أوكرانيا 2026.. أمل هش في "سلام قاس" ومخاوف بشأن صمود الجبهة

خبراء أوكرانيون لـ"الشرق": بوتين يماطل.. وقلق من فقدان ترمب حماسه للوساطة

time reading iconدقائق القراءة - 23
صورة منتجة بالذكاء الاصطناعي تعبر عن أبرز التحديات التي تواجه أوكرانيا خلال العام 2026 - الشرق
صورة منتجة بالذكاء الاصطناعي تعبر عن أبرز التحديات التي تواجه أوكرانيا خلال العام 2026 - الشرق
كييف-إيرينا ماتفييشين

مع دخول الغزو الروسي عامه الخامس، تواجه أوكرانيا شبكة مُعقدة من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية، فبينما يُعلّق البعض آمالاً بأن يشكّل عام 2026 نهاية للقتال، يحذّر سياسيون وخبراء أوكرانيون تحدثوا لـ"الشرق"، من أن ديناميكيات ساحة المعركة وقدرة خطوط الجبهة على الصمود، والدعم الخارجي، ستحدد سقف كييف في التسوية، وارتداداتها على الوضع الداخلي، الذي يُعاني من نقاط ضعف.

وعلى مدار العام المنصرم، هيمنت جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتوسط في تسوية سلام بين كييف وموسكو، على المشهد الجيوسياسي لأوكرانيا، رغم أنه كان قد تعهد عام 2023 بإنهاء الحرب خلال "24 ساعة" حال انتخابه رئيساً.

وتواصلت جهود ترمب عبر أحدث اجتماعاته مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا، الأحد الماضي، والذي ركّز على الضمانات الأمنية وخطة سلام مقترحة من 20 نقطة.

ولكن ثمة تكهنات بأن الحرب ستستمر في عام 2026، على الرغم من أن خطاب زيلينسكي للأوكرانيين، بمناسبة رأس السنة الجديدة، صيغ في إطار آفاق السلام ورؤية كييف لما ينبغي أن يتضمنه هذا السلام. 

وكان زيلينسكي وصف اجتماع 29 ديسمبر مع ترمب بأنه حقق تقدماً جوهرياً نحو إطار مشترك لإنهاء الحرب، إلا أنه لم يتم تحقيق أي اختراق بعد ذلك.

وأعلن ترمب أن 95% من القضايا قد حُلّت، ولم يتبقَّ سوى "مسألة أو مسألتين شديدتي التعقيد والصعوبة". أما زيلينسكي، فقال إنه جرى الاتفاق بالكامل على الضمانات الأمنية، وإن الوثيقة مكتملة بنحو 90%، طارحاً مسألة إجراء استفتاء وطني كآلية محتملة لإضفاء الشرعية على أي اتفاق نهائي.

ومع ذلك، لا توجد مؤشرات تُذكر على أن المفاوضات تقترب من نهايتها لتضع حداً للحرب.

ورفضت روسيا مراراً مقترحات وقف إطلاق النار، بما في ذلك هدنة عيد الميلاد. 

وخلال رحلة زيلينسكي إلى الولايات المتحدة، استهدف الجيش الروسي البنى التحتية للطاقة في كييف بقرابة 500 طائرة مسيّرة و40 صاروخاً، وأدّت إلى سقوط وإصابة مدنيين، بحسب التقارير المحلية.

في المقابل، اتهمت روسيا القوات الأوكرانية بشن هجوم بطائرات مسيّرة بعيدة المدى على مقر إقامة بوتين في مقاطعة نوفجورود الروسية، الأمر الذي أغضب ترمب، وأعطى الكرملين ذريعة لكي يهدد بـ"تشديد" موقفه التفاوضي، على الرغم من رفض زيلينسكي هذه الاتهامات ووصفها بأنها "كذبة روسية أخرى"، فيما قالت وزارة الخارجية الأوكرانية إنها "ذريعة لإفشال جهود السلام".

لا تفاؤل بنجاح المفاوضات

وفي هذا السياق، يُعبِّر أوليكساندر ميريجكو، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوكراني، عن انطباع واسع في أوكرانيا، بأن المفاوضات لن تسفر عن أي نتائج ما دام بوتين في السلطة.

