
بلغت الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، على خلفية وفاة المواطن الأميركي من أصول إفريقية جورج فلويد تحت ركبة شرطي أبيض في 25 مايو، حدّ استهداف تماثيل اعتبرها المنتقدون "رموز التمييز العرقي" حول العالم، من أجل اجتثاث هذا التمييز من جذوره وإعادة صياغة التاريخ.
من الولايات المتحدة إلى بلجيكا مروراً بالمملكة المتحدة، شهدت عدة مدن إسقاط تماثيل لشخصيات طبعت مراحل تاريخية معينة، لكنها لا تزال تثير الجدل بين مؤيدين يرونها "رمزاً للقيم الوطنية" ومعارضين يعتبرونها "تكريماً للعنصرية ورجالها".
وما دفاع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن تمثال ونستون تشرشل الذي تعرض للتخريب خلال التظاهرات، إلا نموذج واضح ومعبّر عن هذا الجدل.
إدوارد كارماك
شهدت مدينة ناشفيل عاصمة ولاية تينيسي الأميركية إسقاط تمثال إدوارد كارماك على يد متظاهرين، وسط هتافات النصر.
ويعود التمثال المنصوب أمام مبنى الكابيتول إلى المحامي والسيناتور والصحافي في أواخر القرن الـ19 إدوارد كارماك الذي، وإن عُرف كسياسي إصلاحي مؤيد للقضايا الشعبية، اشتهر بكتاباته العنصرية والمؤيدة لإعدام الأشخاص من أصول إفريقية.
ويعتبره مناصروه "بطلاً شهيداً" اغتيل برصاص نجل أحد منافسيه السياسيين، وكرّموه بعد عقدين من وفاته بتمثال، أسقطه المتظاهرون في 30 مايو الماضي لــ"تمجيده رمزاً للعنصرية".
حارس تكساس
صباح 4 يونيو، أسقط عمال في مدينة دالاس الأميركية التمثال الأيقوني لـ"حارس تكساس" المنصوب في مطار دالاس منذ عام 1963.
وبحسب مجلة "فوربس"، حفّز على هذه الخطوة كتابٌ بعنوان "عبادة المجد: التاريخ الجريء والوحشي لتكساس رينجرز".
ويقول الكتاب الذي صدر الثلاثاء إن "حراس دالاس أتقنوا الوحشية" خلال عملهم عناصر شرطة، وإن "10 شرطيين (من تكساس رينجرز) شكلوا مجموعة حماية للمستوطنين الأميركيين الأوائل في الأراضي المكسيكية في تكساس، وعملوا على الاستيلاء على تكساس، وقتلوا سكانها لفتح الطريق أمام المستعمرين البيض" في عام 1823.
فرانك ريزو
في الأيام الأولى من الاحتجاجات في فيلادلفيا (ولاية بنسيلفانيا)، أُزيل تمثال فرانك ريزو، وهو عمدة ومفوض سابق للشرطة، طلب من الناخبين في سبعينات القرن الماضي "التصويت للبيض".
وأزيل التمثال المنصوب أمام "سيتي هول" بطلب من عمدة المدينة الحالي جيم كيني، الذي يعرّف عن نفسه في "تويتر" بأنه "مناضل من أجل العدالة ومن أجل أن تكون فيلادلفيا للجميع". وقال في تغريدة إن "التمثال كان يمثّل التعصب والكراهية والاضطهاد للعديد من الناس فترة طويلة، وأخيراً أُزيل".
تشارلز لين
في برمنغهام (ولاية ألاباما)، أطاح حشد من المتظاهرين بتمثال قائد البحرية الكونفدرالية في الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) تشارلز لين الذي سُميت حديقة "لين بارك" باسمه تكريماً له. ويتهمه معارضوه بمواقفه العنصرية تجاه الأميركيين من أصول إفريقية.
وفيما حاول المتظاهرون هدم النصب التذكاري، أعلن عمدة المدينة راندال وودفين أنه سيكمل المهمة بـ"أمان".
رافاييل سيمز
أزالت مدينة موبايل (ألاباما) تمثالاً برونزياً للأدميرال رافاييل سيمز الذي أغرق السفن المتحالفة مع الاتحاد خلال الحرب الأهلية.
