
على مر التاريخ، ابتُليت البشرية بأوبئة حصدت أرواح الملايين. ولأن العلوم لم تكن متقدمة بالقدر الكافي حينها، كانت التفسيرات الدينية هي الطاغية على عقول البشر لتفسير ما عجزوا عن تفسيره. هكذا، أصبحت الأوبئة والأمراض توصف بأنها "ابتلاءات ربانية" إما لعقاب "الكفرة بالأديان" في عيون معتنقيها، أو لاختبار إيمان أصحاب العقيدة. وأصبح الطاعون أو "الموت الأسود" كما شاعت تسميته في العصور الوسطى، والذي حصد أرواح نحو 200 مليون شخص على مستوى العالم، عقاباً إلهياً عزاه الأوروبيون إلى "مؤامرة يهودية على أتباع الديانة المسيحية"، مع عجز المعالجين في القرن الرابع عشر عن تفسير سببه.
وكان اليهود أقل تأثراً بالطاعون، بسبب امتناعهم عن الشُرب من الآبار العامة، كما أن مستوى النظافة لديهم كان أعلى إلى حد ما، إضافة إلى عزلة أحيائهم، ما خفف إصابتهم بالطاعون، فانتشرت اتهامات بأنهم سببوا المرض بتسميم الآبار عمداً، خاصة وأن نسبة الإصابات في أوساطهم لم تبلغ ما بلغته في أوساط المسيحيين.
على إثر ذلك، بدأت حملة عنيفة ضد اليهود في فبراير 1349، قُتل فيها 2000 يهودي في ستراسبورغ الفرنسية، تلاها إبادة كاملة للجاليات اليهودية في ماينز وكولونيا في ألمانيا خلال العام ذاته. لكن الاتهامات التي طاولت اليهود لم تكن الوحيدة من نوعها، إذ طاولت اتهامات مشابهة المسلمين أيضاً بالتسبب في نشر مرض "الجذام" في أوروبا، عبر تلويث آبار المياه في فرنسا.
التاريخ يكرر نفسه
وعلى رغم اختلاف الوضع الراهن وتحديداً مع انتشار أزمة "كورونا" وتحولها إلى وباء، فإن عبرة التاريخ تكاد تؤكد أن بعض البشر لم يتعلموا من أخطاء السابقين في تفسير الأمراض والأوبئة من مناظير دينية بحتة، إذ ساهمت ممارسات بعض المتشددين دينياً أو اليمينيين المحافظين، في انتشار الوباء على الرغم من جهود الحكومات لاحتوائه، على غرار ما حدث في إيطاليا التي لم يمتثل المتشددون والمحافظون فيها في البداية لقرارات الحكومة بمنع التجمعات وتقييد حرية الحركة.
وكمثال صارخ على ما سبق، خرج نائب رئيس الوزراء السابق زعيم اليمين الإيطالي ماتيو سالفيني بصحبة صديقته للتجول في شوارع روما، من دون ارتداء أقنعة واقية أو اتباع إرشادات السلامة العامة أو مسافات التباعد الاجتماعي التي فرضتها الحكومة، وهو ما أثار غضباً عارماً في أنحاء إيطاليا.
ونقلت شبكة "فوكس نيوز" الأميركية عن عدد من الإيطاليين قولهم: "لماذا هناك الكثير من الوفيات في إيطاليا؟ ربما يكمن الجواب في تلك الصورة.. سالفيني فضل ألا يمكث في البيت وخرج برفقة صديقته إلى شوارع روما، في تحدٍ وعدم احترام واضح لقرارات وقيود الحكومة الإيطالية".
تعنت "الحريديم".. ورسالة تحذير
في إسرائيل، كانت الرسالة واضحة.. "سنلحق بمصير إيطاليا ما لم يتوقف الحريديم (اليهود الأرثوذكس) عن أفعالهم". هكذا جاءت رسالة مسؤول إسرائيلي نقلتها صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" من دون الكشف عن هويته.
ورأى المسؤول، أن "الحريديم يتحدون الحظر الذي تفرضه الدولة ومحاولاتها احتواء تفشي الفيروس، من خلال حفلات الزواج والشعائر الدينية التي يقيمونها، من دون أدنى اعتبار لمطالبات منع التجمعات لمنع انتشار الفيروس، ناهيك عن استمرار مدارسهم في العمل وعدم إيقاف الدراسة أسوة بما لحق بالمدارس الأخرى غير التابعة للمحافظين أو المتشددين في إسرائيل".
