
تخطط إسرائيل لتوسيع أسطولها البحري وتعزيز استثماراتها في المسيّرات والأنظمة ذاتية التشغيل، بعدما كشفت الحروب المستمرة منذ نحو 3 أعوام نقاط ضعف في حماية طرق التجارة والمنشآت الاقتصادية الحيوية.
يأتي ذلك في الوقت الذي كثفت فيه إيران وحلفاؤها استهداف البنية التحتية ومسارات الشحن، ما دفع تل أبيب إلى إعادة تقييم دور وقدرات قواتها البحرية على حماية اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على البحر، وفق "بلومبرغ".
وذكرت "بلومبرغ"، أنه خلال السنوات الثلاث الماضية، أمضت السفينة "إندبندنس" Independence، وهي "كورفيت" (سفينة حربية خفيفة) من طراز "ساعر 6" تابعة للبحرية الإسرائيلية، آلاف الساعات في حراسة حقول الغاز البحرية ومسارات الشحن الحيوية، في مهمة وصفها قائدها بأنها "لا نهائية".
وأشار إلى أنه عندما كانت إيران أو جماعة "حزب الله" اللبنانية تطلق قذائف باتجاه منصات الغاز، لم يكن أمام الطاقم أحياناً سوى ثوانٍ لتفعيل أنظمة الدفاع الجوي.
ويبلغ طول السفينة 90 متراً، وهي صغيرة بالمعايير العالمية، لكنها الأكبر في البحرية الإسرائيلية. وعادة ما تسجل نحو 1500 ساعة إبحار سنوياً، إلا أنها تجاوزت 4000 ساعة في عام 2024، بحسب قائدها، الذي لم يُكشف عن هويته سوى بالحرف الأول O بموجب قواعد الجيش الإسرائيلي.
ولسنوات، انطلق التخطيط العسكري الإسرائيلي من افتراض أن خصوم البلاد الرئيسيين، وفي مقدمتهم إيران ووكلاؤها، يتمركزون وراء الحدود البرية شرقاً، ما أبقى البحرية ذراعاً صغيرة ومحدودة التمويل مقارنة بالقوات الجوية والبرية وأجهزة الاستخبارات.
لكن الحروب التي تخوضها إسرائيل منذ نحو 3 أعوام فرضت ضغوطاً متزايدة على دفاعاتها البحرية، وكشفت مدى اعتماد الاقتصاد على خطوط الملاحة والمنشآت البحرية.
وقال قائد "إندبندنس" لـ"بلومبرغ"، إن المقذوفات التي استهدفت البنية التحتية الحيوية خلال الدوريات الطويلة حول حقول الغاز في المواجهات مع إيران اتسمت بقصر المدى والسرعة والدقة المتزايدة.
وأضاف أن إيران ووكلاءها يواصلون البحث عن "نقاط عمياء" في دفاعات البحرية الإسرائيلية، واختبار أنظمة الدفاع الجوي، ثم تعديل نيرانهم استناداً إلى ما تكشفه تلك الاختبارات.
اقتصاد يعتمد على البحر
وبفعل عداء محيطها الإقليمي، تعمل إسرائيل عملياً كاقتصاد جزيرة؛ إذ تمر نحو 99% من وارداتها وصادراتها عبر شرق البحر المتوسط، ويعيش أكثر من نصف سكانها في مدن ساحلية، فيما يأتي أكثر من ثلثي احتياجاتها من الطاقة من حقول الغاز البحرية.
كما يعتمد قطاع التكنولوجيا على كابلات بحرية تمتد لنحو 200 ميل بحري قبالة الساحل، في حين يواصل الحوثيون في اليمن، المدعومون من إيران، استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر.
ومع تزايد استخدام إيران وحلفائها الهجمات على البنية التحتية الاقتصادية وطرق التجارة "أداةً للضغط" على خصومهم، خلصت إسرائيل إلى حاجتها لقدرات بحرية جديدة.
وقال المحلل في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، يوفال إيلون: "إذا قرر جيش إرهابي أو دولة فرض حصار على منطقة ما أو الإضرار بخطوط الشحن الإسرائيلية، سواء في البحر الأحمر أو المتوسط، فستواجه إسرائيل مشكلة"، مضيفاً: "سلاسل الإمداد هي شريان الحياة لإسرائيل".
وبحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تمتلك البحرية الإسرائيلية سبع سفن "كورفيت" في الخدمة، فيما تقول وزارة الدفاع إن لديها أيضاً 6 غواصات.
