
قبل أسابيع قليلة من الموعد المحدد من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، لبدء تنفيذ خطته بضم مستوطنات الضفة الغربية المحتلة، ألغت المحكمة العليا الإسرائيلية مساء الثلاثاء، قانوناً عمره 3 سنوات، "يشرعن" البؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة بهدف ضمها.
القانون المعروف بـ"قانون التسوية" أقرّه الكنيست بصيغته النهائية في 6 فبراير 2017، ويهدف إلى "تبييض البؤر الاستيطانية" غير الشرعية- أي المساكن التي بناها مستوطنون على أراضٍ فلسطينية خاصة من دون تصريح رسمي من السلطات الإسرائيلية- ويجيز مصادرة الدولة لتلك الأراضي، إذا بُنيت عليها البؤر الاستيطانية بـ"حسن نية"، وفق وصفه.
وبموجب قانون "حسن النوايا"، استحوذت الحكومة الإسرائيلية على مئات الهكتارات من أراضٍ يملكها فلسطينيون أساساً، مقابل تعويضهم إما بأراض بديلة أو بمبلغ مالي قيمته 125% من قيمة الأرض، وتُصدر بالتوازي تراخيص بناء بأثر رجعي للمساكن المبنية على هذه الأراضي من دون ترخيص.
وطُرح "قانون التسوية" عام 2016 بمبادرة من أعضاء الكنيست من حزبَي "ليكود"(بزعامة نتنياهو) و"البيت اليهودي" (بزعامة الوزير نفتالي بينيت حينئذٍ)، وكلاهما يمينيان متطرفان، وذلك في محاولة للالتفاف على قرارات المحكمة العليا، بإخلاء تلك البؤر الاستيطانية غير الشرعية وهدمها.
وأصبح هذا القانون نافذاً بعد التصويت عليه في القراءتين الثانية والثالثة النهائية، بغالبية 60 عضواً داخل الكنيست ومعارضة 52، ولكن تنفيذه أوقف بعدما طعنت به 3 منظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية.
ومع ذلك، يُعتبر هذا القانون بالنسبة إلى نتنياهو من أهم القوانين التي شرّعتها حكومته السابقة، إذ شكل خطوة تجاه ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يسعى إلى تنفيذه خلال عمل حكومته الحالية، محدداً موعد بدئه في مطلع يوليو المقبل، وسط تنديد فلسطيني ودولي.
شرعنة أعمال غير قانونية
يوم الثلاثاء، نظرت المحكمة العليا الإسرائيلية عبر لجنة موسعة من 9 قضاة في الالتماس الذي قدمته المراكز الحقوقية الثلاثة "عدالة"، و"القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان"، و"الميزان لحقوق الإنسان في غزة"، باسم 17 مجلساً محلياً وإقليمياً فلسطينياً.
وجاء قرار المحكمة بإلغاء "قانون شرعنة السطو"- وفق ما سمته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في افتتاحيتها بتاريخ 31 يناير 2017- بغالبية 8 قضاة مقابل اعتراض قاضٍ واحد.
وكتبت رئيسة المحكمة واللجنة القاضية إستر حيوت في قرارها أن "القانون يطالب بشرعنة أعمال غير قانونية بأثر رجعي، في انتهاك لحقوق السكان الآخرين"، في إشارة إلى الفلسطينيين، مالكي الأراضي الأصليين. وأضافت أن "الانتهاك الذي يسببه القانون للحقوق واضح وخطر، ولا مفر من الاستنتاج أن هذا الضرر غير متناسب، إذ إن الضرر الذي يسببه القانون يفوق فائدته".
وأوضحت أن "القانون لا يُعتبر تسوية تغافلت عن مجموعة من الأضرار التي قد تسببها، بل تسوية تُسبب الضرر عن قصد، وبشكل غير متساوٍ لحقوق الملكية للسكان الفلسطينيين فقط، وتُعطي الأفضلية لمصالح الملكية للمستوطنين الإسرائيليين".
