
في سابقة تعكس تصاعد استخدام العدالة كأداة سياسية في العلاقات الدولية، تصدر اسم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الواجهة، مع تجدد الضغوط الأميركية الرامية إلى تقديمه للمحاكمة بتهم تتعلق بـ"المخدرات ومكافحة الإرهاب"، بعد اعتقاله من قصره الرئاسي في كاراكاس عبر عملية عسكرية معقدة.
الخطوة الأميركية الجديدة، لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من تدخلات الولايات المتحدة ضد قادة دول، انتهت في بعض الحالات باعتقالهم أو إسقاطهم أو محاصرتهم قانونياً، تحت ذرائع "مكافحة الجريمة"، أو "حماية الديمقراطية".
ولا تقف قضية مادورو عند حدود فنزويلا، بل تندرج ضمن سياق تاريخي أطول من التدخلات الأميركية ضد قادة وأنظمة اعتبرتها واشنطن أنها "خارجة عن دائرة مصالحها".
ويضيف القبض على مادورو، فنزويلا إلى قائمة الدول التي أطاحت فيها الولايات المتحدة مباشرةً بزعماء في السلطة أو تم خلعهم مؤخراً، ما يدل على نمط مستمر من التدخلات التي تجمع بين الضغط العسكري والقانوني والدبلوماسي. ومع وجود مادورو الآن في عهدة الولايات المتحدة، يتجه الاهتمام العالمي إلى التداعيات السياسية المحتملة على فنزويلا، والآثار الأوسع نطاقاً على الاستقرار الإقليمي.
ووصف نيك باتون والش، كبير مراسلي الأمن الدولي في شبكة CNN الأميركية، هذا التطور بأنه صادم تماماً". وأضاف: "لا أفكر سوى في مقارنته بالقبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين منذ أكثر من 20 عاماً تقريباً حتى الآن".
وتابع: "هذا بالتأكيد أقوى التدخلات العسكرية الخارجية في فترة رئاسة الرئيس دونالد ترمب... حتى الآن"، معرباً عن اعتقاده بأنه "يظهر حقاً، أن ترمب كان جاداً في رغبته في رؤية مادورو يرحل، وقد تمكّن، على ما يبدو، من تنفيذ ذلك في غضون ساعات من خلال لحظة عنيفة للغاية في سماء كاراكاس".
وأشار إلى أن مادورو "رئيس يحظى بمساعدة كبيرة من روسيا والصين، انتزعه الجيش الأميركي من عاصمته في منتصف الليل"، واصفاً تلك العملية بأنها "لحظة صادمة، تظهر مستوى الحرية التي يعمل بها الرئيس ترمب على الصعيد العالمي".
فمن مانويل نورييجا الذي انتهى به الأمر معتقلاً في سجون الولايات المتحدة بعد غزو بنما في عام 1989، إلى صدام حسين الذي اعتُقل إثر الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، تتكرر أنماط التدخل، بينما تبقى النتيجة "فرْض وقائع سياسية جديدة".
نيكولاس مادورو (فنزويلا)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن، السبت، أن القوات الأميركية شنت ضربة "ناجحة وواسعة النطاق" على فنزويلا، موضحاً أن الرئيس الفنزويلي وزوجته "تم القبض عليهما ونقلها جواً خارج البلاد".
وأشاد ترمب في تصريحات صحافية بـ"نجاح المهمة" التي استهدفت "القبض" على الرئيس الفنزويلي، قائلاً: "كان هناك الكثير من التخطيط الجيد، والكثير من القوات العظيمة، والأشخاص الرائعين".
ودفعت أجندات متداخلة لمسؤولين بارزين في الولايات المتحدة، نحو حشد عسكري متصاعد ضد فنزويلا، في إطار حملة ضغط تهدف إلى الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أو إضعافه، وسط تداخل مصالح النفط والمخدرات والهجرة.
في أغسطس الماضي، أعلنت وزارتا الخارجية والعدل في الولايات المتحدة، رفع مكافأة الإدلاء بمعلومات تؤدي إلى اعتقال و/أو إدانة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، بتهمة انتهاك قوانين المخدرات الأميركية، إلى 50 مليون دولار.
وجاء في بيان نشرته الخارجية الأميركية: "لأكثر من عقد، كان مادورو زعيماً لعصابة كارتل دي لوس سولس (Cártel de los Soles)، المسؤولة عن تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة. في 25 يوليو 2025، صنّفت وزارة الخزانة الأميركية كارتل دي لوس سولس كياناً إرهابياً عالمياً مُصنّفاً بشكل خاص".
وبعد مرور شهرين فقط، وقّع الرئيس دونالد ترمب، توجيهاً سرياً يأمر وزارة الحرب الأميركية "البنتاجون"، بتنفيذ عمليات عسكرية ضد عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية، مع تركيز خاص على الضربات البحرية.
أطلقت هذه الخطوة، حملة ضغط عسكرية متصاعدة تهدف إلى الإطاحة بمادورو من السلطة، شملت ضربات أميركية أودت بحياة ما لا يقل عن 105 أشخاص على متن قوارب في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، في إطار الحملة على "قوارب المخدرات".
