
استمرت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران مساء الجمعة، لليوم الثاني على التوالي من التظاهرات الليلية التي عمّت أنحاء البلاد، رغم انقطاع الإنترنت وتهديدات القيادة الإيرانية، بينما دخل الجيش الإيراني على خط الأزمة، إذ حث الإيرانيين على اليقظة لـ"إحباط مخططات العدو"، متعهداً بـ"حماية المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة بالبلاد"، حسبما ورد في بيان، صباح السبت.
وأضاف الجيش في البيان، الذي نقلته وكالات أنباء إيرانية شبه رسمية، أنه "تحت قيادة" المرشد الإيراني علي خامنئي "سيواجه أي مؤامرة"، معتبراً أن "الاحتجاجات من صنع العدو"، متهماً إسرائيل بتأجيج الاحتجاجات و"محاولة زعزعة استقرار البلاد" عبر "إشعال فتنة جديدة" بعد حرب الـ12 يوماً في يونيو الماضي.
وطالب الجيش الإيراني، الشعب بـ"الحفاظ على اليقظة والذكاء الوطني، وإفشال مؤامرات العدو، والعمل، في ظل الوحدة والتماسك الوطني، على إحباط العدو ومنعه من تحقيق أهدافه الخبيثة"، حسبما ورد في البيان.
الحرس الثوري الإيراني، بدوره، اتهم من وصفه بـ"العدو" بـ"تحويل الاحتجاجات المحقة لبعض أصحاب المهن والشرائح"، إلى "فوضى مسلحة"، منتقداً، وفق البيان الذي نقلته وكالة أنباء "تسنيم" المقربة منه، السبت، ما وصفه بـ"التدخل الوقح" للرئيس الأميركي دونالد ترمب، و"المسؤولين الصهاينة" في "دعم مثيري الشغب، وتفعيل المجموعات الإرهابية والتحركات العسكرية للعدو، فيما وراء حدود إيران".
وشدد البيان، على أن "الحفاظ على مكتسبات ثورة 1979 وأمن البلاد، خط أحمر".
بدأت أحدث موجة من الاضطرابات التي اجتاحت إيران في 28 ديسمبر الماضي، عندما احتجّ تجار في البازار الرئيسي لطهران على فشل الحكومة في إدارة أزمة العملة، والتي أدت إلى ارتفاع هائل في التضخم، ما جعل كثيراً من بين نحو 90 مليون مواطن، غير قادرين على شراء حتى السلع الأساسية.
ومنذ ذلك الحين، امتدت الاحتجاجات إلى جميع أنحاء البلاد.
وكانت احتجاجات مساء الجمعة، واسعة النطاق، إذ اندلعت في مدن مشهد، وتبريز، وأرومية، وأصفهان، وكرج، ويزد، وهمدان، وغيرها، وفقاً لشهادات شهود ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من انقطاع خدمات الإنترنت والاتصالات الدولية في البلاد.
وفي كل حالة، أظهرت المقاطع مجموعات كبيرة تهتف متحدّية بإنهاء ما يقرب من خمسين عاماً من حكم الجمهورية الإسلامية، وسط مشاهد أضاءتها نيران مشتعلة وحاويات قمامة محترقة. وهتف المتظاهرون في المقاطع "الموت للديكتاتور" و"عاش الشاه".
كما أظهرت مقاطع فيديو قصيرة نشرها ناشطون متظاهرين يهتفون ضد الحكومة حول نيران مشتعلة وسط شوارع مليئة بالحطام في طهران ومناطق أخرى، مساء الجمعة، حسبما نقلت وكالة "أسوشيتد برس".
وأظهر مقطع فيديو حريقاً في أحد الشوارع بمنطقة سعادت آباد شمال طهران، مع ما بدا أنه آلاف الأشخاص في الشوارع.
ومع ذلك، قال متظاهرون إن أعداد قوات الأمن أقل هذه المرة مقارنة باحتجاجات سابقة، ما قد يكون مؤشراً على أن النظام الإيراني لا يريد إثارة مزيد من الغضب، بحسب "بلومبرغ".
وقالت وكالة أنباء حقوق الإنسان، ومقرها الولايات المتحدة، إن أعمال العنف المصاحبة للتظاهرات، أودت بحياة ما لا يقل عن 65 ضحية حتى الآن، واعتقال أكثر من 2300 آخرين.
ويأتي ارتفاع عدد الضحايا، وسط تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بضرب إيران، إذا استخدمت السلطات "العنف المفرط" تجاه المتظاهرين.
