"ألغام من السماء".. كيف حاصرت واشنطن مدن الصواريخ الإيرانية؟ | الشرق للأخبار

"ألغام من السماء".. كيف حاصرت واشنطن مدن الصواريخ الإيرانية؟

time reading iconدقائق القراءة - 7
صورة متداولة لألغام أرضية أميركية في مدينة شيراز الإيرانية - Washington post - .
صورة متداولة لألغام أرضية أميركية في مدينة شيراز الإيرانية - Washington post - .
دبي -

كشفت تقارير أميركية عن استخدام الولايات المتحدة منظومة نثر ألغام من الجو في مدينة شيراز الإيرانية، لشل حركة قواعد الصواريخ الإيرانية، وإنشاء حقول ألغام مضادة للأفراد والمعدات.

ونشرت صحيفة "واشنطن بوست" نتائج تحقيقها حول ظهور ألغام على أراضي مناطق سكنية جنوبي إيران، وذلك في خضم الحرب الدائرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وأشارت الصحيفة إلى أن الصور التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي تعود لمناطق على مشارف مدينة شيراز التي تبعد نحو ثلاثة أميال من مواقع لقواعد إطلاق صواريخ باليستية إيرانية. 

وأكد أربعة خبراء في الذخائر درسوا الصور أنها تُظهر ألغاماً مضادة للدروع أميركية الصنع من طراز BLU-91/B، مشيرين إلى أن هذه النوعية من الألغام تُنثر عادة من الطائرات عبر منظومة تشتيت الألغام "جاتور".

وتُعدّ الولايات المتحدة الدولة الوحيدة المشاركة في الصراع التي تمتلك هذه المنظومة، بحسب تقرير لوكالة أنباء "الأناضول" التركية.

بينما رفضت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التعليق، أعلنت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن عدداً من الأشخاص لقوا حتفهم بعد نثر الألغام في مناطق قرب قرية كفاري جنوب إيران، وأن الأجسام تشبه "علب طعام جاهز حجمها أكبر قليلاً من علب التونة".

ألغام أميركية على الخارطة

حدد فريق التحقيق في منظمة "بيلينجكات"، وهي منظمة استخبارات مفتوحة المصدر OSINT، موقع بعض الألغام بالضبط في قرية كفاري بإيران، مؤكداً أن هذا مقاطع الفيديو المرصودة تظهر ما لا يقل عن ثلاثة ألغام على بُعد نحو كيلومترين من مدخل ما يُعرف بقاعدة شيراز الجنوبية للصواريخ، وهي إحدى "مدن الصواريخ" الإيرانية.

وتأسست المنظمة البريطانية (Bellingcat) عام 2014 على يد الصحافي البريطاني إليوت هيجينز، ومسجلة في بريطانيا وهولندا والولايات المتحدة، ووثقت استخدام الأسلحة الكيمائية في سوريا، وحققت في أحداث عسكرية عديدة في ميانمار، وأوكرانيا، وروسيا، وغيرها.

وأضافت المنظمة أن واشنطن هي الطرف الوحيد في الحرب المعروف بامتلاكه هذه الألغام، فيما لا تُظهر قواعد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أي نقل لهذه الألغام إلى إسرائيل.

وتُعرف الألغام المنثورة جواً باسم Air-Delivered Scatterable Mines، والتي يتم نشرها من الطائرات أو المروحيات أو راجمات الصواريخ، وتُنشر على مساحات واسعة وتصبح مفعلة بعد وصولها للأرض.

ووفق تقارير دولية، فإن الألغام سواء كانت مضادة للأفراد، أو المركبات تُعد أسلحة غير تمييزية، خاصة أنها قد تنفجر بسبب مرور مركبة عسكرية، أو مدنية على حد سواء.

الألغام المنثورة جواً

الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي طورت هذا النوع من الألغام، فقد طور الاتحاد السوفييتي، ومن بعده روسيا، سلسلة ألغام PTM المضادة للمركبات، مثل PTM-1S وPTM-3، والتي يمكن نشرها من الطائرات، أو المروحيات، أو راجمات الصواريخ مثل جراد وأوراجان.

في أوروبا أيضاً طُورت أنظمة مماثلة، إذ طورت ألمانيا أنظمة ألغام تُنثر من الطائرات ضمن نظام MW-1 Aircraft Mine Scattering System، كما طورت إيطاليا ألغاماً مضادة للمركبات يمكن نشرها بواسطة المروحيات.

منظومة "جاتور" وألغام BLU-91/B

منظومة "جاتور" ليست وليدة اليوم، فهي منصة أميركية لتشتيت الألغام طوّرها الجيش الأميركي وسلاح الجو في مطلع الثمانينيات، وصُمّمت لزرع حقول ألغام مختلطة سريعاً عبر ذخائر عنقودية تُلقى من الطائرات التكتيكية عالية السرعة.

وتحتوي حاويات التشتيت ما بين 60 و94 لغماً تجمع بين طراز BLU-92/B للأفراد، وBLU-91/B  للمركبات، وتغطي منطقة تبلغ نحو 200 متر عرضاً و650 متراً طولاً.

