
مع انطلاق الخطة الخمسية، الخامسة عشرة، للصين في عام 2026، يطمح ثاني أكبر اقتصاد بالعالم في مسار لتعزيز اقتصاده من خلال قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة، يحقق نمواً تقوده التكنولوجيا المتقدمة، ويرتكز على طلب محلي قوي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تصدر قائمة أولويات بكين، مسألة "الصون الحازم للسيادة الوطنية ووحدة الأراضي"، عبر كبح ما تسميه "قوى الانفصال التايوانية".
التكنولوجيا المحلية
وتُعد الخطط الخمسية للصين مؤشراً على الأهداف الاستراتيجية المرسومة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، والتي أكدت اجتماعات قيادية في بكين أن الخطة الخامسة عشرة ستركز على أن يكون الاعتماد على الداخل، تكنولوجياً، في صميمها.
ويتوقع أن يظهر ذلك رسمياً عند الكشف عن النسخة النهائية من هذه الخطة، خلال الاجتماعات السنوية المتزامنة للمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (CPPCC)، وللمجلس الوطني لنواب الشعب (NPC)، في مارس المقبل، والتي يُطلق عليها اجتماعات "الدورتين".
وشدد الرئيس الصيني شي جين بينج على ضرورة أن تظل الشركات المملوكة للدولة (SOEs)، الخاضعة لإدارة الحكومة المركزية؛ متجذرة في الاقتصاد، وأن تسعى إلى تحقيق اختراقات في التقنيات الأساسية والرئيسية، وأن تعزز التكامل العميق بين الابتكار التكنولوجي والابتكار الصناعي.
وجاء ذلك في توجيه نُقل خلال اجتماع رؤساء الشركات المملوكة للدولة المركزية، الذي عُقد في بكين يومي 22 و23 ديسمبر.
وقال تشنج شان جيه، رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح (NDRC)، أعلى جهة للتخطيط الاقتصادي في الصين، خلال اجتماع عُقد مؤخراً في بكين أن بلاده ستعتمد "إجراءات استثنائية للدفع نحو تحقيق اختراقات حاسمة في التقنيات الحيوية، لتعزيز الاندماج الوثيق بين العلم والصناعة عبر سلاسل الإمداد بأكملها".
وتُظهر بيانات صادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن استثمار البلاد في قطاع التصنيع عالي التقنية ارتفع بأكثر من 10% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025، مقارنة بالعام الماضي، متجاوزاً معدل نمو الاستثمار الكلي في الأصول الثابتة.
وقال جاستن ييفو لين، عميد معهد الاقتصاد الهيكلي الجديد في جامعة بكين ونائب رئيس البنك الدولي السابق، في حديث مع "الشرق"، إن الحكومة الصينية باتت تؤدي دوراً نشطاً في مساعدة الشركات على تجاوز الاختناقات في الابتكار التكنولوجي والارتقاء الصناعي، بهدف بناء سوق وطنية موحدة في الصين.
وحددت التوصيات الخاصة بالخطة الخمسية الخامسة عشرة "تحقيق تحسينات ملموسة في الاعتماد على الذات والقوة في مجالي العلوم والتكنولوجيا" بوصفه هدفاً رئيسياً.
وخلال اجتماع رؤساء الشركات المملوكة للدولة الخاضعة للإدارة المركزية، حث رئيس مجلس الدولة، لي تشيانج، هذه الشركات على تسريع التحديث الرقمي والذكي للبنية التحتية التقليدية، بالتوازي مع دعم المشاريع الكبرى.
وقال وانج ييمينج، نائب رئيس مركز الصين للتبادلات الاقتصادية الدولية، لـ"الشرق"، إن الابتكار التكنولوجي يجب أن يشمل السلسلة بأكملها، ابتداءً من البحث العلمي وصولاً إلى التسويق التجاري.
