تطوير لقاح تجريبي قادر إبطاء نمو أورام فيروس الورم الحليمي | الشرق للأخبار

تطوير لقاح تجريبي قادر على إبطاء نمو أورام فيروس الورم الحليمي

تصميم دقيق يعزز الاستجابة المناعية ويضاعف قدرة الخلايا التائية على قتل السرطان

time reading iconدقائق القراءة - 6
لقاح تجريبي يبطئ نمو أورام فيروس الورم الحليمي، صورة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
لقاح تجريبي يبطئ نمو أورام فيروس الورم الحليمي، صورة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

طور باحثون بجامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة لقاحاً تجريبياً لعلاج السرطانات المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري.

وأظهر اللقاح التجريبي قدرة واضحة على إبطاء نمو الأورام، وإطالة معدلات البقاء في نماذج ما قبل سريرية، مع تعزيز كبير في الاستجابة المناعية المضادة للسرطان بفضل تصميمه البنيوي الدقيق.

وقال الباحثون إن الأداء المتفوق للقاح لا يعود إلى تغيير مكوناته، بل إلى إعادة تنظيمها بطريقة مدروسة على المستوى النانوي.

وتسلط الدراسة التي نشرتها دورية Science Advances، الضوء على مبدأ علمي عمل عليه الباحثون طوال العقد الماضي، مفاده أن فاعلية اللقاحات لا تعتمد فقط على نوعية مكوناتها، بل كذلك على بنيتها الهندسية، وكيفية ترتيب هذه المكونات داخل الجسيم اللقاحي.

علاج تجريبي للسرطان

قال الباحث الرئيسي في الدراسة، تشاد ميركين، وهو رائد الطب النانوي في الجامعة، وصاحب مصطلح الطب النانوي البنيوي، إن هناك آلاف المتغيرات في الأدوية الكبيرة والمعقدة التي تعرف اللقاحات.

وأوضح أن مجال الطب النانوي البنيوي يساعد في القدرة على تحديد، من بين عدد لا يحصى من الاحتمالات، الترتيبات التي تحقق أعلى فاعلية، وأقل سمية.

وأضاف: "بمعنى آخر، يمكننا بناء أدوية أفضل من الأساس إلى القمة".

وفي المقاربات التقليدية لتصميم اللقاحات، يعتمد الباحثون غالباً على خلط المكونات الأساسية معاً، فعلى سبيل المثال، تتكون العلاجات المناعية لمرض السرطان عادة من مستضدات مشتقة من الخلايا الورمية، تخلط مع مادة مساعدة تحفز الجهاز المناعي، ثم تحقن هذه "الكوكتيلات" في المرضى.

الطب النانوي البنيوي

يصف ميركين هذه الطريقة بـ"منهج الخلاط" حيث تكون المكونات غير منظمة بنيوياً، مؤكداً أن تطور الأدوية خلال العقود الماضية انتقل من جزيئات صغيرة محددة جيداً إلى أدوية أكثر تعقيداً، ولكن أقل تنظيماً من حيث البنية "ولقاحات فيروس كورونا مثال جميل؛ إذ لا يوجد داخلها جسيمان متطابقان تماماً، ورغم أنها مثيرة للإعجاب ومفيدة للغاية، يمكننا أن نحقق أداء أفضل، ولإنشاء أكثر لقاحات السرطان فاعلية، سيتعين علينا ذلك".

داخل مختبر ميركين، أثبت الباحثون أن منهج الطب النانوي البنيوي يسمح بتنظيم المستضدات والمواد المساعدة في تكوينات مثالية، وعند ترتيب المكونات بالطريقة المناسبة، تظهر فاعلية أعلى، وسمية أقل مقارنة بنظيراتها غير المنظمة. 

وطبق هذا النهج بالفعل لتطوير لقاحات ضد عدة أنواع من السرطان، بينها الميلانوما، وسرطان الثدي الثلاثي السلبي، وسرطان القولون، وسرطان البروستاتا، وسرطان خلايا ميركل.

وأظهرت اللقاحات نتائج واعدة في النماذج ما قبل السريرية، كما دخلت 7 أدوية بالفعل مراحل التجارب السريرية على البشر لعلاج مجموعة من الأمراض، إضافة إلى أن هذه التقنية تدخل في أكثر من 1000 منتج تجاري.