أما لغم BLU-91/B تحديداً، فهو لغم مضاد للمركبات يُلقى جواً ويعمل بآلية تحسس مغناطيسية، ويتمتع بآلية تدمير ذاتي، إذ يتكون من حساس لتحديد الهدف، وشحنة رئيسية، ومصدر طاقة عبارة عن بطاريات ليثيوم، وكذلك يتضمن اللغم إلكترونيات للتدمير الذاتي.

وتنشط هذه الألغام بعد دقيقتين من نثرها، وتنفجر عند الاقتراب منها أو تحريكها، كما يمكن ضبط التدمير الذاتي على 4 ساعات أو 48 ساعة أو 15 يوماً، غير أنها قد تنفجر قبل ذلك، مما يجعلها خطيرة بشكل استثنائي، بحسب تقرير المنظمة.

الألغام تحاصر "مدن الصواريخ"

يُمثّل استخدام ألغام منثورة جواً خطوة للأمام في مواجهة إيران التي تمتلك قواعد صواريخ تحت الأرض، موزعة على مساحات جغرافية واسعة، تُعرف بـ"مدن الصواريخ"، وهي منشآت منحوتة في الأغلب تحت جبال صلبة، وتتضمن مركبات إطلاق متنقلة، ومخازن صواريخ وعتاداً متنوعاً.

وأظهرت صور التقطتها أقمار اصطناعية منصات إطلاق متنقلة خرجت من إحدى القواعد الجوفية نحو واد مجاور، لكنها دُمِّرت قبل أن تتمكن من إطلاق صواريخها بحسب تقارير إسرائيلية.

وتكمن قيمة الألغام في قدرتها على فرض حصار على مداخل ومخارج مدن الصواريخ، مما يجعل خروج أو دخول منصات الاطلاق المتحركة محفوفاً بالمخاطر، كما تجعل الألغام إمكانية استقدام معدات ثقيلة لفتح الأنفاق المدمرة، أو مداخل الهواء، أمراً معقداً من الناحية الأمنية، وفق تقارير متخصصة.

تجارب سابقة

وبحسب موقع The War Zone، فإن استخداماً قتالياً موثقاً لألغام جاتور كان إبان حرب الخليج عام 1991، مع تقارير غير مؤكدة عن استخدامها في المراحل الأولى من حرب أفغانستان عام 2001.

تأتي خطورة الألغام المنثورة جواً ليس فقط في قدرتها على تدمير المركبات، بل بقدرتها على إغلاق منطقة كاملة خلال دقائق؛ فبدلاً من احتلال منطقة أو تدمير طريق أو قاعدة، يمكن لطائرة أن تنثر حقلاً من الألغام حولها، لتصبح الحركة فيها خطرة لعدة ساعات أو أيام.

ولهذا تُستخدم هذه الألغام غالباً حول المطارات، والقواعد العسكرية، والممرات الجبلية، ومناطق التجمع، أو مواقع إطلاق الصواريخ المتنقلة.

وتُعتبر الألغام المنثورة جواً سلاح تعطيل ومنع حركة أكثر من كونها سلاح تدمير مباشر؛ فهي لا تستهدف الهدف نفسه بقدر ما تستهدف البيئة المحيطة به، أي الطرق، ومناطق التموضع، ومسارات الحركة، وهذا ما يفسر استخدامها حول مواقع الصواريخ، لأن الصاروخ يُطلق مرة واحدة، لكن القاذفة تحتاج إلى التحرك والتموضع والانسحاب، وهنا تحديداً يظهر دور الألغام المنثورة جواً كسلاح لإغلاق الأرض حول الهدف.

مدنيون في مرمى الخطر

رغم الهدف العسكري من نثر الألغام جواً حول قواعد الصواريخ، إلا أن للعملية كلفة مختلفة على المدنيين. وقال خبير الأسلحة في منظمة العفو الدولية بريان كاستنر: "رغم أن هذه الألغام مصممة لاستهداف المركبات المدرعة، إلا أنها لا تزال بالغة الخطورة على المدنيين"، بحسب تصريحاته لوكالة "الأناضول".

وذهبت مديرة هيومن رايتس ووتش في واشنطن سارة ياجر، أبعد من ذلك، إذ قالت إنه "إذا ثبت أن الجيش الأميركي استخدم منظومة جاتور وتسبّب في وفاة مدنيين وإصابتهم، فإن هذا يُثبت تحديداً لماذا لا يمكن التراجع عن عقود من العمل على حظر هذه الأسلحة، دون أن يترتب على ذلك أضرار جسيمة".

يأتي ذلك في ظل تحوّل في السياسة الأميركية؛ إذ وقّع وزير الحرب بيت هيجسيث توجيهاً يتيح تقييم استخدام الألغام المضادة للأفراد حالة بحالة مع التأكيد على تقليص الضرر المدني.

تصنيفات

قصص قد تهمك