
أدان الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، لويجي دي مايو، الهجمات الإيرانية المستمرة على السعودية ودول خليجية أخرى، وتعهد بأن تقف أوروبا إلى جانبها بكل ما تملكه من معلومات استخباراتية ووسائل أخرى للمساعدة في الدفاع عن المنطقة.
وفي مقابلة مع موقع "عرب نيوز" بالرياض، عقب الاجتماع الوزاري الاستثنائي بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في 5 مارس الجاري، لفت دي مايو إلى أن التكتل "أدان بشدة الهجمات الإيرانية غير المبررة ضد دول مجلس التعاون الخليجي"، وأكد دعمه الكامل لحق المملكة في الدفاع عن نفسها.
ووصف دي مايو زيارته إلى الرياض بأنها تعبير صريح عن التضامن مع السعودية في أعقاب موجات من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران، في إطار المواجهة الأوسع التي اندلعت نتيجة الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ أواخر فبراير.
وقال: "أقوم بزيارة إلى المملكة العربية السعودية ممثلاً للاتحاد الأوروبي بعد الهجمات التي تعرضت لها السعودية خلال الأسابيع الماضية، خاصة لإظهار تضامني مع المملكة.. وللتأكيد على أننا نُعجب حقاً بالصلابة الاستراتيجية للمملكة خلال هذه الفترة".
وأشار دي مايو إلى البيان المشترك بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الصادر عقب الاجتماع الوزاري، والذي وصف الضربات الإيرانية على دول الخليج بأنها "غير مبررة" وتشكل تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي.
وأضاف: "نعم، أؤكد ما ورد في ذلك البيان، بل وأؤكد ذلك بشكل أكبر لأن البيان صدر بعد نحو 5 أيام من الهجمات"، مشيراً إلى أن نمط هذه الهجمات قد اتسع منذ ذلك الحين.
وقال: "الآن تجاوزنا أسبوعين، وإيران لا تهاجم القواعد العسكرية فقط، بل تهاجم البنى التحتية المدنية، وتستهدف المدنيين.. ولهذا فإن دعوتنا لإيران هي وقف هذه الهجمات ضد دول مجلس التعاون الخليجي".
وشدد على أن الإدانة تسير جنباً إلى جنب مع دعم الحق القانوني لدول الخليج في الرد.
"يمكن للخليج أن يعوُل علينا"
وأضاف دي مايو: "على أي حال، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي مثل المملكة العربية السعودية أن تعوّل علينا وعلى دعمنا، لا سيما في دعمها وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع عن النفس".
وعند سؤاله عما إذا كان الاتحاد الأوروبي مستعداً للانتقال إلى ما هو أبعد من البيانات السياسية نحو أشكال أكثر واقعية من الدعم الأمني، أوضح دي مايو صراحة بأن التكتل مستعد للاستجابة لطلبات دول الخليج، بما في ذلك بمجالي الاستخبارات وتكنولوجيا الدفاع.
وقال: "نحن تحت تصرفهم (دول الخليج) فيما يتعلق بطلباتها، ولهذا فإن هذه المهمة تعد، بالنسبة لي أيضاً، فرصة لزيارة كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي للاستماع إليها، والاستماع إلى طلباتها".
ويمتد هذا الانفتاح إلى مجالات تعاون حساسة، بما في ذلك تقاسم الخبرة الأوروبية في مواجهة الطائرات المسيرة الإيرانية، وبناء منظومات دفاع جوي وصاروخي متكاملة مع الشركاء في الخليج.
وفي الواقع، فإن طائرات "شاهد" المسيرة التي أرعبت مدناً أوكرانية أصبحت الآن جزءاً من أدوات إيران في ساحة الخليج أيضاً، بحسب "عرب نيوز".
وقال الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج: "إن هذا التبادل وهذا التعاون بين الحكومة الأوكرانية وحكومات دول مجلس التعاون الخليجي مهم جداً، لأننا، كأوروبيين وكدول مجلس التعاون، نواجه تحديات متشابهة".
