كشف تسارع التطورات داخل البيت الأبيض أن قرار التحرك العسكري في فنزويلا لم يكن وليد لحظة، بل جاء بعد أسابيع من الرهانات الفاشلة على تنحي الرئيس نيكولاس مادورو "طوعاً"، إذ وافق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على العملية قبل عيد الميلاد، وسط نقاشات متواصلة حول توقيت التنفيذ.
ونقلت شبكة CNN عن مسؤولين كبيرين في الإدارة الأميركية قولهما إن بعض المسؤولين في البيت الأبيض ظلوا، حتى الأسابيع الأخيرة، يأملون أن يتنحى مادورو "طوعاً"، رغم إعداد خطط لإزاحته.
وقال أحد المسؤولين إن "الإدارة كانت تعتقد، حتى مطلع ديسمبر، أنها بدأت ترى تصدعات في شبكة الدعم المحيطة بمادورو، غير أن هذا الاعتقاد تراجع مع مرور الوقت"، مضيفاً أن "التخطيط للعملية بدأ في منتصف ديسمبر".
"إنذار أخير"
وأشار مسؤول آخر إلى أن ترمب "شدد خلال اتصال هاتفي مع مادورو، في نوفمبر، على أن من مصلحته التنحي ومغادرة البلاد"، واصفاً المحادثة بأنها كانت "بمثابة إنذار أخير".
وذكر أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان من بين قلة من المسؤولين الأميركيين الذين شاركوا في ذلك الاتصال.
ووافق الرئيس الأميركي على الإجراءات العسكرية وإنفاذ القانون الأميركية في فنزويلا قبل أكثر من أسبوع، بحسب ما قاله مسؤولان أميركيان مطلعان على التخطيط لشبكة NBC NEWS.
وذكر المسؤولان أن الموافقة على الخطة جاءت قبل عيد الميلاد، وأن توقيت تنفيذ المهمة الفعلي كان يُناقش بشكل متواصل منذ ذلك الحين.
توجيه اتهامات جديدة
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة العدل الأميركية، السبت، الكشف عن لائحة اتهام جديدة بحق الرئيس الفنزويلي، إلى جانب زوجته سيليا فلوريس ونجله، وفق ما أفادت به شبكة CNN.
وبحسب لائحة الاتهام، اتهمت وزارة العدل مادورو وحلفاءه بتحويل مؤسسات الدولة في فنزويلا إلى "بؤرة للفساد المرتبط بتهريب المخدرات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية".
وجاء في نص لائحة الاتهام أن هذا الفساد "يملأ جيوب المسؤولين الفنزويليين وعائلاتهم، وفي الوقت نفسه يفيد إرهابيين مرتبطين بالمخدرات يمارسون نشاطهم دون رادع على الأراضي الفنزويلية، ويساهمون في إنتاج وحماية ونقل أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة".
وفي سياق متصل، ذكرت CNN أن لائحة الاتهام الجديدة جاءت بصيغة معدّلة في نيويورك، حيث كان الرئيس الفنزويلي قد وُجهت إليه اتهامات بالفعل عام 2020، وفقاً لمصدرين مطلعين على الملف.
وأوضحت الشبكة أن الاتهامات الأميركية ضد مادورو عُرضت للمرة الأولى في ثلاث لوائح اتهام عام 2020، اثنتان في نيويورك وواحدة في واشنطن، إضافة إلى شكوى جنائية قُدمت في ميامي.
وبحسب القضايا، شارك مادورو ومقربون منه في مؤامرة استمرت لعقود، قدموا خلالها حماية سياسية وعسكرية لما وُصفوا بـ"إرهابيين مرتبطين بالمخدرات"، مع "الاستيلاء على مليارات الدولارات من أموال البلاد".
ونقلت CNN عن جيفري بيرمان، الذي كان يشغل آنذاك منصب المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية في نيويورك، قوله إن مادورو "استخدم الكوكايين عمداً كسلاح، وكان يعتزم إغراق الولايات المتحدة بالكوكايين من أجل تقويض صحة ورفاه شعبنا".