المسؤول الإسرائيلي قال إن "مصير مماثل لإيطاليا سيلحق بإسرائيل في ظل عدم التزام المتشددين اليهود بتعليمات الحكومة في ما يتعلق بمنع التجمعات، وهو ما حدث في إيطاليا تحديداً حين رفض اليمينيون الامتثال لقرارات الحكومة في البداية بشأن منع التجمعات والخروج إلى الأماكن العامة. وإذا انتهى بنا المطاف على غرار إيطاليا، فإن هذا الأمر سيكون له سبب وحيد هو عدم إدراك المجتمع الحريدي خطورة الموقف".
تصريحات المسؤول الإسرائيلي، والتي قيلت داخل اجتماع للقيادة الأمنية في إسرائيل وفقاً للصحيفة، جاءت على خلفية إعلان عدد كبير من الحاخامات اليهود نيتهم عدم الامتثال لقرارات الحكومة، لا سيما المتعلقة بوقف الدراسة في المدارس والمؤسسات الدينية اليهودية.
"الحريديم" أصروا على موقفهم إلى أن تدخلت حكومة بنيامين نتنياهو المؤقتة لمحاولة التفاوض معهم لوقف الدراسة، إلا أنهم اكتفوا فقط بتخفيض عدد الطلاب في الفصل الواحد إلى 10 فقط. ولم يتوقف الحريديم عند هذا الحد، بل إن أعضاء تلك الطائفة أقاموا حفلي زواج في مستوطنة "بيت شيمش" رغم قرار الحكومة بمنع التجمعات.
وبحسب "تايمز أوف إسرائيل"، فإن الحكومة الإسرائيلية استجابت لتلك الخطوة باعتقال 4 أشخاص عقب أحد الحفلين الذي انعقد بحضور حوالى 150 شخص. ومن بين المعتقلين والد العريس ومواطن أميركي وصل إلى إسرائيل مؤخراً، وكان من المفترض أن يكون ضمن الحجر الوقائي للتأكد من عدم إصابته بالفيروس.
أما حفل الزواج الثاني، فانعقد في بلدة صغيرة غربي القدس التي تضم مجتمعاً كبيراً للمتشددين الأرثوذكس. وبحسب موقع "كيكر هشابات" التابع لـ"الحريديم"، فإن منظمي حفل الزواج الثاني، قرروا نقله سراً من "أسدود" إلى "بيت شيمش"، وأعطوا تعليمات مشددة لجميع المدعوين بعدم الكشف عن تفاصيل الحفل لأي شخص. وكانت هناك توجيهات لما يقرب من 60 شخص يعانون من مشاكل بالتنفس، بعدم حضور الحفل بحجة الحفاظ على صحة الجميع.
وبحسب الموقع الإسرائيلي، فإن حاخامي المحكمة الحريدية العليا قررا الموافقة على عقد حفل الزواج، بحجة أنه "لا يمكن أن يكون هناك ضرر لحفل يحتفي بالشريعة اليهودية الحقة".
وفي الوقت نفسه، تداولت الصحف الإسرائيلية عدة أخبار تشير إلى أن الشرطة اضطرت إلى التدخل مرات عدة، لفض تجمعات أعضاء الطائفة الحريدية.
قنبلة تنفجر في وجه "المحافظين"
الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أن سلوك "الحريديم" تسبب في انتشار الفيروس في أوساطهم بسرعة هائلة. ووفقاً للمعطيات الصحية للمستشفيات وهيئات الصحة الإسرائيلية، فإن واحد من بين كل أربعة من اليهود الحريديم الذين يقطنون في الأحياء الحريدية، تلقى تعليمات بالحجر الإلزامي داخل منزله بسبب الاشتباه في إصابته بالفيروس. كما أن الحكومة الإسرائيلية قررت فرض حصار شامل على حي "تيتز ستون" الواقع في القدس، لاحتواء الفيروس ومنعه من الانتشار خارجه، بينما تحول حي "بني براك" الذي تبلغ نسبة سكان الحريديم فيه نحو 95%، إلى قنبلة انفجرت في وجه إسرائيل بسبب ممارسات الطائفة، ومن بينها إقامة جنازة لحاخام توفي في الحي في التاسع والعشرين من مارس الماضي بحضور 300 شخص تقريباً، أصيب أغلبهم بالوباء بسبب تلاصقهم ببعضهم البعض، ما اضطر الحكومة في النهاية، إلى إغلاق الحي بالكامل وفرض حظر على الدخول إلى الحي أو الخروج منه.
