
توصلت دراسة حديثة إلى أن بعض خلايا الجهاز المناعي قد تستطيع التعرف إلى أكثر من فيروس واحد داخل عائلة فيروسية خطيرة تشمل الحصبة، وفيروس نيباه.
تقدم الدراسة مساراً واعداً لتطوير لقاحات، أو علاجات لا تستهدف فيروساً بعينه فقط، بل تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة مجموعة أوسع من الفيروسات القريبة قبل أن تتحول العدوى إلى تهديد قاتل.
وركزت الدراسة، التي أجراها باحثون في معهد "لا جولا" لعلم المناعة في كاليفورنيا، ونشرتها دورية Cell Reports Medicine على الخلايا التائية، وهي من أهم أسلحة المناعة التكيفية.
وتوصل الباحثون إلى أن خلايا تائية تنشط ضد فيروس الحصبة، يمكنها أيضاً التعرف إلى فيروس نيباه، رغم أن المشاركين في الدراسة لم يسبق لهم التعرض لنيباه.
ويعود ذلك إلى وجود مناطق فيروسية محفوظة ومتشابهة بين الفيروسين، تسمح بما يعرف باسم "التفاعل المتبادل" بين الاستجابة المناعية، وفيروسات مختلفة من العائلة نفسها.
تنتمي الحصبة ونيباه إلى عائلة فيروسية واحدة تعرف باسم الفيروسات المخاطية، وتضم هذه العائلة فيروسات ذات أهمية صحية كبيرة؛ فالحصبة شديدة العدوى، وعادت للارتفاع في عدة مناطق مع تراجع معدلات التطعيم، بينما يثير فيروس نيباه قلقاً خاصاً؛ بسبب معدل الوفيات المرتفع المرتبط به.
وسجلت الولايات المتحدة في عام 2026 وحده 2033 حالة مؤكدة من الحصبة، مع توقعات بتجاوز إجمالي حالات العام الماضي.
فيروس نيباه
أما فيروس نيباه، الذي ينتقل عن طريق الخفافيش، فتظل حالاته نادرة نسبياً، لكنه قد يكون قاتلاً بسرعة، إذ يتراوح معدل الوفيات بين 40% و75%، وهي نسبة أعلى بكثير من الحصبة.
لذا؛ يبحث العلماء عن وسائل لا تقتصر على الاستجابة لكل فيروس على حدة، بل تمنح الجسم قدرة أوسع على التعامل مع فيروسات قد تظهر أو تعاود الانتشار في المستقبل. وهنا تظهر أهمية الخلايا التائية المتفاعلة تبادلياً.
والخلايا التائية جزء من الجهاز المناعي التكيفي، أي أنها تتعلم التعرف إلى تهديدات محددة، فخلية تائية قد تكون متخصصة في التعرف إلى فيروس الإنفلونزا، لكنها لا تتعرف بالضرورة إلى طفيلي الملاريا، وتراقب هذه الخلايا أجزاء صغيرة من البروتينات الفيروسية تسمى "الحواتم"، وهي أشبه بعلامات جزيئية تساعد الجهاز المناعي على التمييز بين العدو وخلايا الجسم.
في العادة، تختلف هذه الحواتم من مسبب مرض إلى آخر، لكن بعض الفيروسات القريبة تطورياً تحتفظ بأجزاء متشابهة لا تتغير كثيراً مع الزمن، تعرف بالمناطق "المحفوظة"، وإذا تشابهت هذه المناطق بين فيروسات مختلفة، فقد تتمكن الخلايا التائية التي تعلمت التعرف إلى أحدها من التعرف إلى الآخر أيضاً.
ودرس باحثو معهد "لا جولا" هذا المفهوم خلال جائحة فيروس كورونا عندما أظهرت دراسات أن بعض الخلايا التائية، التي تكونت بعد التعرض لفيروسات كورونا المسببة لنزلات البرد، يمكنها التعرف إلى فيروس SARS-CoV-2 بدرجات معينة، كما درس الباحثون لاحقاً إمكانية توفير حماية واسعة ضد فيروس لاسا وعائلة الفيروسات الرملية، وتأتي الدراسة الجديدة لتوسع هذه الفكرة إلى عائلة الفيروسات المخاطية.