وأشار وانج إلى إنجاز في اختبارات القطارات بالغة السرعة، حيث سجلت الصين رقماً قياسياً عالمياً عندما نجحت في تسريع مركبة اختبار مغناطيسية معلقة (ماجليف) بوزن طن واحد، إذ بلغت سرعتها 700 كيلومتر في الساعة، وذلك خلال ثانيتين فقط.
واعتبر وانج أن على الشركات المملوكة للدولة المركزية "تعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي، ودفع كل حلقة من حلقات المسار، من الاختراقات التكنولوجية إلى تحويل الإنجازات إلى تطبيقات عملية، والاستثمار في الصناعات الاستراتيجية الناشئة، إلى جانب التخطيط لقطاعات المستقبل مثل واجهات الدماغ – الحاسوب والمعلومات الكمية".
تعزيز الطلب المحلي.. أولى المهام
وأكد المؤتمر الاقتصادي المركزي السنوي مجدداً أن توسيع الطلب المحلي هو الأولوية القصوى ضمن 8 مهام أساسية لعام 2026، مع سياسات تهدف إلى تحفيز الاستهلاك من جانبي العرض والطلب، مع الأخذ في الاعتبار التحولات الهيكلية في أنماط الاستهلاك في البلاد.
ويتوافق ذلك مع التركيز الاستراتيجي للخطة الخمسية الخامسة عشرة على تقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية، في ظل حالة عدم اليقين العالمية؛ من خلال تنمية محركات النمو الداخلية.
وقال وانج شين، رئيس مكتب الأبحاث في بنك الشعب الصيني، لـ"الشرق"، إن الطلب المحلي أسهم بشكل كبير في النمو الاقتصادي للصين خلال العقد الماضي، مشيراً إلى أن تعزيز هذا الركن يُعد ضرورة استراتيجية للتنمية الاقتصادية الناضجة.
وأضاف وانج شين أن رفع مستوى ثروة الأفراد بشكل منهجي يؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي، لأن الناس يمتلكون دخلاً متاحاً أكبر.
تخفيف القيود على الاستهلاك
من جانبه، قال شياو ويمينج، نائب الأمين العام للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، لـ"الشرق"، إن الصين وضعت خططاً لتوسيع الطلب المحلي على نحو شامل، من خلال تخفيف القيود المفروضة على استهلاك الخدمات، وطرح سياسات موجهة لتعزيز الاستهلاك في مجالات رئيسية مثل اقتصاد حملات الإطلاق الأولي، واقتصاد الفعاليات، والتجارة الإلكترونية، والاستهلاك المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أعلن البنك المركزي الصيني، بنك الشعب الصيني، في 24 ديسمبر، أنه سيواصل ضمان وفرة السيولة لخفض تكاليف التمويل على الاقتصاد الحقيقي.
كما تعطي الخطة الخمسية الخامسة عشرة أولوية لـ"اقتصاد الفضة"، الذي يرمز ذوي الشعر الرمادي، في إشارة إلى شريحة الصينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و60 سنة، وعددهم بحسب إحصاء في عام 2024 يصل إلى 310 ملايين نسمة.
وتقوم هذه المنظومة الاقتصادية على تلبية احتياجات هذه الشريحة، من خلال خلق فرص عبر تقديم خدمات لهم في قطاعات الرعاية الصحية والتأمين والإسكان والخدمات الاجتماعية والسياحة والترفيه.
كذلك، تركز الخطة على "اقتصاد الجليد" والثلوج، في إشارة إلى الرياضة والسياحة الشتوية، بوصفهما محركات للنمو.
ومن المتوقع أن تسهم التمويلات القادمة من استثمارات الموازنة المركزية، والسندات الحكومية الخاصة فائقة الأجل، والأدوات المالية الجديدة القائمة على السياسات، في دفع استثمارات فعالة.
وقال تشانج بين، نائب مدير معهد اقتصاديات وسياسات العالم في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، لـ"الشرق"، إن أنماط الاستهلاك قد تحولت إلى ما يتجاوز تلبية الاحتياجات الأساسية.