يُشكل اليهود "الحريديم" 12% تقريباً من إجمالي تعداد سكان إسرائيل، إذ يبلغ تعدادهم مليون نسمة تقريباً من إجمالي تسعة ملايين وبضع مئات الآلاف من الإسرائيليين. وعلى الرغم من أن النسبة تبدو ضئيلة مقارنة بالتعداد الإجمالي للإسرائيليين، إلا أن نسبة الإصابات في أوساط "الحريديم" بلغت ما بين 40 إلى 60% من إجمالي الإصابات في إسرائيل، بحسب ما أكدته هيئات صحية وأطباء إسرائيليين. وعزت بعض الهيئات ارتفاع نسب الإصابة إلى استمرار الشعائر الدينية، خصوصاً أنهم يصلون 3 مرات يومياً في مجموعات مؤلفة من 50 شخصاً ويقفون متلاصقين إلى جوار بعضهم البعض. وبرر أحد أعضاء الطائفة استمرار هذه الشعائر رغم كونها بؤرة لانتشار المرض، بأن "الوباء كالحرب والمحرقة.. يقربنا من مجيء المسيح".
تطرف حكومي
لكن تأكيدات البعض، أن ما حدث مجرد تصرفات لمجموعات متدينة، سرعان ما تدحضها حقائق أخرى أثارت أزمة داخل الحكومة الإسرائيلية، بعد قرار وزارة الصحة التي يرأسها يعقوب ليتسمان الحاخام اليهودي المتشدد رئيس حزب "أغودات يسرائيل" اليميني المتطرف، منع مختبرات فحص فيروس "كورونا" من العمل في يوم السبت الذي يحظر على اليهود العمل فيه وفقاً للشريعة اليهودية.
ووفقاً لمدير نقابة عاملي المختبرات الطبية إستر آيدمان، فإن "وزارة الصحة رفضت التصريح للنقابة بالعمل، ومنحها التصريحات اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية في يوم السبت"، مؤكداً أن "الفيروس لا يحصل على إجازة، فكيف نتوقف نحن عن إجراء الفحوصات؟ هذه فضيحة كبرى"، ما دفع وزراء ومسؤولين آخرين إلى التدخل لمطالبة نتنياهو بتجاوز قرار وزارة الصحة، ومنح التصاريح اللازمة للمختبرات.
ودعا وزير الدفاع نفتالي بينيت وزعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى منح التصاريح للمختبرات. وقال ليبرمان: "على وزير الصحة ليتسمان، أن يتخذ قراراً ما إذا كان وزير الصحة أم أنه المشرف على تنفيذ الشريعة في أنحاء البلاد".
المعتقدات الدينية على حساب الصحة
تختلف البلدان ولا تختلف الثقافات الدينية. ففي الولايات المتحدة التي اتخذت مختلف ولاياتها إجراءات مشددة لمنع انتشار الفيروس، لم يكن الوضع مختلفاً، إذ أن مجتمع اليهود المتشددين في "بروكلين" شكل تحدياً لإجراءات احتواء الفيروس.
وشهد حي "بروغ بارك" الذي يقطنه "الحسيديم" (وهم فئة من اليهود الأرثوذكس يشكلون النسبة الأكبر من الحريديم وينتشرون بشكل أساسي في الولايات المتحدة وأوروبا)، ارتفاعاً حاداً في عدد الحالات المصابة بفيروس "كورونا".
وأصدرت ما يسمى بـ"بروغ بارك هاتزولا" (مجموعة من المتطوعين اليهود العاملين في مجال الصحة والإسعاف في المجتمع اليهودي) تسجيلاً صوتياً تطالب فيه سكان الحي اليهودي المتشدد بالالتزام بتعليمات الولايات لمنع انتشار الفيروس.
وبحسب ما جاء في دعوة تلك المجموعة، فإن "سكان الحي يمارسون حياتهم وأعمالهم بشكل طبيعي جداً، ويذهبون إلى أشغالهم اليومية وكأن شيئاً لم يحدث. وقد أدى ذلك إلى إصابة عدد كبير جداً من أصدقائنا وأفراد عائلاتنا، وهم للأسف لا يبلون حسناً ولا يتعافون بالشكل الذي كنا نأمل فيه".
وأضافت الدعوة أن "ما نمر به هو أزمة حقيقية يجب أن نكون على قدرها، ولكننا لم نتصرف على ذلك القدر حتى اللحظة. يجب علينا التوقف عن الاختلاط بحجة ممارسة الشعائر الدينية".
ووفقاً لهيئة الرعاية الصحية في "بروكلين"، فإن 99% ممن خضعوا لاختبارات أثبتت إصابتهم بفيروس "كورونا"، كانوا من الطائفة اليهودية الأرثوذكسية.