اختبار تفاعل الخلايا والفيروسات
جمع الباحثون عينات دم من 31 مشاركاً تلقوا لقاح الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية، المعروف اختصاراً بلقاح MMR، ولأن الحصبة والنكاف ينتميان إلى عائلة الفيروسات المخاطية، فقد احتوت عينات الدم على خلايا تائية مستعدة للتعامل مع فيروس الحصبة.
في البداية، سعى الباحثون إلى فهم ما تراه هذه الخلايا التائية عندما تواجه فيروس الحصبة. وقاد باحثون تجارب لرسم خريطة الحواتم التي تستهدفها الخلايا التائية على فيروس الحصبة، وكانت هذه الخطوة مهمة بحد ذاتها، لأن الاستجابة التائية الناتجة عن لقاح الحصبة لم تكن مفهومة بتفاصيل كافية، رغم أن الحصبة مرض معروف منذ زمن طويل وله لقاح فعال.
بعد ذلك، اختبر الباحثون كيف تتفاعل الخلايا نفسها مع فيروس نيباه، وكانت النتيجة اللافتة أن بعض الخلايا التائية التي تتعرف إلى الحصبة استطاعت أيضاً التعرف إلى نيباه، رغم أن المشاركين لم يصابوا سابقاً بهذا الفيروس، وبالتالي لم تكن خلاياهم المناعية قد تدربت عليه مباشرة.
بروتين F
وتشير النتائج إلى أن الفيروسين يتشاركان حواتم محفوظة، أي مناطق متشابهة يمكن أن يراها الجهاز المناعي بالطريقة نفسها تقريباً، ووجد الباحثون تحديداً منطقة مشتركة في بروتين الاندماج الفيروسي، المعروف باسم بروتين F الذي يساعد الفيروس على دخول الخلايا وإتمام العدوى، وقد استهدفت أعداد كبيرة من الخلايا التائية المتفاعلة تبادلياً هذه المنطقة الصغيرة والمحفوظة.
وقال الباحثون إن الفكرة المهمة في الدراسة لا تتمثل فقط في فهم استجابة الجسم للحصبة أو نيباه، بل في إمكانية تصميم لقاحات تستهدف عائلات فيروسية كاملة، بدلاً من تطوير لقاح لكل فيروس على حدة.
قال الباحث الرئيسي للدراسة، أليساندرو سيتي، إن التركيز على هذه المناطق المحفوظة قد يملك قدرة وقائية واسعة ضد العائلة الفيروسية بأكملها.
وأشار إلى احتمال أن يكون لدى الشخص الحاصل على تطعيم ضد الحصبة قدر من التفاعل التائي المتبادل مع فيروس نيباه، وقد يفتح ذلك باباً لدراسة ما إذا كان لقاح الحصبة يمكن أن يقدم فائدة ما خلال تفشيات نيباه، وإن كان هذا الاحتمال يحتاج إلى اختبارات مباشرة قبل اعتماده طبياً.
وأوضحت الباحثة المشاركة في الدراسة، ألبا جريفوني، أن تنشيط الخلايا التائية قد يكون خط الدفاع الأول عندما لا يعرف العلماء مسبقاً أي فيروس أو أي سلالة ستكون سبب التفشي التالي؛ فالتحدي في الأمراض الناشئة أن الفيروس الذي يسبب الأزمة قد لا يكون معروفاً أو متوقعاً، ما يجعل الحماية الواسعة هدفاً مهماً.
نتائج مبكرة.. ولكن
رغم أهمية النتائج، لا تعني الدراسة أن لقاح الحصبة أصبح وسيلة مؤكدة للوقاية من فيروس نيباه، ولا أنها تقدم علاجاً جاهزاً ضد الفيروسات المخاطية؛ فالعمل الحالي يصف قدرة مناعية واعدة على مستوى الخلايا التائية، لكنه لا يثبت بعد أن هذه الاستجابة تكفي لمنع العدوى.
واعتمدت الدراسة على عينات من 31 مشاركاً، وهي عينة مفيدة لرسم خرائط مناعية دقيقة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مستوى الحماية في الواقع.
ومع ذلك، فإن الدراسة تقدم معلومة أساسية مهمة؛ ففيروس نيباه، رغم خطورته وندرة التعرض له، يحمل مناطق يمكن لخلايا تائية مدربة ضد الحصبة أن تتعرف إليها؛ كما أنها أول دراسة ترسم حواتم الخلايا التائية على فيروس نيباه، ما يوفر خريطة جديدة للباحثين العاملين على لقاحات وعلاجات ضد هذا الفيروس وأقاربه.