وقال عمدة المدينة ستاندي ستيبمسون إن التمثال نُقل إلى "مكان آمن"، وإن قرار إزالته ليس محاولة لإعادة كتابة التاريخ، بل "يتعلق بإزالة مصدر إلهاء محتمل، من أجل التركيز بوضوح على مستقبل مدينتنا".
جون ب. كاسلمان
صباح 8 يونيو، أزيل تمثال الجندي الكونفدرالي جون ب. كاسلمان في لويزفيل (ولاية كنتاكي)، بعد قرابة 107 سنوات من نصبه في "مثلث شيروكي" في المدينة، على أن يُنقل إلى مقبرة "كيف هيل" حيث دُفن الرجل.
وقال عمدة لويزفيل غريغ فيشر، الذي يدعم إزالة التمثال منذ سنوات لاعتباره يمثّل "بقايا من الكراهية"، إن "أحداث الأسابيع الماضية (الاحتجاجات) أظهرت بوضوح أنه لا يكفي فقط مواجهة تاريخنا، بل علينا معالجة تأثيره في حاضرنا".
أبوماتوكس
صباح 2 يونيو، أزالت أطقم في مدينة ألكساندريا التاريخية (ولاية فرجينيا) نصباً تذكارياً برونزياً لجندي كونفدرالي اسمه "أبوماتوكس"، أقيم في عام 1889 لتكريم الجنود الكونفدراليين المتحدرين من الولاية. وكتب العمدة جوستين ويلسون على "تويتر" أن "ألكساندريا، مثل كافة المدن العظيمة، تتغير وتتطور باستمرار".
نصب الجنود الكونفدراليين
تخطط بعض المدن الأميركية لإزالة التماثيل المثيرة للجدل، كما يحصل في إنديانابوليس (ولاية إنديانا)، حيث أعلن العمدة جو هوجسيت الخميس الماضي أن نصباً تذكارياً مخصصاً للجنود الكونفدراليين الذين لقوا حتفهم في معسكر سجن الاتحاد في المدينة، ستتم إزالته من إحدى الحدائق.
وقال هوجسيت في بيان، إن "شوارعنا مليئة بأصوات الغضب والألم، وهي شهادة على قرون من العنصرية الموجهة ضد الأميركيين من أصول إفريقية. يجب ألا ننسى ماضينا لكن ينبغي ألا نكرّمه. ومهما كان الغرض الأصلي لهذا القبر في السابق، فقد كان فترة طويلة جداً بمثابة تذكير مؤلم لاحتضان دولتنا المروع لمجموعة (Ku Klux Klan) قبل قرن من الزمن"، وهي مجموعة أميركية تؤمن بتفوق العرق الأبيض وتستهدف الأميركيين من أصول إفريقية.
روبرت إي لي
في ريتشموند (ولاية فرجينيا)، سرعان ما أصبح التمثال الأيقوني لقائد جيش الولايات الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأميركية روبرت إي لي، نقطة الصفر لانطلاق الاحتجاجات ضد عنف الشرطة، مع حشود كبيرة من المتظاهرين يهتفون "اهدموه" ويخطّون عليه شعار "أرواح السود تهم".
ووسط الاحتجاجات، أمر حاكم ولاية فرجينيا رالف نورثام بإزالة التمثال "في أقرب وقت ممكن" ووضعه في مخزن. وكتب في تغريدة: "في فيرجينيا، لم نعد نبشّر بنسخة مزيفة من التاريخ... إزالة الرمز مهمة لكنها مجرد خطوة. لا نزال بحاجة إلى التغيير في هذا البلد. نحتاج إلى الشفاء أكثر من كل شيء... كلنا نعرف أن الوقت قد حان. وسيثبت التاريخ ذلك".
لكن قاضياً في المنطقة أصدر أمراً مؤقتاً، أمس الثلاثاء، بحظر إزالة التمثال الضخم بسبب دعوى قضائية تسعى إلى إيقاف الإزالة، بحجة أن فرجينيا وعدت بـ"حماية التمثال" عندما ضُمت الأرض التي شُيّد عليها إلى الولاية عام 1890.
أما في مونتغومري (ألاباما)، فأطيح تمثال آخر للجنرال لي أمام مدرسة تحمل اسمه، وسط الهتاف.
