
تشهد العلاقات الفرنسية التركية خلافات كبيرة في الفترة الأخيرة، وزادت حدتها بسبب الموقف الفرنسي الرافض لتدخلات تركيا العسكرية في ليبيا وتحركاتها في المياه المتنازع عليها مع قبرص واليونان شرق البحر المتوسط.
وتمتد الخلافات بين البلدين إلى ما هو أعمق من ذلك بسبب التحركات التركية في مناطق النفوذ الفرنسي في دول غرب وشمال إفريقيا، من خلال إطلاق مشاريع تنموية، وتحالفات دينية وسياسية وعسكرية مع المستعمرات السابقة لفرنسا، والتي تشكل محور السياسة الخارجية لباريس.
القوة الناعمة
منذ عام 2003، فتحت تركيا عشرات السفارات والبعثات الدبلوماسية في بلدان غرب إفريقيا، كان آخرها في توغو يوليو الماضي. ولدى تركيا حالياً 41 سفارة في إفريقيا، كما تنشط "وكالة التعاون والتنسيق التركية" (تيكا) في القارة السمراء من خلال 20 مركزاً تابعاً لها، وفق ورقة بحثية قام بها "المركز الفكري للحروب الاقتصادية".
وتعتمد أنقرة في مواجهتها مع باريس على عوامل عدة، أهمها استخدام المعلومات المضللة على شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال الاستناد إلى المعرفة الروسية في هذا المجال، والتركيز على السياقات الأيديولوجية والدينية لهذه البلدان، وفق المركز.
وتنتقل تركيا في خطواتها داخل إفريقيا من تعميم "قوتها الناعمة" التي ترتكز على المساعدات الإنسانية والدينية والثقافية، إلى إقامة قواعد عسكرية لها. وسبق أن حدث ذلك في شرق إفريقيا، حيث أقدمت أنقرة على إقامة مبادرات إنسانية في الصومال عام 2010 لتعزز تواجدها القوي في المنطقة من خلال تعميق علاقاتها من زعماء القبائل والمجموعات الدينية، لتكتسب مع مرور الوقت قوة كبيرة انتهت بإقامة قاعدة عسكرية. وبحسب موقع ميدل إيست آي، فإن أنقرة قد تكرر الخطوة نفسها في دول غرب إفريقيا، على غرار النيجر ومالي.
أنشأت تركيا العديد من المشاريع التنموية في غرب إفريقيا من خلال "وكالة التنسيق والتعاون التركية"، وتربط الخطوط الجوية التركية بشكل متزايد عواصم هذه البلدان ببقية دول العالم، كما قدمت الرئاسة التركية منحاً لنحو 1000 طالب من المنطقة للدراسة في تركيا، معظمهم دخلوا كليات السياسة والاقتصاد والهندسة.
وخلال القمة التركية-الإفريقية في عام 2016، قال أردوغان إن "تركيا والدول الإفريقية عازمة على مواجهة النموذج الغربي المبني على السياسة الاستعمارية السابقة".
مواجهة في مالي
عقب التمرد العسكري الذي شهدته مالي في 18 أغسطس الماضي، أجرى وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو زيارة إلى بماكو في 9 سبتمبر المنصرم، التقى خلالها أعضاء المجلس العسكري الذي استولى على السلطة، معلناً دعم بلاده لبماكو في هذه المرحلة، في رسالة تظهر موقف تركيا الداعم للسلطة الجديدة.
وجاءت تصريحات تشاويش أوغلو بعد معارضة باريس للتمرد العسكري في مالي، ودعوتها إلى إعادة الرئيس المعزول إبراهيم بوبكر كيتا، وهو ما اعتبرته السلطة الجديدة تدخلاً في سياستها الداخلية، قبل أن تتراجع باريس عن موقفها، وهي التي تدير عملية "برخان العسكرية" لمواجهة الجماعات المسلحة التابعة لتنظيمي "القاعدة" و"داعش".
وربطت أنقرة منذ الانقلاب العسكري في مالي عام 2012 علاقات قوية بمختلف شرائح المجتمع في مالي، فخلال زيارة الرئيس التركي طيب رجب أردوغان إلى بماكو في مارس 2018 وقع البلدان 8 اتفاقات شملت مجالات مختلفة، فيما شهدت الاستثمارات الفرنسية تراجعاً كبيراً في المنطقة.
اختراق مجموعة الساحل
وتمكنت تركيا من اختراق مجموعة "قوة الساحل الإفريقية" التي تدعمها باريس، والتي تضم كلاً من تشاد والنيجر ومالي وبوركينافاسو وموريتانيا، وتمكنت من عقد اتفاق عسكري قوي مع النيجر.
في يوليو الماضي، زار مولود تشاويش أوغلو النيجر ووقع اتفاقاً عسكرياً بالإضافة إلى اتفاقات أخرى. وينص الاتفاق العسكري على إقامة قاعدة عسكرية تركية في المنطقة، تضاف إلى القواعد العسكرية التي تملكها تركيا في قطر وليبيا والصومال.