وقال ميريجكو لـ"الشرق"، إن "الواقع الموضوعي هو أن بوتين لا يريد التوقف. فهو يعتقد أنه سيفقد السلطة إذا أوقف الحرب من دون تحقيق أهدافه، أي من دون تدمير أوكرانيا أو تنصيب حكومة دمية".

واعتبر أن المفاوضات تساعد الرئيس الروسي "على الهروب من العزلة السياسية، وتجنّب العقوبات، لا سيما من جانب ترمب، وبث الفوضى وعدم اليقين"، وبالتالي "يستغل هذه العمليات".

خيارات كييف

بالنسبة إلى أوكرانيا، ومع تراجع القدرة على الوثوق بالولايات المتحدة كداعم في ظل إدارة ترمب، واستمرار القوات الروسية في دفع خطوط الجبهة إلى الأمام واستهداف البنية التحتية للطاقة، لم يبقَ أمام كييف سوى خيارات محدودة، أبرزها التكيّف مع نهج ترمب، وفق من تحدثت إليهم "الشرق".

ومن هؤلاء ميريجكو، الذي يقول إن الهدف الأساسي لأوكرانيا "هو التأكد من أن ترمب لا يقع في فخ استفزازات بوتين وخطابه الشعبوي، أو أن يبدأ في إلقاء اللوم على كييف بزعم أنها لا تريد السلام".

وأضاف النائب الأوكراني أن "مصالح الأطراف متعارضة جذرياً. بوتين يريد قتلنا؛ ونحن نريد البقاء على قيد الحياة. لا يوجد أي حل وسط ممكن هنا".

وخلال مقابلة أجريت في 30 ديسمبر، أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، التأكيد على مطالب موسكو الأصلية منذ أوائل عام 2022، وهي أن تكون أوكرانيا "محايدة... وغير منحازة لأي تكتل عسكري وغير نووية"، والاعتراف الدولي بسيادة روسيا على المناطق التي تسيطر عليها.

نقاط الخلاف 

وفي حوار عبر تطبيق "واتس آب" مع وسائل الإعلام، من بينها "الشرق"، أقرّ زيلينسكي بأن قضية المناطق التي تطالب روسيا بالبقاء فيها "لا تزال العنصر الأكثر صعوبة". 

ووفقاً لمسودة الخطة، سيتم تجميد خطوط الجبهة في مناطق دونيتسك ولوجانسك وزاباروجيا وخيرسون، عند المواقع التي تتمركز فيها القوات لحظة التوقيع، في حين يُطلب من روسيا الانسحاب من مناطق دنيبروبتروفسك وميكولايف وسومي وخاركيف. 

إلا أن موسكو تُطالب بانسحاب أوكرانيا من دونيتسك، بينما طرحت واشنطن حلاً وسطاً يتضمن احتمال إنشاء منطقة اقتصادية حرة.

وقال زيلينسكي إن المضي في مثل هذا المقترح سيتطلب إجراء استفتاء وطني بعد وقف إطلاق النار، بينما يرى كثير من الأوكرانيين في ذلك "خطراً جدياً".

ومن هؤلاء ماريا زولكينا، رئيسة برنامج دراسات الأمن الإقليمي والنزاعات بمؤسسة "المبادرات الديمقراطية"، التي تُحذّر من أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد. 

وقالت زولكينا، وهي أيضاً باحثة زميلة بكلية لندن للاقتصاد لـ"الشرق"، أن من شأن الاستفتاء أن "يقود إلى عدم استقرار داخلي، وأن يشكّل نهاية حاسمة لمرحلة التماسك التي تشكّلت في مواجهة العدوان الخارجي".

وأشارت إلى أن إجراء انتخابات أو استفتاءات في زمن الحرب من شأنه أن يحرك الاستقطاب في المجتمع الأوكراني، "ولا سيما على أسس إقليمية، ويفتح المجال أمام التلاعب الروسي".

هذا القلق يتشاركه أوليكساندر ميريجكو مع زولكينا، والذي يعتبر أن "الانتخابات مستحيلة قانونياً وسياسياً وتقنياً وعملياً في ظل هذه الظروف. فهي ستقوّض القدرات الدفاعية والشرعية".

