
حذرت جمعيات الصحة الألمانية، من أن تصاعد الخطاب المعادي للسوريين، يُنذر بتفاقم نقص الكوادر الطبية في المستشفيات والعيادات ودور الرعاية في أكبر دول الاتحاد الأوروبي، حسب ما ذكرت صحيفة "فاينانشيال تايمز".
ويشكل السوريون أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب العاملين في ألمانيا، حيث يمثلون 16% من إجمالي عدد الأطباء، وفق الجمعية الطبية الألمانية.
لكن الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، أثارت جدلاً سياسياً حاداً حول استمرار وجودهم في ألمانيا، التي تضم أكبر جالية سورية في أوروبا.
وصرح المستشار فريدريش ميرتس، الذي يتعرض لضغوط من حزب البديل من أجل ألمانيا AfD اليميني المتطرف، لاتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الهجرة، في نوفمبر الماضي بأنه "لا توجد أسباب" لاستمرار منح اللجوء للسوريين في ألمانيا. وأضاف: "لم تعد هناك حرب أهلية".
وأعرب ميرتس عن أمله في عودة العديد من السوريين طواعيةً للمساهمة في إعادة بناء بلادهم، لكنه لم يستبعد إمكانية الترحيل.
وقد أثار هذا الأمر قلق الجمعيات الصحية، بما فيها الجمعية الطبية الألمانية، التي صرّحت لصحيفة "فاينانشيال تايمز"، بأن "العديد من العيادات ستواجه اختناقات حادة" في حال غياب الأطباء السوريين.
توجه نحو الهجرة
وهناك بالفعل اتجاه متزايد لهجرة الأطباء من البلاد، حيث بلغ عدد المهاجرين 2197 شخصاً في عام 2024، وفق بيانات الجمعية. وكان 41% منهم من غير حاملي الجنسية الألمانية.
ويواجه قطاع الرعاية الصحية نقصاً حاداً في العمالة الماهرة، وسيحتاج إلى توظيف ما لا يقل عن 280 ألف موظف إضافي بحلول عام 2049.
وقالت إيزابيل هاليتز، المديرة التنفيذية لرابطة أصحاب العمل في مجال التمريض، إن هجرة السوريين من هذا القطاع "ستكون ضربة قوية لتأمين العمالة الماهرة في المستقبل".
ومع شيخوخة سكان ألمانيا، حذّرت من أن فقدان العمال السوريين سيؤدي إلى إهمال المحتاجين. وأضافت: "نفترض أن الناس سيُتركون حينها دون رعاية أو سيضطرون للانتظار لأسابيع أو شهور".
وأصبحت ألمانيا أكبر دولة أوروبية تستضيف اللاجئين السوريين بعد أن فتحت المستشارة آنذاك، أنجيلا ميركل، أبوابها أمام نحو مليون طالب لجوء عام 2015.
واليوم، يعيش في البلاد نحو 972 ألف مواطن سوري، منهم حوالي 712 ألف طالب لجوء، وفقاً لأحدث الإحصاءات الرسمية لعام 2023.
وقد ساهم وجودهم في تعزيز الدعم المتزايد لحزب البديل من أجل ألمانيا AfD، المناهض للهجرة، والذي حلّ ثانياً في الانتخابات البرلمانية لعام 2025 بنسبة قياسية بلغت 21% من الأصوات. وقد استغل الحزب الهجمات الدامية التي نفذها مهاجرون، من بينهم سوريون، وانتقد النسبة العالية للاجئين الذين يطالبون بالمساعدات الاجتماعية.
مساهمة "حاسمة"
وتلقى نحو 55% من المواطنين السوريين المقيمين في ألمانيا، مساعدات اجتماعية في عام 2024، بانخفاض عن أكثر من 80% في عام 2018. وفي مايو الماضي، كان نحو 300 ألف سوري يعملون.
ووفق المعهد الاقتصادي الألماني IW في كولونيا، يعمل أكثر من 80 ألف سوري في قطاعات تعاني من نقص في الكوادر، في ظلّ مواجهة البلاد لتحديات الشيخوخة السكانية وتقلص القوى العاملة. ومن المتوقع أن تصل نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 67 عاماً إلى ربع السكان بحلول عام 2035.
وقالت ليديا مالين، كبيرة الاقتصاديين في المعهد الاقتصادي الألماني، إن مساهمة السوريين في "المجتمع ككل" تُعدّ جزءاً "حاسماً" من التحديات الديموجرافية. وأضافت أن السوريين يعملون في قطاعات الخدمات التي ستكون هناك حاجة ماسة إليها في المستقبل لـ"رعاية آبائنا أو أطفالنا".