كما قال المدعون إن مادورو قاد كارتال مسلح حتى مع صعوده إلى السلطة، مشيرين إلى توجيه اتهامات لأكثر من 12 شخصاً آخرين إلى جانبه، بينهم مسؤولون في الحكومة الفنزويلية وأجهزة الاستخبارات، إضافة إلى عناصر من جماعة القوات المسلحة الثورية.
القوة المطلقة
ورأت شبكة CNN أنه "لا توجد تعبيرات عن القوة المطلقة أكثر فجاجة من اختطاف رئيس دولة قائم من عاصمته في جنح الليل".
وأوضحت الشبكة أنه في منشور من 74 كلمة على وسائل التواصل الاجتماعي، "أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه قادر على التحرك بحسم وبصورة مفاجئة، وربما بتهور، في سبيل تحقيق أهداف سياسته الخارجية المتعددة والمتغيرة، مع قدر ضئيل من الاكتراث بالسوابق أو العواقب، أو على ما يبدو، بالقانون الدولي".
وذكرت CNN أن العملية التي أُخرج بموجبها نيكولاس مادورو وزوجته من موقعهما شديد الحراسة في كاراكاس، تمهيداً لمثولهما أمام القضاء الأميركي، تتماشى مع نمط متوقع، وإن كان متطرفاً، في تعامل الولايات المتحدة مع من تصفهم بـ"الفارين من العدالة"، خصوصاً مع رصد مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.
لكن ثمة استثناء خطير هنا، بحسب الشبكة الأميركية، وهو أن مادورو رئيس دولة، ودولته مستهدفة أصلاً بجملة من الأهداف السياسية الأميركية الجارية. ومهما ورد في لوائح الاتهام، فإن ما جرى سيظل يُنظر إليه بوصفه "تحرك سياسي".
فعلى مدى إدارات أميركية متعاقبة، سعت واشنطن إلى إزاحة النظام الفنزويلي ذي التوجه اليساري، والذي تصفه بـ"الاستبدادي والعنيف أحياناً"، سواء بذريعة مكافحة تهريب المخدرات أو بسبب النفط أو لأسباب تتعلق بإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية.
وخلال الولاية الثانية لترمب، جرى الترويج لإنهاء دور مادورو باعتباره "عراباً" لشبكة إقليمية واسعة لتهريب المخدرات، بوصف ذلك مبرراً رئيسياً للسياسة الأميركية. غير أن هذا الطرح اصطدم بمفارقة واضحة، إذ لا يمكن لمادورو أن يكون في آن واحد "زعيم شبكة إجرامية كبرى"، ورجلاً قادراً على التخلي عن السلطة ببساطة متى طلب منه ذلك.
كما أن الأدلة على أن مادورو كان في "قمة هرم تهريب المخدرات الإقليمي" لم تكن بالقوة التي كانت تأملها الإدارة الأميركية. صحيح أن فنزويلا سمحت بمرور المخدرات عبر مجالها الجوي وسواحلها، في ظل وجود كولومبيا، أكبر منتج عالمي للكوكايين، على حدودها، لكن عصابات المكسيك وكولومبيا كانت لاعبين أكبر، ومع ذلك بدت أقل استهدافاً من حيث التركيز العسكري الأميركي، بحسب CNN.
وفي صميم هذا التحرك، تكمن طموحات واشنطن الأوسع لإحكام سيطرتها على محيطها الإقليمي القريب، ضمن ما تصفه بإحياء محدث لـ "مبدأ مونرو" الذي اعتبر في عام 1823، أن نصف الكرة الغربي يقع في مجال النفوذ الأميركي، واقترحت إمكانية زيادة عدد القوات والقواعد والعمليات العسكرية في نصف الكرة الغربي، مع تغيير في آلية نشر القوات المسلحة الأميركية عالمياً للتصدي لـ"التهديدات العاجلة" في المنطقة.