"تنازلات لا رجعة فيها"

وبحسب زولكينا، يتمثل الخطر الجوهري بالنسبة لأوكرانيا في تقديم "تنازلات لا رجعة فيها" تتعلق بالسيادة أو الدفاع أو القضايا الدستورية من دون وجود آلية واضحة تضمن وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن كييف تتعرض لضغوط غير متكافئة، إذ يُتوقع منها تقديم تنازلات الآن وفي المستقبل، في حين لا تحصل على مقابل يُذكر.

وأشارت إلى ما وصفته "مقاومة قوية وتردداً" لدى الولايات المتحدة وكذلك من الدول الأوروبية "في تحمّل أي التزامات أمنية مُلزمة، بما في ذلك إجراءات الدفاع المشترك أو سياسة دفاعية موحّدة.

وزادت: "وفي مقابل هذا الإطار الغامض وغير المحدد، يُتوقع من أوكرانيا أن تتحمّل فوراً التزامات ملموسة للغاية: الانسحاب من دونباس، والتخلي رسمياً عن طموحات الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفرض قيود على حجم قواتها المسلحة، وإجراء انتخابات، وهي جميعها إجراءات ستكون لها تداعيات فورية على البلاد".

ويُنظر على نطاق واسع في أوكرانيا والغرب، ولا سيما في أوروبا، إلى المطالب الروسية القصوى بوصفها عائق رئيسي أمام السلام.

"ريبة أوكرانية من نوايا ترمب"

وترى زولكينا أن هدف الرئيس الأميركي ليس تحقيق السلام في أوكرانيا، بل تطبيع العلاقات مع موسكو، معتبرة أن هذا الأمر هو السبب في أن "أياً من الخطط المقترحة لم تتضمن وقفاً مستداماً لإطلاق النار"، متسائلة عن سبب التخلي عن هذه النقطة، التي كانت، قبل عام، نقطة الانطلاق في دبلوماسية ترمب لوقف الحرب.

 

ويشكّك ميريجكو، شأنه شأن عدد من المحللين الأوكرانيين، في جوهر الوثيقة ذات النقاط التي يتم التفاوض بشأنها. ويربط ذلك بأنه "لا توجد ضمانات، ولا وضوح بشأن ما إذا كان بوتين سيقبل بوقف غير مشروط لإطلاق النار"، مشيراً أيضاً إلى أنه لا توجد "آليات ملموسة" و"لا خطة سلام حقيقية".

ورجح  رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوكراني، أن تستمر المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا "لمجرد الاستعراض"، مشيراً إلى أنه من المتوقع "أن يقول بوتين رسمياً إنه ليس ضد الخطة، فقط في حال لُبّيت مطالبه"، معتبراً أن هذا عملياً "يعني الرفض"، بينما "يتظاهر ترمب بالثقة في بوتين وسيطيل أمد المحادثات، أو ينتهي إلى أن يفقد الاهتمام (بالتوسط) ويمضي قدماً".

في خطابه بمناسبة رأس السنة الجديدة، أوضح زيلينسكي أن أوكرانيا تريد السلام، ولكن ليس على حساب وجودها. وقال: "هل نحن متعبون؟ للغاية. هل يعني ذلك أننا مستعدون للاستسلام؟ من يظن ذلك فهو مخطئ تماماً"، مجدداً التأكيد على أن الخطة مكتملة بنسبة 90%، لكنه شدد على أن "الـ10% المتبقية ستحدد مصير السلام، ومصير أوكرانيا وأوروبا".

ويتفق كل من ميريجكو وزولكينا على أن العقوبات المفروضة على روسيا يمكن أن تغيّر مسار الحرب والمفاوضات. غير أنهما لا يريان توفّر الشروط اللازمة لجعل ذلك أمراً مرجحاً. 

وعلى الرغم من أن ترمب فرض عقوبات على شركات النفط الروسية في أكتوبر، تشير زولكينا إلى أن الرئيس الأميركي أبدى استعداداً محدوداً لتطبيقها بشكل فعلي، كما أن الثغرات القائمة أعادت وضع موسكو في موقع مميّز.

