
تسعى البحرية الأميركية إلى تطوير جيل جديد من المقاتلات المسيّرة القادرة على الإقلاع من حاملات الطائرات النووية وتنفيذ مهام قتالية على مسافة لا تقل عن ألف ميل بحري (1852 كيلومتراً) من دون الحاجة إلى التزود بالوقود، في إطار خطتها لإعادة تشكيل جناحها الجوي استعداداً للحروب المستقبلية.
وأصدرت إدارة الاستحواذ على الطائرات التابعة للبحرية الأميركية، وهي المكتب المسؤول ضمن قيادة أنظمة الطيران البحرية (NAVAIR) عن تحديد آلية شراء طائراتها المستقبلية، في 14 يوليو الجاري، إشعاراً من نوع "Sources Sought"، وهو طلب معلومات موجّه إلى شركات الصناعات الدفاعية لاستطلاع قدراتها على تصميم وإنتاج ونشر جيل جديد من الطائرات المسيّرة المخصصة للعمل من على متن حاملات الطائرات النووية.
ولا يُعد هذا الإشعار مناقصة رسمية أو عقد شراء، بل يمثّل خطوة أولية لتقييم الإمكانات الصناعية المتاحة قبل إطلاق برنامج تسليح جديد، على أن تتلقى البحرية الأميركية ردود الشركات حتى 13 أغسطس المقبل.
ويأتي هذا التحرك في إطار برنامج "الجناح الجوي المستقبلي" (Air Wing of the Future)، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة القوة الجوية العاملة على متن حاملات الطائرات، عبر الانتقال من الاعتماد على مقاتلات الجيل الرابع، مثل F/A-18 Super Hornet، إلى تشكيل متكامل يضم طائرات مأهولة وغير مأهولة من الجيلين الخامس والسادس تعمل بصورة مشتركة، وفقاً لموقع Defense Blog.
كما يندرج البرنامج ضمن مبادرة أوسع ُتعرف باسم "الأسطول الذهبي" (Golden Fleet)، التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتوسيع وتحديث قدرات البحرية الأميركية في مجالي بناء السفن والطيران العسكري، بهدف تسريع إدخال منصات قتالية جديدة مقارنة بعمليات التعاقد التقليدية التي اتسمت بالبطء خلال العقود الماضية.
وتستند البحرية الأميركية في هذا التوجه إلى برامج قائمة بالفعل، أبرزها الطائرة المسيّرة MQ-25A Stingray، التي طورتها شركة "بوينج" لتزويد الطائرات بالوقود جواً، والتي أجرت أول اختبار تشغيلي لها في أبريل 2026، تمهيداً لنشرها على متن حاملات الطائرات من فئتي Nimitz وFord، وهما من حاملات الطائرات العملاقة التي تعمل بالطاقة النووية، والمعروفة بالتسمية العسكرية CVN، والتي تُشكل ركيزة مجموعات حاملات الطائرات الأميركية الضاربة حول العالم.
وفي الوقت نفسه، يواصل برنامج الطائرات القتالية التعاونية (CCA) تطوير طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة تعمل إلى جانب المقاتلات المأهولة بصفتها "الجناح المخلص" (Loyal Wingmen)، بما يتيح توسيع مدى العمليات وتقليل المخاطر التي يتعرض لها الطيارون.
وتتنافس شركات "أندوريل" (Anduril) و"بوينج" (Boeing) و"جنرال أتوميكس" (General Atomics) و"نورثروب جرومان" (Northrop Grumman) على تطوير نسخة قادرة على العمل من حاملات الطائرات، بينما تتولى "لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin) تطوير البنية البرمجية اللازمة لإدارة عدة طائرات مسيّرة بواسطة مشغل واحد.
ويفرض طلب المعلومات الجديد متطلبات أكثر طموحاً، إذ تشترط البحرية الأميركية أن تكون الطائرات الجديدة متوافقة بالكامل مع أنظمة الإقلاع والهبوط المستخدمة على حاملات Nimitz وFord، والتي تعتمد على أنظمة الإقلاع باستخدام المنجنيقات البخارية أو منظومة الإطلاق الكهرومغناطيسية (EMALS)، إلى جانب منظومة أسلاك الإيقاف لالتقاط الطائرات عند الهبوط.
وفي الوقت نفسه، أبدت البحرية الأميركية اهتماماً بتصاميم تعتمد الإقلاع والهبوط العموديين، بما يسمح بتشغيلها من منصات بحرية أصغر، مثل المدمرات والقواعد البحرية المتنقلة، من دون الحاجة إلى مدرج طيران كامل.
وبالنسبة للطائرات المخصصة لتنفيذ الضربات، حددت البحرية حداً أدنى للمدى القتالي يبلغ ألف ميل بحري من حاملة الطائرات من دون إعادة التزود بالوقود، وهو شرط يعكس تنامي تهديدات الصواريخ المضادة للسفن بعيدة المدى، التي باتت تفرض على حاملات الطائرات تنفيذ عملياتها من مسافات أبعد عن مناطق القتال.
كما يطلب الإشعار من الشركات معالجة ما يُعرف بمفهوم (Spot Factor)، أي المساحة التي تشغلها الطائرة على سطح الحاملة مقارنة بقدراتها القتالية، نظراً إلى أن مساحة سطح الطيران تُعد من أكثر الموارد المحدودة على متن الحاملات، حيث تتنافس جميع الطائرات على أماكن التخزين والإقلاع والهبوط.
وتشترط البحرية الأميركية كذلك أن تتكامل أي منظومة جديدة مباشرة مع أنظمة التحكم الحالية الخاصة بالطيران البحري غير المأهول، المستخدمة بالفعل في برنامج MQ-25، بدلاً من إنشاء بنية تحكم مستقلة لكل طائرة مسيّرة جديدة.
وركز الإشعار أيضاً على الجوانب الصناعية والإنتاجية، إذ طلب من الشركات تقديم خطط تصنيع توضح قدرتها على زيادة الإنتاج بسرعة في حال اندلاع نزاع واسع النطاق، إلى جانب مقترحات لخفض تكلفة إنتاج كل طائرة بما يضمن استدامة البرنامج على المدى الطويل.
كما يتعين على الشركات تقديم جدول زمني يشمل موعد أول رحلة تجريبية، وأول هبوط ناجح على متن حاملة طائرات، وصولاً إلى تحقيق القدرة التشغيلية الأولية (IOC)، بما يمنح البحرية تصوراً واقعياً للمدة المطلوبة لتحويل المشروع من مجرد تصميم إلى منصة قتالية جاهزة للخدمة.
وأكدت البحرية الأميركية أن إصدار طلب المعلومات لا يعني الالتزام بإبرام عقود مع أي شركة، إلا أن طبيعة المتطلبات المطروحة، التي تركز على المدى القتالي، والاستقلالية، واستغلال مساحة الحاملة، وسرعة الإنتاج، تعكس تحولاً في رؤية البحرية لمستقبل جناحها الجوي، بما يتلاءم مع متطلبات الحروب المقبلة، بدلاً من الاعتماد على مفاهيم العمليات التي سادت في النزاعات السابقة.