وأضاف أن "أسرع مجالات الاستهلاك الأسري نمواً خلال العقد الماضي كانت الرعاية الصحية، والرياضة والترفيه، والخدمات المرتبطة بالإسكان".
وتابع أن الإجراءات قصيرة الأجل ستشمل سياسات مضادة للدورات الاقتصادية، مثل خفض أسعار الفائدة وزيادة الإنفاق الحكومي، في حين ستركز الجهود المتوسطة والطويلة الأجل على إصلاحات في قطاعات الرعاية الصحية، ورعاية المسنين، والإسكان عالي الجودة.
وأكد تشانج أن أدوات السياسات، مثل برنامج استبدال السلع الاستهلاكية، الذي أسهم في تحقيق مبيعات تجاوزت 2.5 تريليون يوان (أي ما يُعادل نحو 347 مليار دولار) في عام 2025، سيتم تحسينها بشكل أكبر لتحفيز الطلب المحلي.
الصين متأهبة
وعلى الصعيد السياسي، لا يزال صون السيادة الوطنية ووحدة الأراضي أولوية قصوى، إذ تحافظ الصين على درجة عالية من اليقظة تجاه أنشطة ما تصفه بـ"الانفصاليين التايوانيين" والتدخلات الخارجية.
وقال وزير الخارجية الصيني وانج يي، خلال محادثات مع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في مطلع ديسمبر، إن "السعي إلى استقلال تايوان يعادل تقسيم أراضي الصين، وينتهك كلاً من الدستور الصيني والقانون الدولي"، مشدداً على الأسس التاريخية والقانونية التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين.
ورداً على ما وصفه بالاستفزازات الأخيرة الصادرة عن الحزب الديمقراطي التقدمي المؤيد للانفصال في جزيرة تايوان، وكذلك على مبيعات الأسلحة الأميركية للمنطقة، قال تشانج شياوجانج، المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، بمؤتمر صحافي في 25 ديسمبر، إن "جيش التحرير الشعبي الصيني لن يوقف جهوده لمكافحة الأنشطة الانفصالية وتعزيز إعادة التوحيد الوطني"، مؤكداً أن قضية تايوان "شأن داخلي صيني بحت لا يقبل أي تدخل خارجي".
وهدد تشانج من وصفهم بـ"انفصاليي تايوان" بأنهم إذا أقدموا "على الاستفزاز أو ممارسة الضغوط أو تجرؤوا حتى على تجاوز الخط الأحمر، فلن يكون أمامنا خيار سوى اتخاذ إجراءات حاسمة"، مؤكداً أن جيش بلاده "في حالة جاهزية دائمة، ومستعد للقتال في أي وقت، ومتيقن من النصر، وسيقضي بحزم على أي محاولات انفصالية لـ(استقلال تايوان) وعلى أي تدخل خارجي".
وعما إذا كانت لا تزال إعادة التوحيد السلمي مطروحة على الطاولة، يؤكد تشو بو، الباحث الأول في مركز الأمن الدولي والاستراتيجية بجامعة تسينجهوا والعقيد السابق في جيش التحرير الشعبي، أن من أولويات تحقيق إعادة التوحيد السلمي للصين منع أي تدخل أجنبي.
وقال تشو لـ"الشرق" إن قضية تايوان نشأت "منذ الحرب الأهلية الصينية في أواخر الأربعينيات ومن تدخل القوى الخارجية، لا سيما الولايات المتحدة"، معتبراً أنه "يجب على الولايات المتحدة أن تجعل البر الرئيسي الصيني يقتنع بأن السلام ما زال ممكناً عبر المضيق".
واعتبر أن "لا الغموض الاستراتيجي للولايات المتحدة ولا وضوحها الاستراتيجي يمكن أن يعيق تصميم الصين على تحقيق التوحيد الوطني".