وأضاف: "فالنوع نفسه من الطائرات المسيرة، (شاهد)، الذي يضرب الأراضي الأوكرانية، يضرب الآن أراضي دول مجلس التعاون الخليجي، منتهكاً أجواء هذه الدول".
وتابع: "ولهذا يتعين علينا أن نتشارك المعرفة والخبرات والتكنولوجيا، بل وأن نعزز الربط بين صناعاتنا الدفاعية بشكل أكبر، لأنني أعتقد أن لدى أوروبا الكثير من الخبرات التي تتيح لدول مجلس التعاون مواجهة هذا التحدي".
وبالنسبة لدي مايو، تهدف هذه الشراكة الدفاعية الناشئة إلى تعزيز القدرات في وقت أدت فيه حملة إيران بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى تعطيل تدفقات الطاقة، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف البنية التحتية المدنية في أنحاء المنطقة.
ووصف المبعوث الأوروبي الخليج العربي بأنه "مترابط استراتيجياً" مع أوروبا، معتبراً أن الأمن في المنطقة لم يعد من الممكن التعامل معه كقضية بعيدة.
وقال: "الأمر لا يتعلق بالطاقة فقط، بل يتعلق بالأمن الغذائي، ويتعلق بالاستثمارات، ويتعلق بالروابط الجوية.. كل شيء مترابط بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي".
وخلال السنوات الثلاث الماضية، ومع تلاقي التوترات مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والأزمة في البحر الأحمر، بَنت بروكسل وعواصم الخليج بهدوء شبكة كثيفة مما يسميه دي مايو "بنية تحتية من قنوات التعاون الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية".
وتخضع هذه البنية الآن لاختبار ضغط بفعل صراع اتسع من الضربات الأميركية الإسرائيلية داخل إيران إلى رد إيراني في صورة هجمات بأنحاء المنطقة، بما في ذلك استهداف منشآت نفطية وسفن في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
وقال دي مايو: "أولاً وقبل كل شيء، استجابت دولنا الأعضاء بالاتحاد الأوروبي فوراً لنداءات دول مجلس التعاون الخليجي وفقاً لاتفاقياتها الثنائية، من حيث الدعم العسكري والدفاعي، ومن حيث الأصول".
وأضاف: "ثانياً، البحر الأحمر أصبح الآن أكثر أهمية، حتى إذا نظرتُ إلى المسارات البديلة لتصدير الطاقة، فإن البحر الأحمر حاسم".
وتابع: "ولهذا نحن فخورون جداً بمهمتنا الدفاعية في البحر الأحمر، مهمة (أسبيدس) التابعة للاتحاد الأوروبي، التي ترافق السفن التجارية وتحميها من صواريخ وطائرات الحوثيين المسيّرة".
وأُطلقت عملية "أسبيدس" في عام 2024، وتم منذ ذلك الحين تمديد ولايتها حتى عام 2027، حيث تعمل في البحر الأحمر وباب المندب وصولاً إلى شمال غرب المحيط الهندي الأوسع، لحماية الشحن التجاري من تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتابع قائلاً: "ثم هناك مضيق هرمز".
وأضاف: "الممثلة العليا ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كایا كالاس، اتصلت قبل أيام بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، مقترحة خطة لمضيق هرمز باستخدام نموذج مبادرة حبوب البحر الأسود".
وتابع: "كانت مبادرة مهمة جداً تمكّنا فيها، كمجتمع دولي، وبتسهيل من الأمم المتحدة، من إنشاء ممرات إنسانية وممرات بحرية".
وقال: "وفي حالة (مضيق) هرمز، يتعلق الأمر بالأسمدة، والأمن الغذائي، بل ويتعلق أيضاً بالنفط والغاز، لأننا إذا نظرنا إلى تأثير هذه الأزمة على بعض الدول حول العالم، سنرى الأزمة الإنسانية التي تُنتجها".