وستعزز هذه القاعدة العسكرية، بعد إتمام مهامها، "حماية خلفية للقوات التركية الموجودة على الأراضي الليبية، وستكون حاجزاً أمنياً توفره لقوات حكومة المجلس الرئاسي التي تدعمها، وحزاماً جديداً حول مصر"، وفق ميدل إيست آي.
وسيعزز الاتفاق مع النيجر الدور التركي في غرب إفريقيا، وبالمقابل تحصل الدول الإفريقية على دعم تركي لمواجهة المشكلات الاقتصادية والأمنية التي تعصف بها.
موقع أفريكان إنتيليجنس الفرنسي، أشار إلى أن الدور التركي في النيجر يتركز على بعض المحاور الأساسية، أهمها التأثير على الجماعات الدينية الموالية فكرياً لأنقرة ودعم بعض المجتمعات الإثنية.
العامل الديني
وتتبنى تركيا الطريقة نفسها في دول مثل السنغال، حيث تركز على دعم المجموعات الدينية، وفق ما ذكر المركز الفكري للحروب الاقتصادية. وأصبحت تركيا في السنوات الأخيرة أحد أبرز المستثمرين في السنغال التي تعتبر دائماً مركزاً للنفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا.
وشاركت أنقرة في بناء القطار السريع في العاصمة داكار، وبناء مركز المؤتمرات الدولي "أبو ديوب"، كما تساهم في إدارة مطار "بلاس دياني" الدولي.
وقال عمر با، الأستاذ المحاضر في المركز الجامعي للدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية في العاصمة الفرنسية باريس، إن "تركيا تعتمد على العامل الديني في توسيع نفوذها في المنطقة". وظهرت دبلوماسية تركيا "الدينية" من خلال التمويل الذي قدمته جمعية "ديانات" التركية لبناء أكبر مسجد في غرب إفريقيا عام 2018، وتمت إقامته في غانا.
وبالإضافة إلى التغلغل الديني، اعتمدت تركيا أيضاً على الرياضة لتوسيع نفوذها، حيث تشرف شركة "يينيغن" على بناء مركب "جابوما" الرياضي في الكاميرون، والذي سيحتضن النسخة المقبلة من نهائيات كأس إفريقيا، وفقاً لما أكده المركز الفكري للحروب الاقتصادية.
دول المغرب العربي
بعد أسابيع من انتخاب عبد المجيد تبون رئيساً للجزائر، زار الرئيس التركي طيب رجب أردوغان البلاد في يناير 2020، وقال خلال اسقبال رسمي إن "الجزائر تعتبر أحد أهم الأبواب أمام تركيا لدخول منطقة المغرب العربي وإفريقيا".
ووفق موقع "ميدل إيست آي"، فإن الرئيس التركي لا يريد وضع الجزائر في مواجهة مع فرنسا، فهما ترتبطان بعلاقات معقدة، إذ كانت وزارة الخارجية الجزائرية قد ردت في فبراير الماضي بقوة على تصريحات أردوغان التي قال فيها إن الرئيس الجزائري أخبره أن "فرنسا قتلت أكثر من 5 ملايين جزائري خلال استعمارها للجزائر (1830-1962)"، وإنه "طلب من تبون تزويده بوثائق تاريخية تؤكد تورط فرنسا، لمواجهتها بحقيقتها التاريخية". وقالت الجزائر إنها فوجئت بتصريحات أردوغان، مؤكدة أن الحديث أُخرج من سياقه.
ومنذ فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، استثمرت تركيا في قطاعات عدة في الجزائر، وتنشط هناك أكثر من 800 شركة تركية في قطاعات البناء والأقمشة والحديد والمنتجات الغذائية والطاقة، ولكن فرنسا تبقى أول مستورد وثاني مورّد للبضائع إلى الجزائر.
وتعتبر تونس مثالاً آخر للتوسع التركي في مناطق النفوذ الفرنسية، فتركيا تمارس ضغوطاً قوية، وفق المركز الفكري للحروب الاقتصادية، الذي يتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقراً له، على المستوى الثقافي والفكري والسياسي. وعززت تركيا تواجدها في تونس من خلال فتح مدارس لتعليم اللغة التركية، كما تشهد الأفلام التركية رواجاً في القنوات المحلية.
وتعتبر "حركة النهضة" المحلية من أبرز الأحزاب الموالية إيديولوجياً لأنقرة، ويرتبط مسؤولو الحزب بعلاقات قوية مع نظرائهم في حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، بحسب المركز الفرنسي، ورغم هذا التقارب التركي إلا أن استثمارات أنقرة في تونس لم تكن بمستوى الأزمة المالية المعقدة التي تشهدها البلاد.
وفي المغرب، شهدت العلاقة بين البلدين تراجعاً بعد صعود قوي في السنوات الأولى لتولي حزب "العدالة والتنمية" المغربي رئاسة الحكومة، غير أن اتفاق التجارة الحرة تسبب في تعكير جو العلاقات بين البلدين جرّاء الخسارة في الميزان التجاري المغربي، خاصة في قطاع الأقمشة حيث أغلقت عدة شركات مغربية أبوابها بعد إغراق السوق المحلية بالمنتجات التركية.




