووصف يحيى حقي المجموعة بأنها واقعية جديدة، معتبراً كتابة رجب كتابة الصدمة والذروة والخبطة، وأنه غيّر شكل ومضمون القصة القصيرة وأنه يسبق زمانه بـ30 سنة.

وبعد صدور المجموعة استضاف أحد البرامج التلفزيونية رجب وزملاءه بصحبة الناقد فؤاد دواره الذي قال يبدو أن هذا الجيل بلا أساتذة.. فرد عليه رجب بعنف: "نعم نحن جيل بلا أساتذة".. لتشتعل معركة ثقافية، بدأها الناقد رشدي صالح في جريدة الجمهورية.

صرخة ضد "حراس البؤس"

ورد عليه رجب في مقالات عدة عنيفة قائلاً: "جيلنا شاب يضع قدمه فوق الجبل، يبكي ويغني ويصغي الجبل له مذهولاً، وعندما ينتهي ينحني الجبل ويصفق، إننا بالفعل نصنع اللغة على هوانا نطوعها وننميها، إنها معنا تكبر وتنضج تزداد شباباً وجمالاً".

لم تكن صرخة رجب ضد "حراس البؤس"، صرخة فردية، بل صرخة "أبناء البخار المكتوم" من الجيل: "كنا أنصاف مجانين وأنصاف عرايا، وأنصاف أفندية ومثقفين"، توالت الاتهامات ضده وتعددت لتبدأ مشكلاته في المدينة الكبيرة. 

لم تفتح القاهرة أحضانها لرجب كما توقع، اكتشف أنه غريب إلى حد القهر.. ويضيف: "وكذلك كان الناس غرباء معنا، وكانت هناك ثورة ودخل كل الكتاب في مصر طابور العرض السريع، أدركنا أننا والناس: جيل بلا أساتذة، لم تكن هناك أبوة تنصحنا، ولم يكن هناك أهل يبحثون عنا، حتى إن الناس أخذهم الكابوس فتركونا نعوي في الساحة وحدنا، ولأننا كنا فتيان، وحصيلتنا طيبة، فقد بدأ التمرد في داخلنا طفلاً سرعان ما أدركته الرجولة".

 كانت صرخته ضد السلطتين الثقافية والسياسية.. كانت احتجاجاً - كما يقول - على وجود الملايين في الصف، وهذا يعني تشابه كل الناس في لعبة الخضوع للحاكم الأوحد، وركبت الأجيال السابقة الموجة، ولم تتح لغيرها فرصة.

وبعد هذه المعركة العنيفة، قدم رجب مجموعته الجديدة "غرباء" للنشر في الدار القومية، ولكن تقرير القراءة وصفها بأنها قصص مغرقة في الغموض، تنحرف إلى الجنس في أحيان أخرى.. ولكن بعد تدخلات من يحيى حقي صدرت المجموعة عام 1968، وهو العام نفسه الذي شهد صدور مجموعته الأخرى: "الكرة ورأس الرجل" التي كانت تحمل عنوان "الوشم الوحشي".. ولكن تم تغييره.

ومع تصاعد الحرب ضده، فكر وقتها في الانتحار، بل أقدم عليه، لكن بعد نصائح الأصدقاء قرر أن يترك القاهرة، ليعود إلى الإسكندرية بشكل نهائي عام 1972موظفاً في المتحف الروماني، ويتوقف عن الكتابة لأكثر من 20 عاماً.. دخل خلالها المستشفى في فترات متعددة، ولمدد متفرقة، لم يكتب خلال تلك الفترة، ولكنه نشر قصصه القديمة في مجموعة حملت عنوان "مخلوقات براد الشاي المغلي".. وعندما عاود الكتابة لم يجد من يسأل عنه.. فقد كان صمته مريحاً للجميع... رحل محافظاً في كتاباته على تلك الوصية: "احذروا الغش والتقليد!".

تصنيفات