وقال مسؤولون إسرائيليون لـ"بلومبرغ"، إن السلطات خلصت إلى ضرورة توسيع الأسطول. وفي عام 2024، أعلنت وزارة الدفاع أنها ستطلب خمس سفن صاروخية جديدة بقيمة 780 مليون دولار لتحل محل قطع بحرية متقادمة.
أسلحة رخيصة تغيّر معادلات الحرب
ويستغرق بناء السفن الحربية التقليدية وقتاً طويلاً ويكلف مبالغ طائلة؛ إذ تبلغ كلفة الكورفيت الإسرائيلي نحو 150 مليون دولار، فيما تصل كلفة الغواصة الألمانية الصنع إلى نحو 600 مليون دولار.
في المقابل، غيّرت التطورات التكنولوجية والتكتيكية في الشرق الأوسط، وأوكرانيا اقتصاديات الحرب، إذ باتت أسلحة رخيصة وبسيطة نسبياً، مثل المسيّرات والألغام البحرية، قادرة على إحداث أضرار كبيرة إذا استُخدمت بكثافة، أو استهدفت أصولاً اقتصادية حساسة.
واعترفت البحرية الإسرائيلية بإخفاقها في منع مقاتلي حركة "حماس" الفلسطينية من الوصول إلى أحد الشواطئ في السابع من أكتوبر 2023.
كما أخفقت إلى حد كبير في كسر الحصار الذي يفرضه الحوثيون على السفن المرتبطة بإسرائيل في مضيق باب المندب، الذي عرقل حركة الملاحة إلى ميناء إيلات باستخدام مسيّرات وصواريخ منخفضة التقنية نسبياً.
ودفع ذلك البحرية الإسرائيلية، على غرار قوات بحرية أخرى، إلى زيادة الاستثمار في المركبات ذاتية التشغيل، لتوسيع نطاق عملياتها وحماية الأصول فوق سطح البحر وتحته.
وأعلنت البحرية الإسرائيلية في مايو 2024 نشر مسيّرات ذاتية التشغيل لحماية أصولها الاقتصادية البحرية، دون الكشف عن النظام المستخدم.
وبحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تشغّل إسرائيل 10 مركبات سطحية صغيرة ذاتية التشغيل، إلى جانب مركبة كبيرة ذاتية التشغيل تعمل تحت الماء.
رهان على المسيّرات البحرية
وأكد يارون ساريج، رئيس المكتب التنفيذي لبرنامج الذكاء الاصطناعي والاستقلالية في مديرية البحث والتطوير الدفاعي التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، أن البحرية توسع استثماراتها في المسيّرات البحرية ذاتية التشغيل، من دون الكشف عن حجم الإنفاق.
ويعمل قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلي على تلبية الطلب المتزايد على هذه الأنظمة. وطورت شركة "إلبيت نافال سيستمز" Elbit Naval Systems، التي تزود الجيش الإسرائيلي بمسيّرات Hermes الجوية، وأنظمة الحرب الإلكترونية، مركبة Seagull وهي سفينة سطحية ذاتية التشغيل بطول 12 متراً.
وقال نائب الرئيس في "إلبيت نافال" سار كورش، إن مركبة Seagull صُممت لتنفيذ دوريات حول البنية التحتية البحرية الحيوية لمدة تصل إلى 4 أيام دون العودة إلى الشاطئ، كما يمكن استخدامها في مكافحة الألغام والحرب المضادة للغواصات والاستطلاع في أعماق البحار، لافتاً إلى أن شركته باعتها إلى عدة دول، كما استخدمتها البحرية الإسرائيلية.
ولفت كورش إلى أن التطورات في مضيق هرمز، الممر التجاري الحيوي، عززت الاهتمام بتقنيات الشركة لمكافحة الألغام، وسط تقارير عن زرع إيران ألغاماً في المضيق، ما يشكل خطراً على الملاحة.
وفي يوليو الماضي، أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" استخدامها للمرة الأولى مسيّرات بحرية مسلحة في القتال، مستهدفة منشأة لصيانة غواصات، وسفناً في إيران.
وتمنح هذه الأنظمة الأساطيل البحرية الصغيرة، مثل الأسطول الإسرائيلي، قدرة على توسيع نطاق عملياتها بكلفة أقل بكثير من السفن التقليدية، مع فترات اقتناء أقصر وحاجة أقل إلى الأفراد.