ضغوط وتهديدات واشنطن
وقال الرئيس الأميركي، مساء الجمعة، إن أي ضربة محتملة "لن تعني إرسال قوات برية، بل تعني ضربهم بقوة شديدة في المكان الذي يؤلمهم".
وأضاف ترمب في تصريحات من البيت الأبيض، أن "إيران في ورطة كبيرة.. يبدو لي أن الناس بدأوا يسيطرون على مدن معينة لم يكن أحد يعتقد أنها ممكنة قبل أسابيع قليلة". وتابع: "أقول للقادة الإيرانيين: إياكم أن تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً".
كما عبر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، السبت، عن دعم الولايات المتحدة للشعب الإيراني، وكتب على منصة "إكس"، أن "الولايات المتحدة تدعم الشعب الإيراني الشجاع".
ورد المرشد الإيراني علي خامنئي على التهديدات الأميركية، الجمعة، معتبراً أن أيدي ترمب "ملطختان بدماء الإيرانيين"، فيما كان أنصاره يهتفون "الموت لأميركا"، في لقطات بثها التلفزيون الرسمي الإيراني.
وقال خامنئي، البالغ 86 عاماً أمام أنصاره: "إنهم يخرّبون شوارعهم بأيديهم.. من أجل إرضاء رئيس الولايات المتحدة.. لأنه قال إنه سيأتي لمساعدتهم". وأضاف: "عليه أن يهتم بحال بلده أولاً".
وتعهّد رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي، بأن العقوبات بحق المتظاهرين "ستكون حاسمة، قصوى، ومن دون أي تساهل قانوني".
وعلى التلفزيون الرسمي، حذّر مذيع من أن المتظاهرين قد يعرّضون حياتهم للخطر بالنزول إلى الشوارع. وقال: "يجب على الآباء الليلة منع أبنائهم من الخروج. إذا حدث شيء، إذا أُصيب أحد، إذا أُطلقت رصاصة وأصابته، فلا تشتكوا".
رسائل تحذير للمتظاهرين
وانقطعت جميع أشكال الاتصال بشكل كبير، الجمعة، مع توقف الإنترنت، والمكالمات الهاتفية من الخارج، وتعطل خدمات الهاتف المحمول داخل البلاد، بحسب خبراء في الأمن السيبراني يراقبون الوضع في إيران.
وحتى مواقع وكالات الأنباء الإيرانية، مثل وكالة الأنباء الرسمية "إرنا"، توقفت عن العمل. وكانت "فارس نيوز" ووكالة "مهر"، المرتبطتان بالحرس الثوري، من بين قلة من وسائل الإعلام المحلية التي واصلت نشر التحديثات.
وفي وقت متأخر من مساء الجمعة، تلقّى الإيرانيون رسالة نصية من جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري تطلب الإبلاغ عن "الأشخاص المشبوهين والمخرّبين" عبر خط ساخن، حسبما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.
وجاء في الرسالة أيضاً أن أعداء إيران لديهم "خطة لتصعيد العنف"، وطالبت الآباء بمنع أبنائهم من النزول إلى الشوارع. واختتمت الرسالة بـ"علّموا أبناءكم أن عواقب التعاون مع عملاء إرهابيين تُعد خيانة للوطن".
وقال الحرس الثوري في بيان نقلته وكالة "تسنيم" شبه الرسمية، إن "استمرار هذا الوضع غير مقبول، ودماء ضحايا الحوادث الإرهابية الأخيرة في أعناق من صمموها".
كما حمّل السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، الجمعة، الولايات المتحدة، المسؤولية عن "تحوّل الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف هدامة وتخريبية واسعة النطاق".
وكتب إيرواني، في رسالة اطلعت عليها "رويترز"، أن إيران تندد "بالسلوك المستمر وغير القانوني وغير المسؤول للولايات المتحدة، بالتنسيق مع النظام الإسرائيلي، في التدخل في الشؤون الداخلية لإيران عبر التهديدات والتحريض والتشجيع المتعمد على زعزعة الاستقرار والعنف".
واتهم إيرواني واشنطن باللجوء إلى "ممارسات مُزعزعة للاستقرار" تقوض ميثاق الأمم المتحدة التأسيسي وتنتهك المبادئ الأساسية للقانون الدولي وتهدد أسس السلم والأمن الدوليين.
أزمة اقتصادية وتضخم حاد
وجاء رد الحكومة الإيرانية على الاحتجاجات المنددة بتدهور الأوضاع المعيشية، في صورة منحة نقدية شهرية بقيمة 7 دولارات (الدولار يعادل 1.4 مليون ريال إيراني)، مع وعد بـ"كبح الاحتكار واستغلال نظام سعر الصرف". لكن كثيرين يرون في ذلك جهداً هزيلاً أمام حجم الأزمات المتراكمة.
