
حققت أوكرانيا، على مدى العامين الماضيين، استخداماً فعالاً للطائرات المسيرة الصغيرة والرخيصة، كأدوات حرب "معقدة وفتاكة"، فيما لم تولِ الولايات المتحدة اهتماماً يذكر، لدرجة أن المحللين أطلقوا "ناقوس الخطر" منذ فترة بشأن نقص الاستعداد الأميركي لعصر الحرب الجديد، وفق موقع The Atlantic.
وأشار الموقع الأميركي إلى أن تحليق سرب من الطائرات المسيرة مؤخراً فوق منشأة عسكرية أميركية تضم أسلحة نووية لا بد أن يغير استعدادات واشنطن لمجابهة خطر المسيرات.
في وقت سابق من مارس، حلقت عدة موجات من 12 إلى 15 مسيرة فوق قاعدة "باركسديل" الجوية في ولاية لويزيانا، وبقيت هناك لمدة تصل إلى 4 ساعات في كل مرة. ووصف The Atlantic المسيرات بأنها "متطورة تكنولوجياً، وأكثر تعقيداً بكثير مما قد يمتلكه الهواة، كما ورد أنها مقاومة للتشويش".
ووفقاً لإيجاز سري حصلت عليه شبكة ABC News فإنه "بعد الوصول إلى نقاط متعددة عبر المنشأة، تفرقت المسيرات فوق مواقع حساسة في القاعدة"، مما يشير إلى أن مشغلي المسيرات كان لديهم قائمة أهداف مخططة مسبقاً للمراقبة، وربما تم إرسالها أيضاً لاختبار الدفاعات الأميركية.
وأثارت الواقعة قلقاً خاصة وأن قاعدة "باركسديل" تضم عشرات القاذفات من طراز B-52H القادرة على حمل أسلحة نووية. وهذه الطائرات جزء من الثالوث النووي الأميركي المكون من القاذفات، والصواريخ الباليستية الأرضية، والغواصات المسلحة بصواريخ باليستية.
وتضم القاعدة "قيادة الضربة العالمية" التي تتحكم في مكونات القوات الجوية للثالوث النووي، ولا تكشف الولايات المتحدة علناً عن مكان تخزين الأسلحة النووية.
ويمكن للطائرات المسيرة، بحجم تلك التي حلقت فوق "باركسديل"، السفر لمسافات قصيرة فقط من مشغليها، عادة حوالي 20 إلى 50 كيلومتراً.
التجربة الروسية
وتحمل الحادثة شبهاً غريباً بعملية "شبكة العنكبوت" الأوكرانية ضد روسيا، ففي يونيو 2025، تم إطلاق مسيرات أوكرانية مخبأة داخل منصات على مقطورات لشن هجوم منسق ومتزامن على عدة قواعد جوية في عمق روسيا، إذ ذكرت تقارير أن نحو 20 طائرة روسية دُمرت أو تضررت، بما في ذلك قاذفات Tu-22M3 وTu-95 القادرة على حمل رؤوس نووية.
ووصف The Atlantic الهجوم بأنه كان أسوأ يوم للقوات الجوية الروسية في الحرب، مضيفة أن الحوادث في "باركسديل" تشير إلى أن الأسطول الأميركي من القاذفات النووية معرض للخطر، تماماً كما كان أسطول روسيا.
ولم تكن باركسديل الهدف الوحيد، ففي الشهر نفسه، شوهدت مسيرات مجهولة فوق "فورت مكنير" في العاصمة واشنطن، حيث يعيش بعض المسؤولين الأميركيين البارزين، ومن بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيجسيث.
كما أبلغت دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) عبر منطقة بحر الشمال عن توغلات عديدة لمسيرات، خاصة فوق منشآت الحلف الحساسة. في المقابل، تنفي روسيا تورطها، لكن العديد من المراقبين يعتقدون أن موسكو مسؤولة عن عدد كبير من هذه الأحداث.
وتفرض المسيرات تحديات عدة، فالدول الآن بحاجة للدفاع في كل مكان وطوال الوقت ضد تهديدات تتراوح من "كوادكوبتر" بقيمة 1000 دولار تحمل نصف رطل من المتفجرات، إلى صواريخ باليستية وفرط صوتية بملايين الدولارات.
معضلة التكلفة
تواجه الولايات المتحدة الآن بعض الصعوبات ذاتها التي تواجهها روسيا، فبلد كبير بجيش كبير لديه الكثير من الأجواء والعديد من الأهداف المحتملة لحمايتها. إن نظاماً مضاداً للمسيرات يمكنه تغطية كل هذه الأصول سيكلف الكثير من الوقت والمال والجهد، ولكن بالنظر إلى وتيرة التطور التكنولوجي، قد يصبح هذا النظام متقادماً قبل أن يصبح جاهزاً.
إحدى الطرق لحماية الأصول العسكرية الأميركية من المسيرات الصغيرة هي وضعها في ملاجئ طائرات محصنة، لكنها باهظة الثمن ولا يزال من الممكن اختراقها بواسطة الصواريخ المتطورة. لذا، تفضل عقيدة القوات الجوية الأميركية الحالية "التوظيف القتالي الرشيق"، بتوزيع الأصول بدلاً من الاعتماد على المرافق المحصنة لحمايتها.
ولكن يبدو أن هذه الاستراتيجية قد تم تطويرها لمواجهة الذخائر الصينية بعيدة المدى في المحيط الهادئ، وليس أسراب المسيرات الصغيرة ذات الاستهداف في الوقت الفعلي تقريباً داخل القارة الأميركية. المرافق التي كانت ذات يوم ملاذات آمنة من جميع أنظمة الأسلحة باستثناء الأكثر تطوراً، أصبحت الآن مكشوفة أمام خصوم أميركا بأسطول صغير من الطائرات المسيرة.
وحسب The Atlantic، يتعين على واشنطن إعادة النظر في استخدام الملاجئ المحصنة لقاذفاتها النووية، مهما كانت تكلفتها. وعلى أقل تقدير، يجب أن تتبع المثال الأوكراني وتضع أصولها العسكرية الحيوية تحت أنواع أخرى من الملاجئ الواقية، أو حتى الشباك. ويجب أن تستحوذ وتنشر المسيرات الاعتراضية بشكل أسرع بكثير، تماماً كما فعلت أوكرانيا بنجاح ضد مسيرات شاهد.