الجهاز المناعي والخلايا السرطانية

في الدراسة الجديدة، ركز الباحثون على السرطانات الناجمة عن فيروس الورم الحليمي البشري، الذي يسبب معظم حالات سرطان عنق الرحم، ونسبة متزايدة بسرعة من سرطانات الرأس والعنق، ورغم أن اللقاحات الحالية ضد هذا النوع من السرطان قادرة على الوقاية من العدوى الفيروسية، إلا أنها لا تساعد المرضى بعد تطور السرطان.

ولسد هذه الفجوة، صمم الباحثون عدة لقاحات علاجية تهدف إلى تدريب أقوى أذرع الجهاز المناعي، وهي الخلايا التائية القاتلة على التعرف إلى الخلايا السرطانية الإيجابية لفيروس الورم الحليمي البشري وتدميرها.

وتحتوي كل جسيمة لقاحية على نواة دهنية نانوية، وحمض نووي محفز للمناعة، وجزء قصير من بروتين فيروسي موجود بالفعل داخل الخلايا الورمية.

واحتوت جميع نسخ اللقاح على المكونات نفسها، وكان الاختلاف الوحيد في موضع واتجاه الجزء الببتيدي المشتق من الفيروس. 

جرب الباحثون 3 طرق مختلفة لوضع "العلامة" التي يتعرف بها الجهاز المناعي على الخلايا السرطانية.

في الطريقة الأولى أخفوا العلامة داخل الجسيم النانوي الصغير جداً، وفي الطريقتين الأخريين وضعوها على سطحه حتى تكون ظاهرة بوضوح، لكن حتى عند وضعها على السطح، غيروا طريقة تثبيتها؛ فكل بروتين له طرفان، مثل خيط له بداية ونهاية، فثبتوه مرة من بدايته ومرة من نهايته؛ هذا الفرق الصغير في الاتجاه قد يبدو بسيطاً، لكنه يغير الطريقة التي "يراها" ويتعامل معها الجهاز المناعي، وبالتالي قد يجعل الاستجابة المناعية أضعف أو أقوى.

استجابة مناعية أقوى

وأظهرت النتائج أن اللقاح الذي عرض المستضد على سطح الجسيم وثبته عبر طرفه الأميني حقق استجابة مناعية أقوى بكثير مقارنة بالتصاميم الأخرى؛ فقد أنتجت الخلايا التائية القاتلة مستويات من الإنترفيرون-جاما، وهو بروتين يفرزه الجهاز المناعي يعمل كإشارة تنشيط قوية تحفز الخلايا المناعية على مهاجمة العدوى، والخلايا السرطانية بما يصل إلى 8 أضعاف.

وكانت هذه الخلايا أكثر فاعلية بكثير في قتل الخلايا السرطانية الإيجابية لفيروس الورم الحليمي، وفي نماذج الفئران "المؤنسنة" المصابة بسرطان إيجابي للورم الحليمي البشري، وتباطأ نمو الأورام بشكل ملحوظ وامتدت فترات البقاء. 

أما في عينات أورام مأخوذة من مرضى بسرطانات رأس وعنق إيجابية للفيروس، فقد ضاعفت اللقاحات قدرة قتل الخلايا السرطانية بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات.

وقال الباحثون إن هذا التأثير لم ينتج عن إضافة مكونات جديدة أو زيادة الجرعة، بل عن تقديم المكونات نفسها بطريقة أكثر ذكاء. 

وينظر ميركين إلى هذه النتائج بوصفها خريطة طريق لإعادة تقييم لقاحات سابقة بدت واعدة، لكنها فشلت في إحداث استجابات مناعية قوية، متوقعاً أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً حاسماً في مستقبل تصميم اللقاحات؛ إذ يمكن لخوارزميات التعلم الآلي أن تستعرض بسرعة التوليفات شبه اللانهائية من المكونات لتحديد البنى الأكثر فاعلية.

وأكد أن هذا النهج مهيأ لتغيير الطريقة التي تصاغ بها اللقاحات، قائلاً: "ربما تجاوزنا مكونات لقاحية جيدة فقط لأنها كانت في تكوينات خاطئة؛ ويمكننا العودة إليها، وإعادة هيكلتها، وتحويلها إلى أدوية قوية؛ فمفهوم الطب النانوي البنيوي أشبه بقطار ضخم ينطلق على السكة، لقد أثبتنا أن البنية مهمة باستمرار ودون استثناء".

تصنيفات

قصص قد تهمك