
على بُعد خطوات من ميدان طلعت حرب وسط القاهرة، يستضيف مركز الصورة المعاصرة معرضاً فوتوغرافياً بعنوان "خَرَجَ والمفروض يَعُد: عن هجرة المصريين للخليج".
وتتقاطع التيمة الأساسية للمعرض مع نوستالجيا المصريين المسافرين للعمل في الخليج، وحسابات الصعود الاجتماعي مقابل الغُربة.
غير أن جولةً على المعرض كفيلة بإثبات أنه ليس معرضاً فوتوغرافياً، بقدر ما هو مشروع بصري، يتماشى مع ذاكرة أبناء المسافرين إلى الخليج، أو المهاجرين مؤقّتاً بحسب القائمين على المعرض، لكنه بعيد كل البُعد عن تيمة الحنين للماضي، بقدر ما هو سؤال مفتوح حول تجربة السفر للعمل في الخليج، وأثرها على الأسر التي سافر أربابها.
خَرَجَ ولم يَعُد؟
"وجودك هنا مؤقّت" بهذه العبارة يستقبل "خَرَجَ والمفروض يَعُد" زوّاره، لتبدأ الرحلة عبر ممرّ ضيّق من ممرّات إحدى الشقق وسط القاهرة، إذ يقع مقرّ مركز الصورة المعاصرة الذي يستضيف المعرض، والفعاليات الموازية له.
تُحيل مباشرةً عبارة "خَرَجَ والمفروض يَعُد" إلى فيلم "خرج ولم يعُد" للمخرج محمد خان (1984). فقد هاجر بطل الفيلم هجرةً داخلية بلا عودة من زحام العاصمة وضجرها، إلى رحابة الريف وهدوء باله.
أما "خَرَجَ والمفروض يَعُد"، فيدور حول هجرة مؤقّتة، نظرياً على الأقل، إلى حين تحسّن الأحوال، وتحقيق إنجاز مُرض على السلّم الطبقي ربما، لكن العودة تلك ليست مضمونة تماماً.
خطابات منسوخة بخط اليد، شرائط كاسيت كانت تقوم مقام الخطابات في مرحلةٍ ما، وصور فوتوغرافية ملتقطة في مواقع عمل ميدانية يرسلها الآباء للوطن، فضلاً عن مشاهد من أعمال درامية تناولت تجربة السفر للعمل في دول الخليج، تضع الزوّار مباشرةً في أجواء التجربة حتى لو لم يعايشوها.
بحسب صاحبة مشروع "أنثروبولوجي بالعربي" فرح حلابة، وهي الجهة المنظّمة للمعرض، فإن تلك التجربة غير مدروسة بشكلٍ كافٍ حتى الآن، ومن ثم فإن مشروع "خَرَجَ والمفروض يَعُد" يقدّم إنتاجاً معرفياً حولها في صورة المعرض، وبرنامج فعاليات، ومطبوعة تشاركية.
ويحتوي المعرض، الذي هو ثمرة مشروع بحثي أنثروبولوجي بالأساس، على أعمال 24 عارض سبق وشاركوا في ورشة عملٍ مطوّلة بصحبة فرح، دارت النقاشات فيها حول أكثر من محور متّصل بالتجربة، وأفضت لأفكار الأعمال، وتنفيذها على النحو الذي ظهرت فيه أخيراً.
وتعدّد فرح في تصريحٍ لـ "الشرق" حزمة الأسئلة التي انطلقت منها نقاشات المشروع، ومن ضمنها ما يتعلّق بدور الأب وديناميكيات العائلة، والفارق بين مفهوم المسكن والمنزل، والمؤقّت والدائم، وبين الخليج ومصر، وصولاً إلى الأنماط اللغوية الفريدة التي يتشاركها أبناء المهاجرين إلى الخليج، فتميّزهم مفرداتها عن غيرهم، مثل تلك التي ظهرت في "سيم سيم صديج"، أحد الأعمال المعروضة في صيغة لعبة توثّق لتلك الأنماط اللغوية.
روتين مُهاجر
بدورها، تنتمي حلابة إلى أسرة مرّت بتجربة الهجرة بحذافيرها، وبالرغم من أنها عادت قبل أعوام، إلا أن والدها لايزال هناك، فاعتبرت روتين ذلك الأب ووحدته، ملهماً للمشروع، الذي تهديه إليه إقراراً منها بحياته المؤجّلة بعد العودة.
غير أن مشتركاً أساسياً يكاد يجمع غالبية تلك التجارب، وهو الطموح، الذي يجعلها تتحوّل من خطة للسفر لبضعة أعوام، إلى حياةٍ كاملة في انتظار العودة.