مخاوف الميدان

ومهما تكن رغبات ترمب وبوتين، يبقى العامل الحاسم هو ساحة المعركة، في وقت تواصل أوكرانيا القتال من أجل البقاء والحفاظ على خطوط دفاعها.

وأظهر عام 2025 أن الجانبين يواجهان تحديات خطيرة، من المرجح أن تؤثر في محادثات السلام.

ووفقاً لتقرير صادر عن معهد دراسة الحرب (ISW)، عزّز بوتين وقيادته العسكرية نجاحاتهم على خطوط الجبهة في ظل المفاوضات الأميركية الأوكرانية، ما خلق انطباعاً بأن دفاعات أوكرانيا تتداعى. 

ورغم خطورة الوضع في الشرق والجنوب، مع الهجمات الروسية بمقاطعات زابوريجيا ودونيتسك وسومي، تمكنت القوات الأوكرانية بحلول نهاية ديسمبر من التقدم وصدّ الهجمات في قطاعات عدة.

وتشير زولكينا إلى أنه "إذا تدهورت الجبهة بشكل كبير، في دونيتسك أو خاركيف أو سومي أو زابوريجيا، فقد تُستأنف المحادثات تحت ضغط متجدد يهدف إلى إجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات".

كما حذّرت من احتمال أن تفقد الولايات المتحدة اهتمامها ببساطة، ويتراجع مستوى انخراطها في المحادثات، بعدما تزيل القضية من جدول أعمالها، وهذا "السيناريو الذي تخشاه أوروبا أكثر من غيرها، لأنها تعتمد على حد أدنى من الانخراط الأميركي، ولو كان رمزياً، لمنع تحوّل الحرب الروسية الأوكرانية إلى مشكلة أوروبية خالصة، دبلوماسياً وعسكرياً".

التغييرات في الجيش

في عام 2026، ستكون الجبهة الأمامية عاملاً حاسماً في بقاء أوكرانيا، وكذلك هيكلية الجيش، بحسب أندري بيلتسكي قائد الفيلق الثالث بالقوات المسلحة الأوكرانية.

وقال بيلتسكي في مقال نشرته مجلة "إيكونوميست" ضمن عدد خاص بالأزمة الأوكرانية، إنه "سواء استمرت الحرب أم دخلت البلاد في وقف لإطلاق النار، فإن الجيش الأوكراني لا بد أن يتغيّر".

تحوّلت أوجه القصور التنظيمية والهيكلية، التي لطالما انتقدها الخبراء العسكريون والجنود على حد سواء، إلى مشكلات ملحّة مع توسّع روسيا في التجنيد على مدار العام.

ويكمن جوهر المشكلة، بحسب فيكتور كيفليوك، العقيد المتقاعد ورئيس مركز التعاون المدني العسكري بعملية القوات المشتركة الأوكرانية، في "عدم اكتمال نظام القيادة والسيطرة، فبينما انتقلت بعض مقار القيادة إلى هياكل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا تزال معظم الوحدات التكتيكية متجذرة إلى حد كبير في الإطار السوفييتي القديم". 

وأضاف كيفلوك لـ"الشرق"، أن هذا التناقض يؤدي إلى احتكاكات وسوء تواصل وتأخير في نقل الأوامر عبر مستويات القيادة المختلفة، كما يقلل من القدرة على التكيف مع متطلبات الحرب التكنولوجية الحديثة.

وتفاقم هذه الثغرات التنظيمية تحديات التعبئة في أوكرانيا، بحسب الخبير العسكري الأوكراني نفسه، الذي يُنبِّه إلى أن "حملات التأثير الروسية، والإرهاق المجتمعي، وتذبذب سياسات الدولة، وضغوط وسائل الإعلام، إلى جانب الطموحات الشخصية لبعض المسؤولين، قوّضت فعلياً عملية التعبئة، وأضعفت الاحتياطيات الاستراتيجية".