ممارسات اليهود الأرثوذكس في الولايات المتحدة لا تختلف كثيراً عن ممارساتهم في إسرائيل، حسب ما تقول صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد اضطرت دائرة الإطفاء إلى تفريق حفل زواج بالقوة حضره ما يزيد على 200 شخص في منطقة "ويليامز برغ".
وأشار مفوض الصحة العامة في ولاية نيويورك، إلى أنه "دائرة الصحة على علم بالحالات التي أصيبت، وتجري تحقيقاً بشأن وجود بؤرة محتملة لانتشار الفيروس في أوساط ذلك الحي اليهودي"، على الرغم من تصريحات العمدة بيل دي بلازيو بأنه لا توجد "بؤرة عنقودية" لانتشار الفيروس في المجتمع اليهودي.
"الكأس المقدسة لا تحمل المرض"
قد يعتقد البعض أن تصرفات اليهود الأرثوذكس تتعلق بثقافتهم الدينية، ولكن في الواقع، سجّلت في الولايات المتحدة ودول أخرى، حالات أخرى مشابهة للمتشددين من الديانتين الإسلامية والمسيحية.
ويقول موقع "ديلي بيست" الأميركي، إن الوضع بالنسبة للمتشددين المسيحيين لا يختلف كثيراً عن متطرفي اليهودية، فهم أيضاً تسببوا في انتشار الفيروس بشكل هائل، ولا دليل على ذلك خير من حالة إيطاليا التي تفشى فيها الفيروس بشكل هائل بسبب وجهات النظر المتطرفة والمتشددة والمسؤولين المحافظين الذين سيطروا على التيارات السياسية.
وتابع الموقع، أن "محاولة تسطيح الأمور والتقليل من خطورة انتشار فيروس كورونا في الولايات المتحدة لم تكن مسألة نابعة من الخلاف بين الحزبين، بل إنها قضية دينية في الأساس، وكذلك قضية أخلاقية"، مضيفاً: "الرب يولي أهمية كبيرة للصحة العامة وصحة المجتمعات، وبحسب ما يعلم الجميع فإن هناك آيات لا تحصى في الكتاب المقدس تشير إلى أهمية الاعتناء بالصحة العامة حتى ولو كان المقابل هو إلغاء بعض الشعائر أو الفعاليات الدينية".
"الكأس المقدسة لا يمكن أن تحمل الأمراض أبدا"، هكذا كان تبرير الكنائس الأرثوذكسية في اليونان لقرارها السماح بالتجمعات واستقبال المئات في كنائسها لارتشاف النبيذ من نفس الملعقة خلال الطقوس الدينية، بينما قالت الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية الأم، إن "من يحضر طقس سر التناول يتقرب إلى الرب، والرب يملك القوة لشفاء أي مريض"، وهو المعتقد ذاته الذي اتبعه المتحدث الرسمي لإبراشية الأرثوذكس اليونان في أستراليا ستيفين سكاوتس، الذي قال: "ما إن يتخذ المرء قراراً بالتوجه إلى الكنيسة، فإننا نؤمن بأنه لا يمكن أن تكون هناك احتمالات لإصابته بالفيروس من خلال الكأس المقدسة. نحن نؤمن أنه لا يمكن أن تكون هناك أمراض أو أوبئة في الأوخارستيا (سر التناول)...".
في بلغاريا أيضاً لم يختلف المشهد، فقد أثار بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية غضباً عارماً بسبب تصريحاته التي أكد فيها استمرار الطقوس الدينية وعدم إلغائها، على الرغم من دعوات الحكومة لمنع التجمعات.
وفي بيان رسمي، قالت الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية: "لن يتم إلغاء الطقوس الدينية، وكل من يريد الاقتراب من سر التناول عليه ألا يقلق أبداً، فالقرابين المقدسة لا يمكنها أبداً أن تنقل أي عدوى أو مرض، وإنما هي في الأساس علاج ودواء لكل الأمراض النفسية والبدنية"، وهو ما أثار موجة من الانتقادات الحادة على مواقع التواصل الاجتماعي في بلغاريا، حيث قال البعض إن "الكنيسة تحاول دفن رأسها في الرمال بادعاء أن القرابين المقدسة لديها قدرة شافية في وضع كهذا.. هذا هو التعريف المطلق الصريح لمعنى الجريمة المتعمدة".
مخالفة قرارات وعقوبات
كذلك، لم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للمسلمين، فعلى الرغم من القرارات التي اتخذتها السلطات في مختلف الدول الإسلامية، عقدت بعض السلطات الدينية والمتشددون في بعض الدول تجمعات لأداء صلوات الجمعة، على الرغم من التحذيرات من التجمعات الكبيرة.
وفي مصر على سبيل المثال، أثارت إقامة صلاة الجمعة على الرغم من التحذيرات والمطالبات الحكومية بالبقاء في المنازل لمنع انتشار الفيروس، جدلاً كبيراً.
وفي وقت عملت السلطات المصرية على منع التجمعات، كانت المساجد التابعة لوزارة الأوقاف تسير في اتجاه آخر. ولعل أبرز مثال على ذلك هو ما حدث في محافظة بني سويف المصرية، حين قررت وزارة الأوقاف معاقبة أحد خطباء المساجد بوقفه عن العمل وإحالته إلى لجنة القيم والتوصية بالنظر في إنهاء خدمته، بسبب فتحه المسجد المعين عليه، وإمامته للمصلين، على الرغم من قرارات وزارة الأوقاف بإغلاق المساجد بالكامل لمنع التجمعات خلال الصلوات.
ولم يتوقف الأمر على المساجد فقط، بل إن معتنقي الديانة المسيحية في مصر، تأخروا أيضاً في إصدار القرار بوقف الصلوات، حتى أن البعض اتهم السلطات الدينية بمحاولة الانتظار لحين صدور قرار من جانب أحدها حتى يرفع الحرج عنها.
ولم يصدر قرار وزارة الأوقاف المصرية بغلق المساجد ووقف الصلوات فيها، إلا بعد صدور قرار شيخ الأزهر بوقف الصلاة داخل المسجد الأزهر والذي بدوره لم يصدر إلا بعد صدور قرارات كنائس الطوائف المختلفة في مصر بوقف الصلوات والقداسات فيها، لكنها جميعا قرارات صدرت متأخرة بعد أن كانت التجمعات قد جرت بالفعل.
إيران والعراق.. مريدون يتمسكون بإيمانهم
"اللي عنده علي ما يندلى على المستشفى.. من كل مرض حيدر شفاني بعطفه"، هذا ما كان عليه لسان حال الآلاف من أتباع الطائفة الشيعية في العراق، ممن يبدو أنهم قرروا التمسك بإيمانهم في مواجهة الوباء، على الرغم من مطالبات الحكومة العراقية بمنع التجمعات لتفادي انتشار الفيروس.
وبدا التحدي واضحاً في كلمات المنشد الذي خطب في الآلاف، رافضاً التوجيهات والإرشادات التي فرضتها الحكومة العراقية.
ولم يكن مشهد التطرف الديني في مواجهة الفيروس أكثر اختلافاً في إيران، لكنه كان أسوأ في تداعياته، إذ تحولت مدينة "قم" التي تتمتع برمزية دينية كبرى لدى المسلمين من الطائفة الشيعية، إلى بؤرة لانتشار المرض نتيجة الممارسات والاعتقادات المتطرفة، وهو ما ظهر بشكل واضح في فيديو انتشر لمريدي أضرحة "قم" وهم يلعقون الأضرحة ويقبلونها، في محاولة للاستخفاف بحدة الأزمة والتداعيات المحتملة لها، على الرغم من قرارات السلطات الإيرانية فرض حظر على ممارسة الشعائر الدينية، وتعليق الصلوات في المساجد.
وفي أحد الفيديوهات، ظهر رجل إيراني يقول: "لا آبه لفيروس كورونا.. قد يقولون إن هذا الضريح قد ينقل لنا الفيروس.. ولكنني لا أكترث.. أريد أن أصاب به".
في المِحَن والبلاءات، تتباين ردود أفعال البعض تجاه الحدث انطلاقاً من المعتقدات الراسخة في أذهان من يرون أنفسهم "مؤمنين" بالديانات المختلفة. وما بين مؤمن بدين يرى أن البلاء اختبار لإيمانه وآخر يرى البلاء عقاب لغيره من غير المؤمنين، يرفع هؤلاء شعار "الرب راعي.. والمؤمن لا يصاب".
وهكذا تتبدل مصائر بلدان بأكملها بفعل قرار يتخذه من يعتبرون أنفسهم "مؤمنين"، بينما هم في الحقيقة "متشددين" في ممارسة شعائرهم، في حين أن السلامة قد تكون في الاتجاه الوسطي الذي يضمن إقامة الشعائر من دون تجمعات، وفق ما تعلنه كلّ من السلطات المدنية والدينية الرسمية، وقد تكون القاعدة الدينية "لا ضرر ولا ضرار" تحمل الإجابة السليمة على كيفية التعامل مع كابوس "كورونا".