ونستون تشرشل
في لندن عاصمة المملكة المتحدة، عمد متظاهرون متضامنون مع حركة "حياة السود تهمّ" على تخريب تمثال رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل. وخطوا عليه عبارة "كان عنصرياً"، محمّلينه مسؤولية سياسات أدت إلى وفاة ملايين الأشخاص خلال المجاعة في ولاية البنغال الهندية عام 1943.
ورغم انتقاد بعض مواقف تشرشل، دافع رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون عن تمثال هذا "البطل"، واصفاً تخريبه بـ"السخيف والمعيب".
وكتب جونسون على "تويتر": "نعم كان (تشرشل) يعبّر أحياناً عن آراء كانت ولا تزال غير مقبولة بالنسبة إلينا اليوم، لكنه كان بطلاً ويستحق نصبه التذكاري" الذي "يذكّر بإنجازاته في إنقاذ البلد، وكل أوروبا، من طغيان فاشي وعنصري".
وحذّر جونسون من أن التظاهرات المنددة بالعنصرية في بلاده "خطفها متطرفون" يهاجمون الصروح الوطنية سعياً إلى "فرض رقابة على ماضينا". وقال: "لا يمكننا الآن تعديل ماضينا أو فرض رقابة عليه. لا يمكننا أن نتظاهر بأن لدينا تاريخاً مختلفاً. التماثيل في مدننا وبلداتنا وضعتها أجيال سابقة".
إدوارد كولستون
شهدت مدينة بريستول جنوب غربي المملكة المتحدة يوم الأحد قيام متضامنين مع حركة "أرواح السود تهم" بـإسقاط تمثال إدوارد كولستون. وربط متظاهرون- من أصل 10 آلاف أمّوا المدينة- التمثال البرونزي بحبل وأسقطوه أرضاً، ثم دحرجوه ورموه في نهر آفون.
ويثير تمثال كولستون المنصوب في وسط مدينة بريستول منذ عام 1895 الجدل، لأن الرجل كان تاجر رقيق في القرن الـ17، فيما يقول مؤيدوه إنه تبرع بجزء كبير من ثروته للقضايا الخيرية.
وفي أكسفورد، تظاهر الآلاف ضد وجود تمثال لسيسيل رودس، مهندس التوسع البريطاني في إفريقيا الجنوبية.
ومثّلت رموز عدة للماضي الاستعماري البريطاني هدفاً للمتظاهرين، مثل لافتات في ليفربول (شمال غرب) تشير إلى "بيني لاين"، وهو شارع في المدينة اكتسب شهرته عبر أغنية لمجموعة "بيتلز" في الستينيات، فيما أثير جدل على ما إذا كانت تسميته منسوبة إلى تاجر رقيق.
في المقابل، تجّمع متظاهرون في ميناء بول (جنوب) لمنع إزالة تمثال روبرت بادن باول، أحد مؤسسي حركة الكشافة والمتهم بالعنصرية ورهاب المثلية وبارتباطه بالنظام النازي. وعززت الشرطة تدابير الحماية في محيط تماثيل لشخصيات معروفة في أنحاء لندن قبيل موجة جديدة من التظاهرات والمسيرات في عطلة الأسبوع.
الملك ليوبولد الثاني
وصلت الاحتجاجات المناهضة للعنصرية إلى بلجيكا، واكتسحت مدناً مثل بروكسل وأنتويرب وغينت، ومعها انتشرت عرائض مطالبة بإزالة كل تماثيل الملك ليوبولد الثاني الذي حكم بين عامَي 1865 و1909.
وخلال فترة حكمه على الكونغو، جمع ليوبولد ثروة شخصية من المستعمرة الإفريقية، من خلال القتل والتعذيب والوحشية الممنهجة على أهلها. وقدّر المؤرخون أن نظامه قتل نحو 15 مليون مواطن كونغولي.
هكذا، أسفرت الاحتجاجات على وفاة جورج فلويد إلى إزالة تماثيل رمزية في الولايات المتحدة وخارجها، سواء على يد المتظاهرين أو بقرار من قادة المدن، لاعتبارها "تمجّد العنصرية" وتثير غضب فئات شعبية منذ عقود.
وفي حين حكمت مدن عدة على مصير هذه الرموز بالإزالة، لا يزال بعضها منصوباً في مدن أخرى لوجود قوانين تحمي بقاءها، أو لاستمرار الجدل عليها.