160 ألف حالة فرار من الخدمة

بحلول أكتوبر 2025، كانت أجهزة إنفاذ القانون الأوكرانية قد سجّلت رقماً صادماً بلغ 160  ألف حالة فرار من الخدمة العسكرية، وهو "نقص حاد" يرى كيفليوك أنه "قوّض الروح المعنوية"، إذ أُجبرت الوحدات على التمسك بمواقعها من دون دورات تبديل، متحمّلة إنهاكاً شديداً وخسائر فادحة، مع قدرة محدودة على شنّ هجمات مضادة. 

وأضاف رئيس مركز التعاون المدني العسكري بعملية القوات المشتركة الأوكرانية: "لقد شكّل ذلك مسار الحرب، وترك قوات الدفاع الأوكرانية أكثر عرضة لتقدم روسي بطيء، لكن متواصل"، محذّراً من أن "التعبئة ستظل تحدياً حاسماً يهدد الاستقرار الداخلي في العمق ويُضعف الفاعلية القتالية للجيش".

ومع ذلك، يعتقد كيفليوك أن الوضع يمكن احتواؤه، عبر إجراءات حاسمة تشمل تشديد تطبيق القوانين ضد التهرب من التجنيد، ودعماً إعلامياً مستداماً للتعبئة، ووضع جداول زمنية واضحة للتسريح، وإجراء تبديلات منتظمة للوحدات، وضمان فترات راحة كافية، ومراجعة معايير التجنيد، وتوفير دعم مالي موثوق لأفراد الخدمة.

وفي المقابل، ينوّه إلى امتلاك روسيا "إمداداً غير محدود من مشاة ذوي تكلفة منخفضة ودوافع عالية، كما توسّع تجنيد المقاتلين الأجانب من طاجيكستان وأوزبكستان وكينيا ونيبال وغيرها".

وعلى الرغم من تحديات التعبئة التي تواجهها أوكرانيا وخسائرها القياسية، تواصل روسيا حرب استنزاف، ما يُعرّض كييف لخطر خسارة مزيد من الأراضي، ولا سيما في مقاطعة دونيتسك.

ومع ذلك، يعتقد كيفليوك أن ذلك لن يؤدي إلى انهيار شامل إذا استمر الدعم الغربي.

الهجمات الروسية والدفاع الأوكراني

يمكن أن يكون الدعم الغربي عاملاً حاسماً في قدرة أوكرانيا على الصمود أمام القدرات العسكرية الروسية في عام 2026. إذ تشير دراسة لمركز ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي "سبيري"، إلى أن شركات تصنيع السلاح الروسية زادت إيراداتها خلال العام الماضي رغم العقوبات الغربية، وأن شركتين رفعتا إجمالي إيراداتهما من الأسلحة بنسبة 23%، لتصل إلى نحو31.2  مليار دولار، وذلك مع استمرارهما في زيادة وتيرة الإنتاج لتلبية الطلبات المحلية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، توسّع القوات الروسية نطاق استخدام الطائرات المسيّرة، ما يتيح تنفيذ ضربات أعمق داخل الأراضي الأوكرانية، بحسب "معهد دراسة الحرب" (ISW) وجنود أوكرانيين قرب بوكروفسك تحدثوا لـ"الشرق".

وتشير هذه الاتجاهات مجتمعة، إلى أن أوكرانيا ينبغي أن تتوقع تصاعداً في الضربات الجوية خلال عام 2026، وهو تهديد يطال وحدات الخطوط الأمامية والمدنيين في العمق على حد سواء.

وكان العام الماضي الأصعب في تاريخ البنية التحتية للطاقة بأوكرانيا، بعدما شرعت روسيا في حملة لتدمير قدراتها.

وفي عام 2025 وحده، تعرّض قطاع الطاقة لأكثر من4 آلاف و500 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما ترك ملايين المدنيين يعانون انقطاعات متكررة في الكهرباء، وغالباً من دون تدفئة قبل الشتاء وخلاله. 

 

وتشكّل لامركزية قطاع الطاقة وحماية بنيته التحتية، إلى جانب إصلاح وزارة الطاقة، جزءاً من الحل، لكن مع دخول أوكرانيا الشهر الثاني من الشتاء، قد يكون الأوان قد فات.

