
ينتج جهاز المناعة البشري أجساماً مضادة فعالة وموثوقة، رغم أن المسار البيولوجي الداخلي المؤدي إلى ذلك يبدو عشوائياً ومليئاً بالضوضاء؛ وهي معضلة معقدة نجحت دراسة حديثة في فك شفرتها.
وتتبعت الدراسة، التي أعدها باحثون بجامعة روكفلر الأميركية، آلاف الخلايا البائية داخل أكثر من 100 مركز جرثومي (وهي البنى المسؤولة عن تدريب الخلايا المناعية) في الفئران.
ويقدم هذا البحث فهماً جديداً للطريقة التي تطور بها الأجسام المضادة كفاءتها بعد العدوى أو التطعيم، مما قد يمهد الطريق مستقبلاً لتصميم لقاحات أكثر فاعلية ضد الفيروسات سريعة التحور مثل الإنفلونزا، وربما فيروس نقص المناعة البشرية.
الجهاز المناعي والأجسام المضادة
وتعمل "المراكز الجرثومية" داخل العقد اللمفاوية كمختبرات تطور صغيرة؛ فبعد دخول ميكروب أو لقاح إلى الجسم، تبدأ الخلايا البائية في هذه المراكز في التحور بسرعة، ثم تتنافس فيما بينها، والخلايا التي تنتج أجساماً مضادة، ترتبط بالهدف بشكل أفضل، تحصل غالباً على فرصة أكبر للبقاء والتكاثر، بينما تختفي خلايا أضعف.
لكن ما وجده الباحثون أكثر تعقيداً من هذه الصورة التقليدية؛ فبحسب غابرييل فيكتورا، رئيس مختبر ديناميكيات الخلايا اللمفاوية في جامعة روكفلر، كان الاعتقاد الشائع أن المراكز الجرثومية تعمل كآلات انتقاء دقيقة تفرز أفضل الأجسام المضادة "غير أن النظر عن قرب شديد يكشف عملية تبدو شبه عشوائية، تشبه رمية عملة منحازة قليلاً، تتكرر مرات كثيرة حتى يصل الجهاز المناعي في النهاية إلى نتيجة موثوقة"، على حد قول فيكتورا.
لاختبار ذلك، صمم الفريق فئراناً بدأت فيها كل الخلايا البائية المتنافسة بالتسلسل نفسه من الجسم المضاد. وبذلك تمكن الباحثون من إعادة تشغيل عملية تطورية واحدة داخل أكثر من 100 مركز جرثومي في الوقت نفسه، ثم تتبعوا ما يحدث باستخدام التصوير المجهري متعدد الفوتونات، وتقنية تنشيط ضوئي بالليزر، وتسلسل آلاف الخلايا البائية الفردية داخل 119 مركزاً جرثومياً.
كما استخدم الباحثون تقنية تسمى "المسح الطفري العميق"، مكنتهم من ربط معظم التغيرات الممكنة في الأحماض الأمينية بأداء الجسم المضاد.
وبهذه الطريقة استطاعوا تقدير قوة ارتباط الأجسام المضادة، وثباتها البنيوي من خلال قراءة تسلسل الحمض النووي للخلايا، دون الحاجة إلى إنتاج كل جسم مضاد على حدة.
ويقول فيكتورا إن الصورة التي ظهرت "بدت أشبه بلعبة كازينو"؛ فبعض الخلايا البائية توسعت بسرعة، وبعضها اختفى، وأحياناً فشلت طفرات واعدة في الانتشار، كما لو أن الحظ يلعب دوراً كبيراً.
وفي بعض المراكز الجرثومية، سيطرت سلالة واحدة من الخلايا على المكان، بينما احتفظت مراكز أخرى بسلالات متعددة دون فائز واضح.
المراكز الجرثومية
ووجد الباحثون أن هذه "اللعبة" ليست عشوائية تماماً؛ فكل جولة من المنافسة الخلوية تميل بدرجة صغيرة لصالح الخلايا التي تحمل طفرات مفيدة، وقد لا يظهر هذا الانحياز بوضوح في جولة واحدة، لكن تكراره آلاف المرات، وعبر مراكز جرثومية كثيرة، يجعل النتيجة النهائية تميل في اتجاه إنتاج أجسام مضادة أقوى.
وتوصل الفريق أيضاً إلى أن الجهاز المناعي لا يفضل دائماً الطفرات التي تنتج أقوى جسم مضاد ممكن، بل يميل إلى الطفرات التي يسهل على آلياته الخلوية إنتاجها.
كما أظهرت النتائج أن المراكز الجرثومية أكثر انتقائية عما كان يعتقد سابقاً، إذ تتخلص بسرعة من الخلايا البائية الأضعف.
"نظام تطوري ذكي"
وتغير هذه النتائج بعض الأفكار القديمة عن كيفية عمل المراكز الجرثومية؛ فهي تشير إلى أن تحسين الأجسام المضادة لا يعتمد أساساً على "انفجارات" نادرة تنمو فيها أفضل الخلايا فجأة، وتسيطر على المركز الجرثومي، بل على عملية متكررة من الطفرات والانتقاء، يكون فيها الحظ حاضراً، لكن مع انحياز صغير يكفي لصناعة نتيجة قوية في النهاية.
ويرى الباحثون أن المراكز الجرثومية قد تصبح نموذجاً جديداً لدراسة التطور نفسه، فبدلاً من دراسة بكتيريا تتكيف مع بيئات معقدة واستراتيجيات بقاء متعددة، تقدم الخلايا البائية نظاماً أوضح؛ فكل الخلايا تسعى إلى هدف واحد تقريباً، وهو إنتاج جسم مضاد يرتبط بالهدف بأعلى كفاءة ممكنة.
قد يساعد هذا الفهم في تصميم طرق توجه تطور الخلايا البائية نحو أجسام مضادة أكثر قوة واتساعاً، خصوصاً ضد مسببات مرضية تتغير بسرعة؛ فبدلاً من النظر إلى جهاز المناعة كآلة دقيقة فقط، تكشف الدراسة أنه أقرب إلى "نظام تطوري ذكي"، يستخدم الفوضى المتكررة للوصول إلى حماية فعالة.