كما شملت فرض حصار على ناقلات النفط الداخلة إلى الموانئ الفنزويلية والخارجة منها، بالإضافة إلى تهديدات من ترمب بتنفيذ ضربات برية داخل فنزويلا.
مع ذلك، شكك خبراء قانونيون في أن الولايات المتحدة ستواجه أي مساءلة ذات مغزى عن أفعالها في فنزويلا، حتى لو كانت غير قانونية نظراً لعدم وجود آليات إنفاذ في القانون الدولي.
وقال خبراء في القانون الدولي، إن إدارة ترمب خلطت بين المسائل القانونية من خلال الادعاء بأن العملية كانت مهمة إنفاذ قانون محددة، ومقدمة محتملة لسيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا في المدى الطويل.
ونقلت وكالة "رويترز" عن جيريمي بول، الأستاذ المتخصص في القانون الدستوري بجامعة "نورث إيسترن"، قوله: "لا يمكنك القول إن هذه العملية كانت لإنفاذ القانون ثم تستدير وتقول نحن الآن بحاجة إلى إدارة البلاد. هذا غير منطقي". وأضاف: "من الصعب أن نرى كيف يمكن لأي هيئة قانونية أن تفرض عواقب عملية على الإدارة (الأميركية)".
صدام حسين (العراق)
شغل صدام حسين منصب رئيس العراق في الفترة من عام 1979 حتى عام 2003، إذ صعد إلى السلطة عبر حزب البعث الاشتراكي، وبدأ مسيرته السياسية بعد الإطاحة بالنظام الملكي في العراق في عام 1958.
تميزت رئاسة صدام حسين للعراق بجهود تحديث اقتصادي واسع النطاق، كما شهدت فترة حكمه خوض العراق حرباً طويلة مع إيران بين عامَي 1980 و1988، وغزو الكويت في عام 1990، ما أدى إلى حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت) وما تلاها من عقوبات دولية.
وفي عام 2003 شنت الولايات المتحدة، بالاشتراك مع القوات البريطانية والأسترالية والبولندية، غزواً واسع النطاق على العراق، مدشنة بذلك واحدة من أكثر المواجهات العسكرية دموية في القرن الـ21، وقد شكّلت هذه الحرب إرث الرئيس الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، وغيّرت المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط.
وتم التعبير عن المبرر الرئيسي لحرب العراق من خلال قرار مشترك صادر عن الكونجرس يُعرف باسم "قرار العراق"، إذ كان هدف الولايات المتحدة هو "نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وإنهاء دعم صدام حسين للإرهاب، وتحرير الشعب العراقي"، بينما ثبت لاحقاً عدم امتلاك العراق لأي أسلحة دمار شامل.
وبحسب موقع Council on Foreign Relations، فقد فشلت المحاولة الأولية لإسقاط القيادة العراقية بالغارات الجوية، ما مهد الطريق لغزو بري.
وسرعان ما تمكنت القوات الأميركية والبريطانية وقوات التحالف الأخرى من التقدم على الجيش العراقي، وأعلن بوش نهاية العمليات القتالية الرئيسية في العراق من على متن حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن".
وبعد أسبوعين من تولّيه منصبه، وقّع بول بريمر الثالث، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق، أمراً بحلّ الجيش العراقي وأجهزة المخابرات، ما أدى إلى نشر مئات الآلاف من الرجال المدججين بالسلاح في الشوارع، وكان لهذا الأمر تداعيات طويلة الأمد.
ومع بدء تحوّل العنف إلى مقاومة منظمة للاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة، قتلت القوات الأميركية نجلَي صدام حسين، عدي وقصي، بعد اشتباكات في مدينة الموصل.
كما عثرت القوات الأميركية على صدام حسين في مخبأ صغير بالقرب من منزل طفولته في مدينة تكريت، إذ اعتبر المسؤولون العسكريون هذا القبض "نقطة تحوّل محتملة"، وأعربت واشنطن عن أملها في انحسار العنف المتصاعد.
وفي 30 ديسمبر من عام 2006 انتهت محاكمة صدام بالحكم عليه بالإعدام شنقاً.
جان برتران أريستيد (هايتي)
ترشح جان برتران أريستيد لرئاسة هايتي، بتشجيع من الحركة الجماهيرية المعروفة باسم "لافالاس"، إذ فاز في عام 1990 بأول انتخابات ديمقراطية حرة، وتولى منصبه في فبراير 1991.
وخلال فترة رئاسته، أطلق برنامجاً لمحو الأمية، وفكك النظام القمعي لرؤساء المناطق الريفية، وأشرف على انخفاض حاد في انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن إصلاحاته أغضبت الجيش والنخبة الهايتية، وفي 30 سبتمبر من 1991، أُطيح بأريستيد في انقلاب عسكري.
لكن في عام 1994 انهار نظام الانقلاب تحت ضغط الولايات المتحدة وتهديدها باستخدام القوة، وعاد أريستيد رئيساً بين عامَي 1994 و1996، ومن 2001 إلى 2004.
وبحسب مجلة Responsible Statecraft فقد وضعت حكومة الولايات المتحدة الرئيس الهايتي، جان برتران أريستيد، على متن طائرة أُرسلت من خليج جوانتانامو متجهة إلى جمهورية إفريقيا الوسطى بخطة طيران مضللة، إذ أتمّت هذه الرحلة انقلاباً أنهى عقداً من التقدم الديمقراطي الذي تحقق بشق الأنفس.
في الواقع، أعادت الولايات المتحدة أريستيد إلى السلطة قبل أن تُطيح به، ففي عام 1994، أطلق الرئيس بيل كلينتون عملية "استعادة الديمقراطية" لإعادة أريستيد من منفاه الذي فرضه الانقلاب العسكري في عام 1991.
وتنفي الحكومة الأميركية رسمياً وقوع انقلاب، وتزعم أنها "لم تجبر أريستيد على الفرار"، إلا أن انقلاب 29 فبراير 2004 نجح في إزاحة زعيم إقليمي رفض الانصياع لتوجيهات الولايات المتحدة.
ولم ترض واشنطن عن المسار الذي اتخذته الديمقراطية المستعادة في هايتي، إذ أعربت عن استيائها من تحدي الرئيس أريستيد للولايات المتحدة من خلال محاولته رفع الحد الأدنى للأجور للعمال الذين يخيطون ملابس الأميركيين، وتحديه لعقيدة "الحكومة الصغيرة" من خلال زيادة الاستثمار الحكومي في التعليم والرعاية الصحية، وتحدثه علناً ضد النظام الدولي الجائر.
مانويل نورييجا (بنما)
وعلى الرغم من أنه لم يكن رئيساً قط، إلا أن الجنرال مانويل نورييجا، شغل منصب الزعيم الفعلي لبنما بين عامَي 1983 و1989.
وكان حليفاً للولايات المتحدة، لكنه اعتُقل على يد القوات الأميركية في يناير من عام 1990، وسط مزاعم بتحويله بنما إلى "مركز لتهريب المخدرات"، بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية BBC، إذ قضى 20 عاماً في السجن بالولايات المتحدة، بعد إدانته بالتهم الموجهة إليه.
وبحسب ما أورده موقع إذاعة National Public Radio، فقد بدأت الولايات المتحدة بالتخطيط علناً للإطاحة به بعد أن تدخل نورييجا علناً في الانتخابات الرئاسية البنمية في عام 1989، حيث استولى على صناديق الاقتراع ونصب مرشحه المفضل.
وبعد فشل محاولة انقلاب مدعومة من الولايات المتحدة في أكتوبر 1989، اتخذ الرئيس آنذاك جورج بوش الأب، خطوة أكثر مباشرة قبل نهاية العام، ففي 20 ديسمبر 1989، واستناداً إلى لائحة الاتهام الموجهة إلى نورييجا بتهم الابتزاز وغسل الأموال والإتجار بالمخدرات، أطلقت الإدارة عملية "السبب العادل"، وهي قوة غزو قوامها أكثر من 20 ألف جندي بهدف الإطاحة به من السلطة.
ورغم أن نورييجا أنكر سبب النزاع، إلا أنه استسلم للولايات المتحدة في سفارة الفاتيكان بمدينة بنما، وذلك بعد أن قامت القوات الأميركية بتشغيل موسيقى الروك الصاخبة خارج المبنى أثناء محاولتها إخراجه.
وبعد أيام قليلة من بداية عام 1990، ألقت الولايات المتحدة القبض على نورييجا ونقلته إلى ميامي في انتظار محاكمته. وهناك، أُدين بتهم عدة، ورغم تخفيف عقوبته في الولايات المتحدة إلى 15 عاماً، إلا أن مدة سجنه لم تُخفف في نهاية المطاف، إذ أُدين أيضاً بجرائم في فرنسا وبنما، حيث توفي عن عمر يناهز 83 عاماً، وهو لا يزال رهن الاحتجاز على ذمة هذه الجرائم.
خوان أورلاندو هيرنانديز (هندوراس)
ومن الأمثلة الحديثة الأخرى على مواجهة قائد دولة أجنبية لإجراءات قانونية في الولايات المتحدة، هو رئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز. ففي فبراير 2022، ألقت القوات الأميركية والهندوراسية القبض على هيرنانديز في منزله في العاصمة تيجوسيجالبا، بعد فترة وجيزة من انتهاء ولايته الرئاسية.
وتم تسليمه لاحقاً إلى الولايات المتحدة للمحاكمة على خلفية اتهامات بالفساد والتورط في تجارة المخدرات. وفي يونيو 2022، حُكم على هيرنانديز بالسجن 45 عاماً في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عفواً عنه في 1 ديسمبر 2025، وهي خطوة أثارت انتقادات شديدة. وفي غضون أيام، أصدر كبير المدعين العامين في هندوراس، مذكرة توقيف دولية بحق هيرنانديز، ما أدى إلى تعميق الجدل القانوني والسياسي بعد إطلاق سراحه مباشرة.