أما الاستجابة العاجلة التي يمكن أن تنقذ أرواح المدنيين والعسكريين، فهي الدفاع الجوي، وهو أمر ناقشه زيلينسكي أيضاً مع ترمب في أحدث لقاء بينهما.

وقال زيلينسكي خلال تصريح لوسائل إعلام أوكرانية في 30 ديسمبر: "نحن بحاجة ماسة إلى صواريخ ناسامز (NASAMS) وصواريخ PAC-3 لمنظومات باتريوت. لا أريد التحدث علناً عن وضعنا الحالي، لكنني عرضته على الجانب الأميركي".

وبحسب ما يُتداول في كييف، فإن ترمب "وافق على المساعدة"، إلا أن أوكرانيا لا تزال بحاجة إلى الحصول على هذه الأنظمة عبر آلية التمويل العسكرية أطلقها "الناتو" لتأمين إمدادات أسلحة ومعدات أميركية الصنع لأوكرانيا، عبر الحلف، والتي تحمل اسم (Prioritized Ukrainian Requirements List) PURL، بدعم من حلفائها الأوروبيين.

الأزمة المالية والدعم الخارجي

كان عام 2025 عاماً قاسياً على أوكرانيا، إذ سحبت الولايات المتحدة ما يقرب من كامل دعمها. وفي ميزانية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) للعام التالي، حُدِّدت المساعدات العسكرية لأوكرانيا عند0.4 مليار دولار سنوياً فقط، وهو انخفاض حاد مقارنة بـ38.7 مليار يورو قُدِّمت بين يناير وأكتوبر 2024.

ويُضعف هذا التقليص القدرات الدفاعية لأوكرانيا، ويُساهم في ارتفاع الخسائر البشرية وفقدان الأراضي. 

وتدخل حلفاء شمال أوروبا وما يُعرف بـ"الخماسي الكبير" (بولندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة) لسدّ جزء من هذا العجز. 

وعلى الرغم أن "تحالف الراغبين"، الذي يضم 31 دولة تعهدت بتعزيز دعمها لأوكرانيا في مواجهة روسيا، إلا أنه لا يستطيع تعويض الدعم الأميركي بالكامل، لكن منصة Zn.ua تشير إلى أن التكتل مجتمعاً، يمكن أن يساهم في تعزيز دفاعات أوكرانيا. 

ووفقاً لوزير الدفاع الأوكراني دينيس شميهال، ستحتاج أوكرانيا إلى 120 مليار دولار للدفاع في عام 2026، ولن تتمكن من تغطية سوى نصف هذا المبلغ ذاتياً.

وأشار النائب أوليكساندر ميريجكو إلى أن الحرب أنهكت الاقتصاد الأوكراني. ومع استمرار روسيا في تدمير البنية التحتية المدنية وتسوية مدن الخطوط الأمامية بالأرض، فشل قادة الاتحاد الأوروبي في التوافق على استخدام الأصول الروسية المجمّدة التي كانت كييف تأمل الوصول إليها. 

وفي نهاية المطاف، تعهّد الاتحاد الأوروبي بتقديم 90 مليار يورو (105 مليارات دولار) على مدى العامين المقبلين لتغطية الاحتياجات المالية والعسكرية، على أن تُسدَّد من تعويضات روسية مستقبلية. 

غير أن هذه المساعدات مشروطة، وقد تُعلَّق إذا أخفقت كييف في الوفاء بتلك الشروط. ومن بينها بند "عدم التراجع" الهادف إلى تشجيع إصلاحات مكافحة الفساد، وهي إصلاحات تُعدّ أساسية لمسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك في أعقاب فضيحة فساد في قطاع الطاقة أدت إلى استقالات متعددة، من بينها استقالة أندريه يرماك، كبير مساعدي الرئيس زيلينسكي. 

ومن دون هذا الدعم، ستواجه أوكرانيا خطر خفض المعاشات التقاعدية، ورواتب موظفي القطاع العام، وأجور العسكريين.

المساعدات المالية من أكبر التحديات 

تُعدّ المساعدات المالية ثاني أكبر تحدٍّ يواجه أوكرانيا في عام 2026، وفقاً لماريا زولكينا، الخبيرة في الشؤون الأمنية والباحثة، التي تقول: "في أفضل الأحوال، يمكن لأوكرانيا أن تشعر بقدر نسبي من الأمان فقط حتى نحو النصف الأول من عام 2026. فبعد شهر مارس، يُتوقَّع عجز في الموازنة يبلغ نحو 60 مليار دولار".

