
يسرد كتاب "محمود درويش في مصر.. المتن المجهول" للصحافي والكاتب المصري سيّد محمود، حكاية شاعر فلسطين مع أمّ الدنيا وظروف دخوله إليها وخروجها منه، وما بينهما من حيوات ونضالات وتطوّرات وتحولات سياسية وثقافية وفنية (تطوّر قصائده) في حياة ذاك الشاب الآتي من "الأرض المحتلّة" وبشّر به غسان كنفاني.
سطع اسم درويش بعد هزيمة 1967، وتحوّل إلى ظاهرة ثقافية تردّد صداها في سائر أنحاء العالم العربي بفضل دواوينه التي توالت بغزارة، ووصل إلى القاهرة في عام 1971 بعدما كان له كتابات ومراسلات مع صحفها ومجلاتها.
وصنعت مجلة "الهلال" المصرية تحت رئاسة تحرير كامل زهيري، الحدث الأهم في حياة درويش في تلك المرحلة الصعبة التي كان يعاني فيها السجن والحصار، ناشرة في مايو 1968 ديوانه "آخر الليل"، وهو من أوائل دواوينه التي نشرت بشكل شرعي داخل الأراضي المحتلة.
تلك الحكاية مع مصر ظلت مشتتة، وما كتب عنها في بعض مقالات متفرقة بقيت يتيمة وتفتقر إلى الدقة، وأراد سيد محمود الذي جمعته صداقة مع درويش كانت الصحافة مدخلها، أن يجمع خيوط تلك الحكاية من خلال الرجوع إلى النصوص التي كتبها درويش في مصر أو التي كُتبت عنه، ليفهم السياق ويُرتّب مشاهد الحكاية قبل التورّط في التأويل وإصدار الأحكام.
قدّم سيد محمود رواية متكاملة تشدّ القارئ من الصفحة الأولى للكتاب الصادر عن "دار المتوسط". ولم يكتفِ بالجهد البحثي وعرض وثائق تنشر للمرة الأولى، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، ليحفر في ظروف حضور درويش من موسكو إلى القاهرة، وأسباب خروجه منها، حيث كانت فلسطين القضية المركزية.
وعرض محمود السياق السياسي وطبيعة التوقيت لتلك المرحلة البالغة الدقة، إذ كانت مصر تمرّ بتغييرات مفصلية أعقبت وفاة الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر. وهي النقطة الأقوى في الكتاب، فلا يمكن فهم تلك العلاقة بين درويش ومصر وما أحدثته القاهرة كمكان جديد في تحوّلات نصوصه الشعرية من دون سرد الظروف المحيطة بها بشكل دقيق.
ويذهب الكاتب إلى مكوّن مهم وهو وسائل الإعلام المصرية التي كانت مرآة الدعم الرسمي والشعبي لدرويش، مثل "دار الهلال" التي كانت من الأكثر اهتماماً بالقضية والإبداع الفلسطيني ومكوّناته، وفي مقدمتها الشعر الذي كان الأكثر جماهيرية حينها.
ويظهر الكتاب كيف كانت الكلمة، ولا سيما الشعر، تحرك الشارع، ويهابها السياسيون، وكيف "لم يكن تقييم درويش لدى المثقفين مسألة شعر وحسب في ميزان النقد، ولكن الأمر كان يتماثل مع فرحة من عثر على بقية أهله أحياء تحت الأنقاض"، كما تُسرّ الكاتبة صافي ناز كاظم لسيد محمود الذي كان لـ"الشرق" معه هذا الحوار..
لماذا أردت كتابة "المتن المجهول"، عن علاقة درويش بالقاهرة وتأثره بالشعراء المصريين؟
كتابي وفاء لوعد قطعته على نفسي أمام محمود درويش خلال زيارته للإسكندرية عام 2003، حيث أحيا أمسية شعرية هناك وكنت أسهم في تغطيتها صحفياً، وروى لي قصته مع مصر التي جاءها عام 1971، وكتب فيها نصوصاً لم يجمعها في كتاب لأنه غادر إلى بيروت بسرعة لم تمكنه من جمع مقالاته. لكن فكرة جمع المقالات أثارت اهتمامه واهتمامي، وأمام صبحي حديدي (الناقد الأدبي السوري) تعهدت بجمعها، واقترحت أن يكتب لها المقدمة.