وبحسب "عرب نيوز"، تشير تصريحات دي مايو إلى قلق أوسع في بروكسل من أن الحرب مع إيران، وهجمات طهران على البنية التحتية للنفط والغاز في الخليج وعلى ناقلات النفط، ستُفاقم الأزمات الإنسانية في الدول النامية المستوردة للطاقة التي تعاني أصلاً من ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات.
إشادة بسلوك السعودية
وفي ظل هذا المشهد المتقلب، أشاد دي مايو بموقف السعودية، سواء في تعاملها مع التهديدات اليومية أو في محاولاتها منع اندلاع الحرب الحالية من الأساس.
وقال: "أولاً، صمود المملكة مهم جداً على المستوى العالمي لمواجهة هذه الأزمة.. لكن دعوني أؤكد أن المملكة تتعرض لهجمات يومية من إيران، وهي تتصدى لهذه الهجمات بنجاح".
وأضاف: "لكن السعودية، مثل العديد من دول مجلس التعاون الأخرى، حاولت حتى اللحظة الأخيرة التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لتجنب هذه الحرب، ولقد سعت إلى المسار الدبلوماسي لتفادي تأثير مثل هذه الأزمة على الأسواق العالمية وعلى المشهد العالمي عموماً".
وتابع: "لذلك فإن قدرة السعودية على الصمود من حيث البنية التحتية للطاقة، وعلى التحرك الاستباقي من حيث القنوات الدبلوماسية، وعلى كونها محركاً مهما لتكامل مجلس التعاون الخليجي، أمر حاسم لمستقبل هذه الأزمة".
وأوضح: "ورسالتي إلى إيران، في كل الأحوال، هي أنه كلما استمرت في الهجمات، زاد خطر تفاقم التصعيد".
وفي الوقت الذي استهدفت فيه إيران البنية التحتية النفطية ومسارات الشحن، سارعت الرياض ومنتجون خليجيون آخرون إلى إعادة توجيه الصادرات عبر خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب وموانئ البحر الأحمر للحد من التأثير على الأسواق العالمية.
وقال دي مايو إن هذه القدرة على التكيف السريع تعد عنصراً أساسياً في منع صدمة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد بكثير من المنطقة.
"نحن في خدمة الخليج"
وبالإضافة إلى الضمانات الأمنية، أشار دي مايو إلى سجل الاتحاد الأوروبي في فرض العقوبات على إيران، بما في ذلك خطوة حديثة تقضي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.
وقال: "لا شك لدينا في خبرتنا في فرض العقوبات على كيانات محددة وأشخاص محددين، مرتبطين حتى بالمواد ذات الاستخدام المزدوج المستخدمة في تصنيع طائرات شاهد المسيرة. ونحن في خدمة (دول مجلس التعاون الخليجي) تماما لمشاركة هذه الخبرات والمعلومات".
وبعيداً عن الجانب الأمني الصرف، اعتبر دي مايو مجلس التعاون الخليجي، والسعودية على وجه الخصوص، فاعلاً دبلوماسياً لا غنى عنه في منع تحول المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى حرب إقليمية أوسع.
وقال: "أعتقد أن دور دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الماضية كان أساسياً. فعلى سبيل المثال، إذا نظرنا إلى روسيا وأوكرانيا، فقد تفاوضت على أكبر عدد من عمليات تبادل الأسرى بينهما".
وأضاف: "وإذا نظرنا إلى سيناريوهات أخرى، مثل منطقة البحيرات العظمى في إفريقيا، أو إلى الماضي في غزة ووقف إطلاق النار هناك، فإن دبلوماسية دول مجلس التعاون قبل هذه الحرب، وحتى بعد الصراع الحالي، كانت وتزداد أهمية بالنسبة لنا كأوروبيين".
وختم بالقول: "نريد تعزيز الشراكة معهم أكثر فأكثر، لأن هذه القدرة على التفاوض، وهذه القدرة على الدبلوماسية المباشرة بين القادة، أمر ثمين بالنسبة لنا".