تروي حلابة، أن خطط أسرتها للسفر لإحدى دول الخليج "كانت محدّدة بأجلٍ مسمّى، لكنها امتدت بالنسبة لوالدها الذي أفصح عن وصيّته وهو لا يزال في غربته بألا يُدفن هناك؛ ليهنأ بعودةٍ أخيرة على الرغم من كل شيء".
تجربة أسرة حلابة، وفقاً لها، تأتي في سياق تجربة أوسع " تركت بصماتها على حياة كثير من المصريين وملامحهم"، ومن ثم اختارت تجريد التجربة الشخصية لأسئلة أنثروبولوجية، والتفكير فيها بشكلٍ جماعي، وهو ما حدث خلال الورشة.
صالون مُذهّب
بخلاف هواجس الموت في الغربة، بعض الأعمال تحمل في طياتها سخرية باسمة، بقدر ما توثّق في الوقت ذاته لإرث شعوري هائل، وذاكرة مثقلة، أحد تلك الأعمال يستعرض الحياة المؤجّلة على هامش الأشياء "المتكرتنة"، أي موضوعة في صناديق كرتونية تمهيدًا للعودة.
ذلك المظهر المألوف لبيوت المهاجرين، الزاخر بالأجهزة الإلكترونية والهدايا المغلّفة بعناية، والمفروش بسجاد "الموكيت"، وقطع الأثاث الخفيفة التي تشي بعدم رغبة مقتنيها في البقاء طويلاً، بخلاف ما عليه الحال في منازلهم بمصر، التي تحتوي أثاث أكثر فخامة وثقلاً، في مقدّمها مجموعة "الصالون المذهّب"، أي المطلي بالذهب، تلك المفارقة بالتحديد، كانت موضوعاً لتجهيز فنّي بالمعرض، بإمضاء لينة الشامي، إحدى المشاركات.
أما المخرجة ناهد نصر، فتوثّق عبر عملها "تورتة عيد ميلاد القذافي"، غربتها الخاطفة بصحبة أسرتها، فيما كان والدها مغادراً إلى ليبيا أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، ويوثّق العمل ما تبقّى من ذاكرة تلك الطفلة من أحداث شخصية وأصوات، وصداقات عفا عليها الزمن، تتداخل مع أحداث سياسية وعامّة، عبر المزج بين الفيديو والتجهيز الفني، بإحدى غرف المعرض.
استنساخ الحياة في الخليج، لمن يعانون من حالة افتقاد لها، كانت موضوعاً لأحد الأعمال بالمعرض، الذي أتى في صورة دليل للعائدين من 7 خطوات، يدلّهم على وسائل مبتكرة وساخرة لإعادة إنتاج ملامح المعيشة بالغربة، على افتراض أنهم يفتقدونها بالتأكيد.
أكثر من فنّان من العارضين لجأوا بدورهم إلى ابتكار ألعاب يعبّروا بها عن تلك التجربة، سواء أكان ذلك في لعبة "سيم سيم صديج" التي تختبر التأثر اللغوي بالحياة في الخليج لدى العائدين، و"لعبة الحظ" التي تستدعي نقوش أغطية الرأس المميّزة للأزياء الخليجية خلفية لأوراق التاروت.
رحلة المتفرّج
تلك الأعمال المتباينة بشدّة، التي تجمع بينها الحالة البصرية، وضعت في جُعبة منسّقة المعرض "فريدة يوسف"، التي انضمّت للمشروع في مرحلة الإنتاج والتنفيذ، لتصيغ تصميماً للمعرض يستوعب كافة الوسائط التي لجأ إليها العارضون، ويجد موضعًا للزائر وسط تلك الرحلة.
توضح منسّقة المعرض في تصريحات للشرق تصميمها قائلة "يبدأ المعرض بفهم الطفل لزمانيته في أثناء تجربة الهجرة،وينتهي بالعودة إلى مصر، ومع كل غرفة من غرف المعرض، ينمو فهمهم لوجودهم في الخليج كمهاجرين مؤقّتين".
وتعتبر فريدة أن "الهدف الأساس من التصميم هو مواءمة تلك التجربة الشخصية مع مسار المتفرّج عبر المعرض، ليصبح وجود المتفرّج في تلك المساحة أيضاً مُعار: خرجنا والمفروض أن نعود".
وتستطرد: "يضمّ المعرض تركيباً من الأعمال الفنّيةلـ 15 فنّاناً يسألون عن كينونة الحياة في الخليج. بالنسبة للكثيرين منهم، تلعب الذاكرة دوراً كبيراً في طرحهم لأعمالهم. ومن خلال استخدامهم لوسائط مختلطة، تضيف أعمالهم الفنية تعقيداً إلى تلك الذكريات. في كثير من الأحيان، ينبش الفنانون ما مزّقته الزمانية أو الوجود المؤقت".
اقرأ أيضاً:




