"منطقة عازلة" وأصول روسيا المجمدة لإعادة الإعمار.. مقترحات أوروبية في اتفاق أوكرانيا المحتمل

time reading iconدقائق القراءة - 10
فرق الإنقاذ الأوكرانية بأحد المواقع التي تعرضت لهجمات روسية في العاصمة كييف. 28 أغسطس 2025 - Bloomberg
فرق الإنقاذ الأوكرانية بأحد المواقع التي تعرضت لهجمات روسية في العاصمة كييف. 28 أغسطس 2025 - Bloomberg
دبي/ كييف -الشرقوكالات

يدرس القادة الأوروبيون إنشاء منطقة عازلة بطول 40 كيلومتراً بين خطوط المواجهة الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى تخصيص ما يقرب من 200 مليار يورو من الأصول الروسية المجمدة، لإعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحرب، كجزء من اتفاق سلام، ترى بروكسل أنها أقصيت منه مع انفراد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بجهود الوساطة وتجاهله لمخاوفها.

وبحسب مجلة "بوليتيكو"، فإن مقترح المنطقة العازلة يُعدّ، وفق خمسة دبلوماسيين أوروبيين، من بين اقتراحاتٍ عديدة يدرسها المسؤولون العسكريون والمدنيون الأوروبيون، سواء لسيناريو ما بعد الحرب، أو وقف إطلاق النار في أوكرانيا. ويختلف المسؤولون حول مدى عمق المنطقة العازلة، ومن غير الواضح ما إذا كانت كييف ستقبل الخطة، إذ من المرجح أن تأتي مع تنازلات إقليمية. 

ويأتي هذا فيما أبلغ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجموعة من القادة الأوروبيين، الخميس، بأهمية وضع صياغة واضحة للضمانات الأمنية لأوكرانيا كجزء من خطة للتوصل إلى تسوية سلمية مع روسيا بعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب.

وقال زيلينسكي في اجتماع افتراضي مع عدد من القادة الأوروبيين، إن أوكرانيا تعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهتم فقط بمواصلة الحرب.

ومن جهة أخرى، أوردت "بوليتيكو" كذلك، بناءً على تصريحات عدد من المسؤولين، أن بروكسل تختبر استعداد الحكومات الأوروبية لتحويل الأصول الروسية المجمدة إلى استثمارات عالية المخاطر، وهو ما من شأنه أن يوفر أرباحاً أكبر لأوكرانيا، ويزيد الضغط على روسيا للموافقة على اتفاق السلام.

منطقة عازلة

وتقول المجلة، إن تفكير المسؤولين الأوروبيين في تخصيص جزء من الأراضي الأوكرانية لضمان "سلام هش"، يشير إلى يأس حلفاء الناتو في إيجاد حلٍّ لحربٍ تقترب من عامها الرابع.

وقال جيم تاونسند، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون"، الذي أشرف على سياسة أوروبا وحلف شمال الأطلسي في عهد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما: "إنهم يتشبثون بقشة. الروس لا يخشون الأوروبيين. وإذا كانوا يعتقدون أن بضعة مراقبين بريطانيين وفرنسيين سيمنعونهم من الزحف إلى أوكرانيا، فهم مخطئون".

ويحمل التقسيم دلالات تاريخية عميقة، حسب "بوليتيكو"، وقد تجنب الدبلوماسيون الأوروبيون تشبيهه بالتقسيم المحكم بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية، اللتين لا تزالان في حالة حرب من الناحية النظرية. بل إنهم يقارنونه بتقسيم ألمانيا خلال الحرب الباردة.

وصرح بوتين ونوابه، بأنهم يعملون على إنشاء مناطق عازلة على طول حدود روسيا مع أوكرانيا، مما سيزيد من المسافة بين موسكو والمدفعية والطائرات المسيرة الأوكرانية. لكن لم تظهر أي تفاصيل تشير إلى ما ستتضمنه هذه المقترحات.

كما لا يزال عدد العسكريين اللازمين لدوريات الحدود مصدر قلق. ويتحدث المسؤولون عن أرقام تتراوح بين4 آلاف و60 ألف جندي. لكن الدول لم تُقدّم أي التزامات بعد، وتراجع الرئيس دونالد ترمب عن احتمال توفير قوات أميركية.

ويُكافح حلف شمال الأطلسي  بالفعل لإعداد قوة ردّ قوامها 300 ألف جندي للدفاع عن الجناح الشرقي للحلف من أي هجوم روسي مُستقبلي. وستلعب أي قوة حفظ سلام دوراً مزدوجاً، إذ ستقوم بدوريات قرب المنطقة منزوعة السلاح، وتُدرّب في الوقت نفسه القوات الأوكرانية، وفقاً لاثنين من الدبلوماسيين تحدثا لـ"بوليتيكو" شرط عدم كشف هويتيهما.

ومن المرجح أن تُشكّل القوات الفرنسية والبريطانية، جوهر الوجود العسكري الأجنبي، وفق مسؤولين أوروبيين آخرين، قالا إن هاتين الدولتين تضغطان على حلفاء آخرين للمساعدة في توفير الأصول العسكرية.

مخاوف الناتو

ويثير هذا التوجه قلق أعضاء حلف الناتو على طول الحدود الروسية، مثل بولندا، التي أعربت عن مخاوفها من أن تتعرّض البلاد لهجوم روسي. وقال المسؤولان إن الحلفاء أعربوا عن مخاوفهم لقادة البنتاجون من أن زيادة الالتزام العسكري، ستُضعف من قدرة الحلف على الدفاع عن جناحه الشرقي.

كما أعرب بعض الحلفاء عن قلقهم من أن يؤدي إنشاء منطقة عازلة إلى تعريض المدن الأوكرانية لخطر أكبر من هجوم أو غزو روسي جديد.

وقال أحد المسؤولين الأوروبيين: "هذا ليس تصرفاً حكيماً تجاه خصم لا يتفاوض بحسن نية".

وأعلنت بولندا وألمانيا، عدم اهتمامهما بإرسال قوات إلى أوكرانيا، بينما تعهدت إستونيا الصغيرة بتقديم بعض القوات. وقال مسؤول أوروبي ثالث، إن الحلفاء يتوقعون أن تساهم أوكرانيا بالجزء الأكبر من القوات.

ويُجري أعضاء الناتو محادثات مع مسؤولين أميركيين بشأن توفير معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية ودعم جوي، على الرغم من أنهم لا يتوقعون أكثر من ذلك بكثير. وقد أبلغ كبار مسؤولي البنتاجون نظراءهم الأوروبيين بالفعل أن الولايات المتحدة ستلعب دوراً محدوداً في أي ضمانات أمنية لأوكرانيا.

وتقول "بوليتيكو" إن الولايات المتحدة قد تكون الدولة الوحيدة في الناتو التي تمتلك أقماراً اصطناعية كافية لتوفير معلومات استخباراتية جوية تضمن عدم انتهاك روسيا لوقف إطلاق النار أو اتفاق السلام.

إعادة الإعمار

وبالموازاة مع هذا، تسعى أوروبا إلى استغلال الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا بعد سنوات من الحرب، وحسب "بوليتيكو"، فإن المؤيدين لهذه الخطة يرون أنها تمثل خطوة نحو الاستيلاء المحتمل على الأصول وتسليمها إلى أوكرانيا كعقاب على رفض روسيا دفع تعويضات ما بعد الحرب.

وقالت رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، الخميس، في أقوى تصريحات لها حتى الآن حول هذا الموضوع: "إننا نمضي قدماً في العمل على الأصول الروسية المجمدة للمساهمة في دفاع أوكرانيا وإعادة إعمارها".

والأهم من ذلك، أن هذا الخيار لن يرقى إلى مستوى مصادرة الأصول فوراً، وهو ما تعارضه غالبية دول الاتحاد الأوروبي لأسباب مالية وقانونية.

ومن المتوقع أن يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرون، هذا الخيار لأول مرة خلال اجتماع غير رسمي في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن.

وخلال الاجتماع، سينظر الوزراء في "خيارات إضافية لاستخدام الإيرادات المتأتية من الأصول السيادية الروسية المجمدة"، وفق مذكرة تحضيرية اطلعت عليها "بوليتيكو".

ومع مواجهة أوكرانيا عجزاً في الميزانية يُقدر بـ 8 مليارات يورو في عام 2026، تبحث دول الاتحاد الأوروبي عن أفكار جديدة لمواصلة تمويل الدولة التي مزقتها الحرب في ظل ميزانيات محلية مضغوطة وانعدام المجال لإصدار ديون على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من مأزقها الاقتصادي، تواجه أوروبا ضغوطاً متزايدة للتعامل مع انسحاب الولايات المتحدة من أوكرانيا ومحاولات ترمب المتعثرة للتوصل إلى اتفاق للسلام.

مؤيدون ومعارضون

لطالما ضغطت دول البلطيق المجاورة لروسيا (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، والعديد من الدول الأخرى، على الاتحاد الأوروبي لمصادرة هذه الأصول بالكامل.