ونقلت "بلومبرغ" عن سعيد ليلاز، المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي، قوله: "يبدو وكأنه لا توجد حكومة تعمل، وكأن كل شيء تُرك للمصير والأحداث، ولا توجد عملية صنع قرار حقيقية".
وتصاعدت الأزمة الاقتصادية في إيران، مع تراجع صادرات النفط بشكل حاد خلال العقد الماضي بسبب العقوبات الأميركية، كما انهارت العملة إلى مستويات قياسية، وأصبحت البلاد في أمسّ الحاجة إلى استثمارات في البنية التحتية الحيوية.
وفي يونيو الماضي، ارتفعت أسعار السلع المنزلية الأساسية على أساس سنوي، مثل الدجاج والخبز، بنسبة 53% في المتوسط، وفقاً لمركز الإحصاء الإيراني.
وفي الشهر الذي أعقب الهجمات الإسرائيلية على إيران، ارتفعت أسعار المواد الأساسية مثل الأرز وحليب الأطفال المجفف ومنتجات الألبان بنسبة تراوحت بين 10% و30%، بحسب بيان للمركز في يوليو الماضي.
وذكرت "بلومبرغ"، أن 20 مليون أسرة إيرانية أصبحت تعاني الفقر خلال السنوات الخمس الماضية.
وقد تفاقمت المشكلات الاقتصادية في الأشهر الأخيرة بسبب أزمة مياه ناجمة عن سوء الإدارة، والنمو الصناعي غير المنضبط، واستنزاف المياه الجوفية.
كما أصبحت الانقطاعات المبرمجة للكهرباء أمراً طبيعياً، في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم.
وفي مواجهة هذا الكم من التحديات، بات المسؤولون أكثر صراحة بشأن حدود قدرتهم.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان خلال اجتماع لمجلس الوزراء في يوليو: "نحن عالقون، وعالقون بشكل سيئ، منذ اليوم الأول، لم يكن هناك سوى كارثة تلو الأخرى، ولا يبدو أنها ستتوقف".
وفي الأيام الأخيرة، حاول بيزشكيان اعتماد نبرة متعاطفة، داعياً قوات الأمن إلى عدم استهداف "المتظاهرين السلميين". وقال في الأيام الأولى للاحتجاجات إن الناس محقون في غضبهم من الوضع الاقتصادي.
ظهور نادر لنجل شاه إيران السابق
وفي مؤشر على اتساع نطاق الغضب، برز اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع في عام 1979 والمقيم في المنفى.
وقال بهلوي، الجمعة، موجهاً خطابه إلى المرشد الإيراني: "رسالة الشعب الإيراني واضحة، ارفع يدك عن هذا البلد وارحل، يمكنك أن تعيش إلى جانب بشار الأسد في موسكو".
ووجه بهلوي رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها، إن "خامنئي هدد بقمع المتظاهرين"، مطالباً بتدخل واشنطن.
وخلال الاحتجاجات، هتف العديد من المتظاهرين باسم الشاه، إذ ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن مقطع فيديو تحققت منه شركة "ستوريفول"، يظهر متظاهرين داخل مركز تسوق في طهران وهم يهتفون "عاش الشاه". وفي مسيرة أخرى في مكان مختلف من العاصمة، هتف آلاف المتظاهرين: "هذه هي المعركة الأخيرة.. بهلوي سيعود". ويُعد بروز اسم رضا بهلوي، البالغ من العمر 65 عاماً، خروجاً عن أنماط الاحتجاجات السابقة، حيث نادراً ما كان اسمه يذكر.
وكان والده، الذي حكم إيران منذ أربعينيات القرن الماضي، غير محبوب على نطاق واسع داخل البلاد بسبب حكمه الاستبدادي، وقمعه السياسي.
ولا يعتقد سوى قلة من المحللين أن لبهلوي مساراً حقيقياً للعودة إلى العرش أو لتولي القيادة في إيران، وأن ذكر اسمه يعكس تصاعد السخط على النظام أكثر مما يعكس رغبة حقيقية لدى الإيرانيين في عودة نظام الشاه.
كما أن علاقات رضا بهلوي مع إسرائيل، أثار انتقادات في السابق، ولا سيما بعد حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل على إيران في يونيو الماضي.
ووفق "أسوشيتد برس"، فإن هتافات المتظاهرين للشاه في بعض الاحتجاجات، من غير الواضح ما إذا كان ذلك دعماً مباشراً لرضا بهلوي نفسه، أم تعبيراً عن الحنين إلى ما قبل ثورة 1979.