وأشارت مالين، إلى أن حوالي ثُلث مليون سوري في ألمانيا هم أطفال في المدارس، مضيفةً: "إذا أعدنا جميع النساء والقاصرين الموجودين في البلاد إلى أوطانهم الآن لأنهم لا يستطيعون إعالة أنفسهم، فسنفقد تحديداً الإمكانات التي سنحتاجها خلال 10 أو 15 عاماً".
ولا تقتصر هذه المعوقات على قطاع الرعاية الصحية فقط. يُشكّل العمال السوريون أكبر فئة من بين المتدربين على العمل في المهن الحرفية، كالبناء والكهرباء والتنظيف، ممن لا يحملون جواز سفر ألماني، بنسبة 17%، وفق بيانات الاتحاد الألماني للحرف الماهرة والشركات الصغيرة ZDH.
وقال كارل سيباستيان شولته، المدير الإداري للاتحاد: "بالنظر إلى التوجه الديموجرافي المتمثل في انخفاض عدد الشباب الملتحقين بسوق العمل سنوياً، فإن هذه الإمكانات تكتسب أهمية بالغة في المهن الحرفية".
رهانات سياسية
وقد أثار وزير الخارجية يوهان فاديفول، الجدل الأخير حول مستقبل السوريين في ألمانيا، وذلك عقب زيارته لسوريا في أكتوبر الماضي. فخلال جولته في حرستا، وهي بلدة قرب دمشق، صرّح قائلاً: "يكاد يكون من المستحيل على أي شخص أن يعيش حياة كريمة هنا"، مما أثار الشكوك حول إمكانية عودة اللاجئين.
وأثارت هذه التصريحات قلقاً داخل حزب الديمقراطيين المسيحيين بزعامة ميرتس، الذي ينتمي إليه فادفول، إذ يسعى الحزب إلى تبني موقف أكثر صرامة تجاه الهجرة لمواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا AfD. وفي نهاية المطاف، اختار المستشار أن يناقض وزيره علناً، مصراً على أنه لا توجد أسباب تمنع السوريين من العودة إلى ديارهم.
ووفقاً لبيانات رسمية، يحمل نحو 88% من اللاجئين السوريين تصاريح إقامة إنسانية، تمنحهم وضعاً قانونياً محمياً. وصرح توماس أوبرهاوزر، رئيس لجنة قانون الهجرة في نقابة المحامين الألمانية، بأنه لا يمكن ترحيلهم بسهولة إلا بعد استيفاء شروط العودة الآمنة.
وأضاف أوبرهاوزر: "من المحزن أن يُطلب من الكثيرين ممن اندمجوا جيداً في المجتمع المغادرة، رغم أن الأمر لا يسير بهذه البساطة عملياً. فالأمر معقد للغاية من الناحية القانونية، ومن وجهة نظر سياسة الاندماج، فهو أمرٌ غير منطقي".
في غضون ذلك، خفف ميرتس من حدة موقفه، مصرحاً في ديسمبر الماضي: "نحن بحاجة إلى الهجرة لقطاع الطب بأكمله، وقطاع التمريض، ومجالات أخرى". لكنه شدد على أن "من يرغب في العيش في بلدنا عليه الالتزام بالقوانين، وإلا فعليه المغادرة".
خطة بديلة
ومع ذلك، دفعت حدة النقاش السياسي، بعض السوريين ذوي الكفاءات العالية، إلى إعادة النظر في قرار البقاء في ألمانيا.
لينا البرازي، طبيبة عامة في بلدة بفاركيرشن البافارية الصغيرة، فرّت من دمشق في عام 2014. تحمل جواز سفر ألماني وتشعر "بالانتماء" في البلاد. لكنها قالت إنها ستفكر في المغادرة "قريباً" إذا "تفاقم الوضع أكثر".
وقالت: "لا أريد لابنتي، التي وُلدت هنا ولا تعرف الآن إلا ألمانيا، أن تتعرض للتمييز في المدرسة أو الروضة". وأشارت إلى أن العديد من زملائها قد انتقلوا بالفعل أو يخططون لذلك، "إما عائدين إلى سوريا، أو إلى كندا أو السعودية".
وقال زكريا حووط، كبير أطباء الأعصاب ورئيس الجمعية الطبية السورية الألمانية: "نحن نناضل الآن لجعل ألمانيا أفضل... ولكن لكل شيء حدود". وأضاف: "إذا وصلنا إلى مرحلة لا نستطيع فيها تغيير الأمور، فحينها يمكننا توجيه جهودنا نحو مشاريع أخرى في بلدان أخرى".













