
قال باحثون أستراليون إن تقنيات تسلسل الحمض النووي يمكن أن تساعد الأطباء على تشخيص التهابات الرئة الخطيرة، بسرعة أكبر، واختيار مضادات الميكروبات بصورة أكثر دقة، خصوصاً لدى المصابين بالتليف الكيسي المعرضين لعدوى مزمنة، ومقاومة للأدوية.
وأوضح فريق من جامعة "فلندرز" في أستراليا أن تحليل المادة الوراثية الموجودة في عينات الجهاز التنفسي، يتيح التعرف على مجتمعات كاملة من البكتيريا، والفيروسات، والفطريات داخل الرئتين، بدلاً من البحث عن كائن واحد كما تفعل كثير من الاختبارات المعملية التقليدية.
ويصاب مرضى التليف الكيسي، وهو اضطراب وراثي يهدد الحياة، بتراكم مخاط شديد الكثافة واللزوجة داخل الرئتين، والممرات الهوائية، والجهاز الهضمي. ويساعد هذا المخاط على احتجاز البكتيريا، ما يؤدي إلى التهابات متكررة قد تسبب تلفاً دائماً في أنسجة الرئة.
الحمض النووي وتشخيص الأمراض
ويضطر كثير من المرضى إلى استخدام المضادات الحيوية لفترات طويلة، أو بصورة متكررة، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور سلالات مقاومة للعلاج، وإحداث اضطراب في تكوين الميكروبيوم، أي مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش بصورة طبيعية داخل الجسم.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، جيسيكا كارلسون جونز، الباحثة في مركز فلندرز لاستكشاف الميكروبيوم، إن تسلسل الحمض النووي يمكنه متابعة التغيرات التي تطرأ على ميكروبيوم الممرات الهوائية، والكشف عن العدوى بسرعة أكبر من الأساليب التقليدية، فضلاً عن تحديد الجينات المرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات.
وأوضحت أن تطبيقات التقنية لا تقتصر على التليف الكيسي، إذ يمكن استخدامها مع أمراض معدية أخرى، قد يؤدي فيها التعرف السريع على مسببات المرض إلى التشخيص المبكر، واختيار علاج أكثر استهدافاً وتحسين نتائج المرضى.
تقنيات التسلسل الجيني
ونشر الباحثون مراجعة علمية في دورية Clinical Microbiology Reviews تناولت إمكانية استخدام تقنيات التسلسل الجيني في دراسة التهابات الجهاز التنفسي لدى المصابين بالتليف الكيسي، بما يشمل تحديد أنواع الميكروبات الموجودة، ومدى تنوعها، والاختلافات بين سلالاتها.
وقال المعد الرئيسي للدراسة، روبرت إدواردز، أستاذ المعلوماتية الحيوية بجامعة فلندرز، إن هذه التقنيات تغير طريقة تشخيص العدوى والتعامل معها، لأنها تكشف النظام الميكروبي بأكمله بدلاً من التركيز على مسبب واحد فقط.
وأضاف أن الدراسات الحديثة أظهرت أن عدوى الرئة لدى مرضى التليف الكيسي لا تنتج بالضرورة عن نوع منفرد من البكتيريا، بل ترتبط بمجتمعات معقدة من البكتيريا والفيروسات والفطريات، قد تتفاعل مع بعضها، وتؤثر في تطور المرض، واستجابة المريض للعلاج.
ويمكن لتحليل العينات أيضاً الكشف عن جينات مقاومة المضادات الحيوية، والعوامل التي تزيد قدرة الميكروبات على إحداث المرض، إلى جانب الوظائف الأيضية التي تؤديها الكائنات الدقيقة داخل الممرات الهوائية.
ويأتي الاهتمام بهذه التقنيات في وقت اتسع فيه استخدام أدوية تعرف باسم "معدلات بروتين منظم التوصيل الغشائي للتليف الكيسي"، وهي عبارة عن علاج يستهدف الخلل البروتيني المسبب للمرض بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع أعراضه.
وقالت جونز إن هذه الأدوية أحدثت تحسناً كبيراً في حياة كثير من المرضى، لكن العلماء لا يزالون يدرسون كيفية تأثيرها بمرور الوقت في المجتمعات الميكروبية الموجودة داخل الرئة، وما إذا كانت تغير طبيعة العدوى، أو استجابتها للمضادات الحيوية.
التسلل الميتاجينومي
ويستكشف الباحثون في ولاية جنوب أستراليا أيضاً إمكانية استخدام أجهزة محمولة لتسلسل الحمض النووي، لا يزيد حجم بعضها على حجم الهاتف المحمول، ويمكن توصيلها مباشرة بجهاز كمبيوتر، لإتاحة الفحوص السريعة في المستشفيات، والمناطق الريفية والنائية.
وأشارت جونز إلى أن وحدات للعناية المركزة في بريطانيا بدأت بالفعل إدخال تقنيات التسلسل الميتاجينومي لعينات الجهاز التنفسي؛ بهدف تسريع تشخيص الالتهابات الشديدة، وتوجيه العلاج بمضادات الميكروبات.
لكنها قالت إن التقنية تحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل أن تصبح جزءاً من الممارسة الطبية الروتينية في أستراليا، وخاصة للتأكد من دقتها، وسرعة نتائجها، وجدواها الاقتصادية، وكيفية تفسير الكميات الكبيرة من البيانات التي تنتجها.
مراقبة مسببات الأمراض
ويرى الباحثون أن تطور أجهزة التسلسل، وبرامج تحليل البيانات، قد يسمح مستقبلاً بمراقبة مسببات الأمراض في الوقت الفعلي، واختيار المضادات الحيوية بناءً على التركيب الميكروبي لكل مريض، وتقليل استخدام أنواع العلاج واسع النطاق عندما لا يكون ضرورياً.
وقال الباحثون إن هذه المقاربة قد تسهم في الحد من الاستخدام غير الملائم للمضادات الحيوية، وإبطاء تطور مقاومة الميكروبات للأدوية، لكنها لن تحل محل التقييم السريري، أو الاختبارات المعملية الحالية قبل استكمال الدراسات اللازمة، وإقرارها للاستخدام الطبي الروتيني.