وبعد 10 سنوات من وفاته وجدت أنه من الضروري إعادة سرد تجربته في مصر وخلفياتها السياسية، وليس فقط جمع النصوص التي أسقطها من تجربته سواء عن وعي أو عن عدم اكتراث، لأني شعرت بأن الكثير من الحكايات تستحق أن نرويها بطريقة أخرى.
هل لدراستك التاريخ تأثير في هوسك في هذا التوثيق عن علاقة درويش بالقاهرة في تلك الفترة الحساسة سياسياً؟
أظن أن العلاقة مع التاريخ موجودة في منهجية البحث، والصحافة مهيمنة في طريقة السرد القصصي. وحين بدأت الكتابة أردت أن أحكي حكاية درويش. وعندما اكتمل النص، اكتشفت أنني رويت أكثر قصة مصر في لحظة حرجة جاءت بعد هزيمة عام 1967 وانتكاسة صوت العرب التي كانت أداة ناصرية بامتياز، فكان على الدولة الجريحة أن تصنع رمزية جديدة تعيد عبرها بناء العلاقة مع فلسطين التي ضاعت أرضها، فكان محمود درويش أنجح وأسرع وسيلة لتحقيق ذلك.
كُتب الكثير عن درويش وحياته وأسراره بعد وفاته، فماذا يقدم كتابك للقارئ العربي؟
نكتب لنتخلّص من هاجس لازمنا، ثم نفكر في القراء وليس في القارئ الواحد. بدأ موضوعي بمغامرة صحافية ورغبة في تتبع الأرشيف ثم تكون كيان استقصائي ألزمني بالحصول على شهادات عمّا لدي من وثائق، وانتهيت إلى كتاب أثبت لي من جديد أن لدى درويش الكثير مما لا يزال مجهولاً وغامضاً، وهذا ما أردت تأكيده، وهو أننا لا نعرف كل شيء دائماً.
تقول إن درويش صناعة مصرية؟ أليس في ذلك الوصف مبالغة؟
لدي قناعة بأن درويش صناعة مصرية، وهذا لا يعني أبداً التجني على موهبته، وإنما تأكيد أن الشرط الموضوعي لازدهار أي موهبة كبيرة يحتاج لمؤسسة ترعاها وتديرها، وهذا ما فعلته مصر معه. بدأ باثنين من الرعاة الكبار أحمد بهاء الدين ومحمد حسنين هيكل، وانتقل من دار الهلال لصوت العرب ثم الأهرام، وهي كيانات كبيرة وفّرت له المناخ الذي هيأ لموهبته فرصة الانطلاق. فهل يحلم شاعر بأكثر مما وجد، مقالات من صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، وكتاب من رجاء النقاش، أظن أنها أشياء لم تكن متاحة لشاعر آخر كان يعيش الوجع ذاته هو أمل دنقل.
ما الصعوبات التي واجهتها خلال البحث؟ وهل كانت الرحلة سهلة؟
ما واجهته دائماً هو أن الأوراق لا تقول كل شيء. مثلاً، بنيتُ قرار مغادرته القاهرة لبيروت على أساس الاحتمالات وليس اليقين، بل إن قصة لقائه المرجّح مع جمال عبدالناصر لا تزال تؤرقني، هي وقصة حصوله على جواز سفر مصري، ومثل هذه الأمور كانت بحاجة إليه شخصياً لأعرف إجابة صريحة.
هناك بين السطور انتقاد لدرويش، كما أن هناك قصيدة شعرية من أحمد فؤاد نجم تسخر منه.
هو وصف دقيق لتجربة عاشها، على الرغم من أني أنكرت عزلته وتحدثت عن مناخ ثقافي عريض انتمى إليه وتعايش معه. والحاصل أن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام سخرا منه في توقيت تزامن مع سخريتهم من كل المثقفين، بما في ذلك رموز مصرية، مثل صلاح جاهين ويوسف إدريس وأم كلثوم، وهي سخرية تناولت أنماط معيشتهم، في أغنية وقصيدة "يعيش المثقف على مقهى ريش"، فضلاً عن نقدهم لزمن عبدالناصر، والسادات من بعده.
لو كان درويش على قيد الحياة كيف تتوقع ردة فعله عن هذا الكتاب؟
لم أفكر أبداً في ذلك، لكني أعتقد أنه كان سيفرح على الأقل لأني أعطيت له وثائق لتأمل ماضيه، ووفيت بوعدي معه، فقد بدأت موهبته ببذرة، وأصبحت حديقة غناء.




