بعد رحيل مريد البرغوثي.. الشعر الفلسطيني يتيماً | الشرق للأخبار

بعد رحيل مريد البرغوثي.. الشعر الفلسطيني يتيماً

time reading iconدقائق القراءة - 5
الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي
الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي
القاهرة -

"وكأنه إذ مات أخلف ما وعد.. وكأننا لمناه بعض الشيء يوم رحيله.. وكأننا كنا اتفقنا أن يعيش إلى الأبد"، أبيات من قصيدة حملت عنوان: "هوى الفراق كشرفة سقطت بكل زهورها"، كتبها منذ 10 سنوات تحديداً، الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، في رثاء صديقه الراحل محمود درويش، ليلحق به بعد 13 عاماً، عقب رحلة معاناة مع المرض زادت وطأتها في الشهور الأخيرة.

ويستقر جثمان الشاعر الفلسطيني الراحل في العاصمة الأردنية عمّان، التي عاش بها في سنواته الأخيرة، حيث توجد مدافن الأسرة، ليرافق شريكة دربه الروائية والناقدة المصرية الراحلة رضوي عاشور. 

الفن والألم

"أنا أكبر من إسرائيل بأربع سنوات، والمؤكد أنني سأموت قبل تحرير بلادي من الاحتلال الإسرائيلي. عمري الذي عشت معظمه في المنافي تركني محملاً بغربة لا شفاء منها، وذاكرة لا يمكن أن يوقفها شيء"، كلمات اعتاد البرغوثي أن يكررها، في إشارة إلى مولده عام 1944 قبل أربع سنوات من النكبة.

وُلد البرغوثي في رام الله، ودرس هناك حتى عام 1963 عندما التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة لدراسة الأدب الإنجليزي، وعندما أنهى دراسته جاءت هزيمة 1967 فلم يستطع العودة.

"نجحت في الحصول على شهادة تخرّجي وفشلتُ في العثور على حائط أعلِّق عليه شهادتي"، كما قال في كتابه "رأيت رام الله" (الحاصل على جائزة نجيب محفوظ)، وهو الكتاب الذى تضمن تجربته في التنقل بين المنافي المختلفة لأكثر من 30 عاماً، ووصفه الناقد الفلسطينى الشهير إدوارد سعيد بأنه "كتاب يجسد لنا التجربة الفلسطينية بشكل يؤنسنها ويعطيها، بأسلوبه الجديد، معنى جديداً".

رأيت رام الله

وأضاف إدوارد: "الواقع جعل نص البرغوثي حافلاً بالهموم، من نوع أين يمكنه أو لا يمكنه أن يقيم؟ وكم يمكنه البقاء؟ ومتى عليه أن يغادر؟ والأقسى من ذلك كله ماذا يمكن أن يحدث في غيابه؟من هنا هذه النغمة الموجعة الحزينة في هذا الكتاب، لكنها في الوقت نفسه نغمة عفية وإيجابية، حقاً إن ما يعطي هذا الكتاب تفرده وأصالته المفعمة بالصدق والتي لا تخطئها العين هو نسيجه الشعري الذي يؤكد قوة الحياة".

سنوات المنفى بعيداً عن رام الله ما بين قبرص ولندن، وبيروت وعمان تركت جرحاً كبيراً لدى مريد "تركتني محملاً بغربة لا شفاء وذاكرة لا يمكن أن يوقفها شيء".

مسيرة حافلة

ترك البرغوثي 12 ديواناً، بدأت بـ"الطوفان وإعادة التكوين" (1972)، وآخرها " استيقِظ كي تحلُم "(2018)، فضلاً عن كتابين نثريين هما: "رأيت رام الله"، "ولدت هناك.. ولدت هنا" الذي يعتبر سيرة ذاتية روائية، عن فلسطين التي كانت. 

وقت صدور الديوان الأول للبرغوثي، اعتبره النقاد نقلة جديدة في الأدب الفلسطيني، لم يكن خطابه خطاباً زاعقاً شعاراتياً، إذ يرفض البرغوثي ما  يسميه "الأدب الكاكي"، حيث كان يعتبر هذا النوع مما سمى شعر المقاومة فخ ينبغي الهروب منه دائماً. 

وقال البرغوثي فى شهادة نشرها فى مجلة فصول المصرية: "إننى أؤمن بأن الشاعر حر فى تناول أي مشهد تقدمه الحياة. والمهم هو كيف يصور هذا المشهد بعيداً عن صيغة المبتدأ والخبر والصيغ التعميمية الخطابية المجردة والمياصة الشاعرية والدلع اللغوى الثرثار الذي يكرر المكرر ويقول ما قيل".

وأضاف مقدماً نماذج عالمية لمفهوم المقاومة كما تجلت في الفن: "عندما رسم بيكاسو لوحته الشهيرة (الجرنيكا) لم يقل له أحد إنه انزلق إلى اللوحة السياسية لأنه كان مبدعاً على طريقته الفنية الخاصة. وعندما كتب هيمنجواي (الشيخ والبحر) لم يقدم خطبة عصماء تجريدية عن المقاومة الإسبانية بل كتب عن محاولة صيد سمكة".

وتابع: "أي أنه كتب عن المقاومة الإنسانية من زاويته هو، وعبر تقنياته ووسائله الفنية الخاصة به التي تجلت في المنطق الداخلي للرواية العظيمة التي نعرفها".

وعندما رحلت رضوى عاشور، منذ 6 سنوات، اشتق الكثيرون عبارة من إحدى رواياتها: " لا وحشة في قبر رضوى"، اليوم يلتحق بها نصفها الآخر لتصبح اللاوحشة حقيقية. 

وكتب مريد في رثاء رضوى: "اتركوا الأبواب مفتوحة، ليخرج الحزن. ولتدخل السيدة. وقع خطاها خفيف وأكيد على هذا الدرج. إنني أسمعه يقترب.. تركتكم بعدها لا لتبكوا بل لتنتصروا"، وهي كلمات تصلح أيضاً لرثاء مريد نفسه.

تصنيفات