 

وترى ماريا زولكينا، رئيسة برنامج دراسات الأمن الإقليمي والنزاعات بمؤسسة "المبادرات الديمقراطية"، أن قروض الاتحاد الأوروبي إجراءت مؤقتة، محذرة من أن حالة عدم اليقين بشأن التمويل ستستمر، وأن التزامات شركاء أوكرانياً "ليست بدافع الإيثار، بل لها ثمن".

وتابعت قائلة: "بحلول الربع الثاني من عام 2026، ستعود مسألة الأصول الروسية المجمّدة إلى الواجهة".

ويعتقد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني، أن مصادرة الأصول الروسية "يمكن أن تغطي عجز أوكرانيا لمدة تتراوح بين 5 و6 سنوات. فجميع الأسس القانونية متوافرة، وما ينقص هو الإرادة السياسية لدى دول مثل بلجيكا"، معتبراً أن المخاوف من الخسائر المحتملة مبالغ فيها.

وفي حين لا تزال استجابة أوروبا بطيئة وتفتقر إلى قيادة سياسية واضحة، ترى زولكينا أن هدفها ليس إنهاء الحرب، بل إطالة أمدها، أي إبقاء روسيا غارقة في أوكرانيا مع الاستعداد لمواجهات محتملة في المستقبل.

ويدعو ميريجكو إلى أن تعمل أوكرانيا على "ضمان ممارسة الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، ضغوطاً على روسيا وحلفائها"، بما في ذلك الصين والهند، "اللتين تشتريان النفط والغاز الروسيين وتموّلان حرب روسيا ضد أوكرانيا".

آفاق جديدة في الدبلوماسية

ذكرت زولكينا أن على أوكرانيا توسيع نطاق تحرّكها الدبلوماسي خارج أوروبا ليشمل دولاً "لم تتحوّل بعد إلى أعداء صريحين لكييف".

وأشارت إلى الصين ودول الخليج بوصفها شركاء محتملين يمكنهم الانخراط مع أوكرانيا على أسس اقتصادية، من دون السعي إلى التأثير في سياساتها الداخلية أو الخارجية.

وتوضح زولكينا: "مع الصين، هناك مجال للعمل انطلاقاً من حقيقة أن بكين، بخلاف إيران أو كوريا الشمالية، كانت، ولا تزال، حريصة على ألا تُسجَّل في التاريخ خلال هذه الحرب إلى جانب الشر".

ولاحظت أن "الصين تحاول الحفاظ على قنوات مع الشركاء الأوروبيين، أو على الأقل الإبقاء على شكل من أشكال الدبلوماسية، وأن تكون جزءاً من عملية التفاوض. ويمكن لأوكرانيا أن تمد يدها هنا، ولكن من دون توقعات عالية أو أوهام".

حرب البقاء

ويتفق ميريجكو مع هذا الرأي، مضيفاً أن على الدول العربية أيضاً أن تصطف إلى جانب أوكرانيا، محذّراً من أن إفلات روسيا من العقاب سيشكّل سابقة خطيرة، ويشجّع على العدوان في مناطق أخرى من الإقليم.

ومع ذلك، تبقى الأولوية القصوى لأوكرانيا في عام 2026، وهي تخوض حرب البقاء مع دخولها عامها الخامس، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمتانة الجبهة العسكرية والسياسية الداخلية. 

ويقول خبراء إن التحدي المركزي يتمثل في الحفاظ على خط الدفاع، في ظل تصاعد الضغوط من الولايات المتحدة.

مع ذلك، يعتبر ميريجكو أن على الأوكرانيين أن يأخذوا "أوهام ترمب في الحسبان، ولا سيما اعتقاده بإمكانية التوصل إلى صفقة مع بوتين. إنه وهم كبير، لكن لا يمكننا تجاهله. يجب أن نتحرك دبلوماسياً وبحكمة".

تصنيفات

قصص قد تهمك