وتابعت أن هذا "القانون يسمح بانتهاك حقوق الفلسطينيين، من دون أي فحص عيني للظروف التي أقيمت فيها المستوطنة، ومشاركة الدولة في إقامتها، ومن دون إعطاء الوزن الكافي للوضع الخاص للسكان الفلسطينيين"، باعتبار أنهم "سكان محميون في منطقة سيطرة حربية وعسكرية"، وفق قولها.
رسالة إلى محكمة الجنايات الدولية
القرار وضعه موقع "واللا" الإسرائيلي في إطار "رسالة" يوجهها القضاء الإسرائيلي إلى محكمة الجنايات الدولية التي تدرس حالياً إذا كان لديها صلاحية النظر في شكوى الفلسطينيين ضد إسرائيل، حيال مشروع ضم المستوطنات؛ إذ أشار الموقع إلى أن أهمية قرار المحكمة العليا "تنبع من تلميحها إلى الالتماس الفلسطيني لدى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، ومخطط الضم".
وبحسب "واللا"، فإن "المبدأ الأهم حيال صلاحية محكمة الجنايات الدولية، هو المبدأ الذي يقرّ بأن الإجراءات يمكن أن تجري في المحكمة الدولية فقط، إذا كانت الدولة المعنية (أي إسرائيل) غير قادرة أو لا تريد حلّه بنفسها"، وأضافت أن "موافقة قضاة المحكمة العليا على شطب القانون تُظهر للقضاة في لاهاي أن لا مبرر لتدخلهم"، والنظر في شكوى الفلسطينيين؛ بمعنى آخر، تنحية محكمة الجنايات الدولية عن القضية.
أزمة إسرائيلية جديدة؟
وعلى الرغم مما قد يكتنفه من "مناورة"، أثار قرار المحكمة العليا حفيظة اليمين الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه أعاد مظاهر الانقسام بين شركاء "حكومة الوحدة" التي شُكلت بعد طول انتظار.
وقال رئيس الكنيست ياريف ليفين إن "القرار يشكل حرباً بين السلطات (الثلاث)، والكنيست لن يسكت بعد الآن إزاء المساس المتواصل بصلاحياته ومكانته"، معتبراً أن "المحكمة العليا داست اليوم مرة أخرى، كعادتها المرفوضة، على الديمقراطية الإسرائيلية وحقوق الإنسان الأساسية لكثير من المواطنين الإسرائيليين"، أي المستوطنين الذين صادروا أراضي الفلسطينيين ببيوتهم غير المرخصة.
أما حزب "ليكود" الذي طرح القانون عام 2016، فأصدر بياناً مقتضباً قال فيه إن "من المؤسف أن المحكمة العليا تدخلت وألغت قانوناً مهماً للاستيطان ومستقبله"، وأضاف: "سنعمل على إعادة سَن القانون"، وهو الموقف نفسه الذي عبّرت عنه وزيرة الاستيطان تسيبي هوتوفلي (من حزب ليكود)، قائلة في بيان إن "الرد الأمثل على المحكمة هو الضم ومواصلة البناء".
في المقابل، أيد القرار حزبُ "كاحول لافان" بزعامة رئيس الحكومة البديل بيني غانتس، وقال في بيان مقتضب: "نحترم قرار المحكمة العليا وسنعمل على تنفيذه"، ما دفع مسؤولين في "ليكود" إلى مطالبة شركائهم في الحكومة بالموافقة على سَن قانون بديل.
وهدد مسؤولو "ليكود" بأن رفض "كاحول لافان" التوافق مع حزبهم في هذا الشأن قد يؤدي إلى تفكيك الائتلاف الحكومي، الذي شُكل أخيراً بعد 3 انتخابات غير حاسمة والذي يرأسه نتنياهو وغانتس بالمداورة بموجب تسوية، والتوجه إلى انتخابات جديدة.




