
طوّر باحثون بجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست"، في السعودية، بالتعاون مع جامعة أكسفورد البريطانية، مستشعراً إلكترونياً فائق الحساسية، لرصد بصمات جزيئية مرتبطة بمرض باركنسون (الشلل الرعاش) في عينات الدم.
وحققت التقنية، في دراسة أولية شملت 59 مشاركاً، دقة بلغت 90.9% في التمييز بين الأنماط الجزيئية المرتبطة بالمرض، وتلك الموجودة لدى الأصحاء.
وأفادت الدراسة التي نشرتها مجلة "Science Advances"، بأن المستشعر الذي طُوّر في "كاوست" يستطيع الكشف في آنٍ واحد عن 3 أشكال مختلفة من بروتين (α-synuclein)، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمرض باركنسون، وقياسها بتركيزات بالغة الانخفاض يصعب قياسها بتقنيات التحليل التقليدية.
وقالت البروفيسور شاهيكا إينال، الأستاذة المشاركة في الهندسة الحيوية في "كاوست": "قد تبدأ التغيّرات المرتبطة بمرض باركنسون قبل وقت طويل من تشخيصه سريرياً، ورغم سهولة الحصول على عينات الدم، إلا أن الكشف عن هذه التغيّرات من خلالها لا يزال تحدياً كبيراً".
وأضافت: "تتيح لنا التقنية التي طوّرناها رصد عدة أشكال من بروتين ألفا-سينوكلين في الوقت نفسه، حتى عندما تكون تركيزاتها في الدم منخفضة للغاية، وهذه النتائج الأولية مشجّعة، وخطوتنا المقبلة هي التحقق من أداء التقنية لدى أعداد أكبر بكثير من المرضى".
كيفية تشخيص مرض باركنسون
ويتسبب مرض باركنسون في تلف الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين، ما يؤدي إلى اضطرابات في الحركة والتوازن، ووظائف أخرى في الجسم.
ويعتمد تشخيص الإصابة حالياً، بدرجة كبيرة، على التقييم السريري، وغالباً ما يُشخَّص بعد ظهور الأعراض الحركية المميّزة له، وقد يتيح رصد البروتينات المرتبطة بالمرض، التي يكون مصدرها الدماغ، التعرف عليه في مرحلة أبكر.
غير أن قياس هذه البروتينات في الدم يمثّل تحدياً كبيراً؛ إذ إن أكثر من 95% من بروتين "ألفا-سينوكلين"، الموجود في الدورة الدموية، مصدره خلايا الدم الحمراء، ما يولّد تشويشاً يُعقّد تمييز الإشارات المستهدفة.
طريقة جديدة للتشخيص المبكر
ولرصد البروتينات القادمة من الخلايا العصبية، تبدأ الطريقة الجديدة بعزل حويصلات دقيقة تُطلقها هذه الخلايا إلى مجرى الدم، ثم تحليل محتوياتها من البروتينات باستخدام المستشعر الإلكتروني.
وترتكز التقنية على "ترانزستور" يحوّل الإشارات الحيوية بالغة الضعف إلى إشارات إلكترونية أقوى بكثير، ما يتيح قياس الأشكال الثلاثة من بروتين "ألفا-سينوكلين" في غضون 40 دقيقة.
وأُجري التقييم على عينات المشاركين من مجموعة "أكسفورد ديسكفري" البحثية، دون إطلاع القائمين على التحليل على الحالة الصحية لأصحاب العينات.
وشملت الدراسة أشخاصاً شُخّصت إصابتهم بمرض باركنسون، وأصحاء شكّلوا مجموعة للمقارنة، وآخرين يعانون من "اضطراب سلوك نوم حركة العين السريعة المعزول" (iRBD)، وهو اضطراب يرتبط بزيادة احتمال الإصابة بباركنسون، أو اضطرابات عصبية ذات صلة.
ورصد الباحثون اختلافات بين المجموعات في أنماط الأشكال المختلفة من بروتين "ألفا-سينوكلين"، ما يشير إلى أن قياس هذه الأشكال مجتمعة قد يوفّر معلومات أكثر فائدة للتشخيص مقارنةً بالاعتماد على مؤشر واحد.
الكشف المبكر عن الأمراض في السعودية
وفي المملكة العربية السعودية، تولي منظومة الرعاية الصحية اهتماماً متزايداً بالوقاية والكشف المبكر، بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، الذي بلغ 79.7 عاماً، مقترباً من مستهدف "رؤية السعودية 2030" البالغ 80 عاماً.
ومع توقّع ارتفاع نسبة كبار السن بدرجة كبيرة خلال العقود المقبلة، قد تزداد أهمية التقنيات التي يمكن أن تسهم مستقبلًا في الكشف المبكر عن الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، مثل باركنسون، لتلبية احتياجات الرعاية الصحية على المدى الطويل.
ورغم النتائج الأولية المشجّعة، يؤكد الباحثون أن التقنية ليست جاهزة بعد لتكون فحصاً للدم يُعتمد عليه فقط في التشخيص؛ إذ اقتصرت الدراسة الحالية على تقييم بأثر رجعي لمجموعة أولية من المشاركين.
ويتطلب الانتقال إلى الاستخدام السريري المعتاد إجراء دراسات أوسع نطاقاً في مراكز متعددة، تتابع المشاركين بمرور الوقت، للتحقق من قدرة التقنية على التنبؤ بالمرض على المدى البعيد.