وداخل المفوضية الأوروبية، قدّم مفوض الاقتصاد، فالديس دومبروفسكيس، ومسؤولة السياسة الخارجية، كايا كالاس، هذه الفكرة.

إلا أن هذا الخيار لا يزال يواجه مقاومة من دول أوروبا الغربية، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا. وتُعد بلجيكا معرضة بشكل خاص للمخاطر القانونية والمالية نظرًا لاستضافة يوروكلير، المؤسسة المالية التي تحتفظ بالجزء الأكبر من الأصول الروسية.

كحل وسط، وافقت دول مجموعة السبع في عام 2024 على تحويل ما مجموعه 45 مليار يورو من الأرباح الناتجة عن استثمار الأصول إلى أوكرانيا، مع ترك الأصول الأساسية دون مساس.

مع ذلك، سيتم سداد حصة الاتحاد الأوروبي البالغة 18 مليار يورو من القرض بالكامل بحلول نهاية العام، مما أثار دعوات لتحقيق إيرادات إضافية في غضون فترة زمنية قصيرة.

وكحلٍّ مؤقت، يبحث محامو المفوضية الأوروبية، في تحويل الأصول إلى "آلية ذات غرض خاص" مدعومة من عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وربما دول أجنبية.

وشبّه المسؤولون الصندوق الجديد المقترح، بآلية الاستقرار الأوروبية (ESM)، وهي آلية مالية لإنقاذ الدول، مدعومة فقط من أعضاء منطقة اليورو، وأُنشئت خارج معاهدات الاتحاد الأوروبي.

استثمارات أكثر خطورة

وتقول "بوليتيكو" إن تحويل الأصول إلى صندوق جديد سيسمح باستثمارها في استثمارات أكثر خطورة، قادرة على تحقيق عوائد أعلى لأوكرانيا.

وسيُمثل هذا تغييراً عن القواعد الحالية، التي تُلزم "يوروكلير" باستثمار الأصول لدى البنك المركزي البلجيكي، الذي يُقدم أقل معدل عائد متاح خالٍ من المخاطر.

مع ذلك، يخشى المشككون، بمن فيهم الرئيسة التنفيذية لـ"يوروكلير"، فاليري أوربان، من أن يتحمل دافعو الضرائب في الاتحاد الأوروبي العبء الأكبر من أي خسائر ناجمة عن العمليات الأكثر خطورة.

ولتقاسم العبء القانوني والمالي، تُريد بلجيكا من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى تحمل مسؤولية الأصول بموجب خطة المفوضية المقترحة.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي ودبلوماسي كبير، إن الحكومة البلجيكية أبدت مؤخراً ترحيبها بخطة المفوضية، في حين تدعم دول أبعد عن روسيا، مثل إسبانيا، الفكرة أيضاً.

مواجهات عسكرية متواصلة

وتتواصل المواجهات العسكرية والهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، بالتوازي مع جهود إبرام اتفاق للسلام، إذ قال مسؤولون في العاصمة كييف، إن 21 شخصاً على الأقل لقوا مصرعهم في المدينة، خلال آخر هجوم روسي.

وفي الساعات الأولى من صباح الخميس، شنت موسكو هجوماً مكثفاً باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة استهدف كييف، وألحق أضراراً بمكاتب الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

واستدعى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مبعوثي روسيا للاحتجاج. ولم ترد أنباء عن سقوط مصابين في أي من الموقعين.

ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، هذا الهجوم، بـ"ثاني أكبر هجوم منذ أن بدأت روسيا غزوها الشامل للبلاد" في فبراير 2022، واعتبره رداً من موسكو على الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن ترمب "لم يسعده هذا النبأ لكنه لم يُفاجئ أيضاً" نظراً لأن البلدين في حالة حرب منذ ثلاثة أعوام ونصف العام. وأشارت خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب سيدلي بمزيد من التفاصيل حول الهجمات في وقت لاحق.

ووقعت هذه الهجمات بعد أقل من أسبوعين من استضافة ترمب لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وهو اجتماع كان يأمل الرئيس الأميركي في أن يتوج جهوده بإبرام اتفاق سلام.

وقالت روسيا إن هجومها أصاب منشآت صناعية عسكرية وقواعد جوية، وإن أوكرانيا هاجمت أهدافاً روسية. وأكد الكرملين أنه لا يزال مهتما بمواصلة محادثات السلام.

تصنيفات

قصص قد تهمك