كندا والصين تطلقان شراكة استراتيجية جديدة | الشرق للأخبار

بعد زيارة كارني لبكين.. كندا والصين تطلقان "شراكة استراتيجية جديدة"

أوتاوا تتجه لفك الارتباط مع واشنطن.. وتطمح إلى موقع في "النظام العالمي الجديد"

time reading iconدقائق القراءة - 12
الرئيس الصيني شي جين بينج يستقبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في بكين، الصين، 16 يناير 2026. - REUTERS
الرئيس الصيني شي جين بينج يستقبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في بكين، الصين، 16 يناير 2026. - REUTERS
بكين -شين شيوي

بعد ما يقرب من عقد من الزمن من التنافر في العلاقات بين الصين وكندا، شرعت بكين وأوتاوا في شراكة استراتيجية جديدة، نتيجة للزيارة الرسمية، التي قام بها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصين، واستمرت 4 أيام، مدفوعاً بـ"الصعوبات مع الجار الجنوبي"، أي الولايات المتحدة، وفق قول دبلوماسي كندي لـ"الشرق".

ولم تسفر زيارة كارني عن اتفاقات تعاون ملموسة بقيمة مليارات الدولارات فحسب، بل أشارت أيضاً إلى تحول "حاسم" في سياسة كندا تجاه الصين، ولا سيما في ظل السياسات الأميركية "غير المتوقعة"، وشكّلت نوعاً من فك الارتباط بين السياسات التجارية والجمركية الكندية مع الولايات المتحدة. ولم يتوانَ رئيس الوزراء الكندي عن الجهر بطموح بلاده في أن تكون "في موقع جيد في النظام العالمي الجديد".

وفي مؤتمر صحافي عُقد ببكين، بعد اجتماعه مع الرئيس شي جين بينج، قيّم كارني الصين بوصفها شريكاً "أكثر قابلية للتنبؤ" في الأشهر الأخيرة. وذلك رداً على سؤال عمّا إذا كان من العادل القول إن بكين أصبحت شريكاً أكثر قابلية للتنبؤ، وربما أكثر موثوقية من الولايات المتحدة في الوقت الحالي.

وأشار إلى أن التقدّم في العلاقات مع الصين كان واضحاً، وأن النتائج بدأت تظهر، مع التأكيد على أن العلاقات مع الولايات المتحدة "أعمق وأوسع تاريخياً"، لكنها لم تكن بالقدر نفسه من القابلية للتنبؤ في الآونة الأخيرة مقارنة بالتحسن الذي شهده التعاون مع الصين.

نقطة تحول بعد سنوات من التوترات

وأشاد الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الكندي، الخميس، بعزم الجانبين على إقامة شراكة استراتيجية صينية-كندية جديدة، وذلك خلال اجتماع رسمي عُقد في قاعة الشعب الكبرى في بكين.

وينظر بعض المحللين إلى زيارة كارني على نطاق واسع باعتبارها فرصة لكندا لإصلاح العلاقات مع الصين، من خلال التخلي عن سياسات حكومة سلفه جاستن ترودو التي كانت تهدف إلى احتواء الصين بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، وبالتالي يأتي هذا التطور في سياق المضي قدماً في العلاقات الثنائية بين البلدين، التي عانت من انتكاسات شديدة خلال السنوات الماضية.

وشكّل اعتقال المديرة المالية لشركة "هواوي" في كندا عام 2018، بناءً على طلب الولايات المتحدة، إلى حدّ ما، بداية تحول هذه العلاقة إلى طابع "تصادمي"، ما جعل العلاقات الصينية-الكندية "متوترة للغاية".

وتخلل هذه المرحلة حدوث احتكاكات تجارية، تحديداً في عام 2024، تمثلت في فرض كندا رسوماً جمركية على السيارات الكهربائية والمعادن الصينية، تلتها إجراءات مضادة من جانب الصين.

"الصعوبات مع الجار الجنوبي" فرضت الزيارة

سفير كندا السابق في الصين، جاي سان-جاك، قال في حديث لـ"الشرق" إن "زيارة كارني إلى الصين مدفوعة بإحساس بالحاجة المُلحة لها. وهذا الإلحاح نابع من الصعوبات التي نواجهها مع جارنا إلى الجنوب"، في إشارة إلى الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون أن حالة عدم اليقين المستمرة مع الولايات المتحدة، قد تؤدي إلى تحول كبير في سياسة كندا تجاه الصين، التي يمكن أن تُصبح أكبر شريك تجاري لها.

وكان قد وُضع الأساس لهذه الزيارة في أكتوبر الماضي، عندما عقد كارني اجتماعاً جيداً مع الرئيس الصيني، على هامش اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا-المحيط الهادئ (أبيك) في جيونجو بكوريا الجنوبية.

واعتبر تسوي هونج جيان، أستاذ في أكاديمية دراسات الدول والمناطق بجامعة بكين للدراسات الأجنبية، أن موقف كارني "يعكس إعادة النظر بشكل أوسع نطاقاً في أوتاوا" للعلاقات مع الصين، اكتسبت زخماً "بفعل التوترات مع إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب، الأمر الذي دفع كندا إلى السعي وراء شراكات دبلوماسية واقتصادية أكثر تنوعاً".

وأضاف هونج جيان، في حديث لـ"الشرق"، أن "تصميم كارني على إعادة ضبط العلاقات مع الصين يمكن ملاحظته من خلال تركيبة الوفد الرفيع المستوى المرافق له".

وضم الوفد مجموعة من كبار وزراء الحكومة، وهم وزيرة الخارجية أنيتا أناند، ووزيرة الصناعة ميلاني جولي، ووزير الزراعة والأغذية الزراعية هيث ماكدونالد، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية تيم هودجسون، ووزير التجارة الدولية مانيندر سيدهو.

وكما قال كارني، الجمعة، إن العالم قد تغيّر في السنوات الأخيرة، وإن التقدم المحرز مع الصين يضع كندا "في موقع جيد في النظام العالمي الجديد".

صفقات تفوق التوقعات

منذ توليه المنصب في عام 2025، انتهج كارني سياسة نشطة في السعي إلى شركاء تجاريين من خارج الولايات المتحدة، وتعهد بزيادة الصادرات إلى الصين بنسبة 50% بحلول عام 2030.

وفي منشور عبر منصة "إكس"، قال كارني: "لقد أمنّا اتفاقية تجارية جديدة مع الصين، ما يفتح أسواق تصدير تتجاوز قيمتها 7 مليارات دولار لصالح العمال والشركات الكندية".

وتُعدّ الصين منذ فترة طويلة ثاني أكبر شريك تجاري لكندا، بعد الولايات المتحدة، إذ بلغ إجمالي حجم التجارة السلعية الثنائية 118.9 مليار دولار في عام 2024. وبلغت صادرات كندا السلعية إلى الصين 30 مليار دولار، في حين وصلت وارداتها السلعية إلى 88.9 مليار دولار.

وتُظهر بيانات مجلس الأعمال الكندي–الصيني أن الصادرات والاستثمارات والهجرة المرتبطة بالصين تسهم بأكثر من 55 مليار دولار كندي سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي، وتدعم نحو 366 ألف وظيفة، ما يبرز دور الصين باعتبارها محرك نمو لا يمكن الاستغناء عنه في التنمية الاقتصادية الكندية.

وفقاً للإحصاءات الكندي الرسمية، أميركا كانت منذ فترة طويلة أهم وأكبر شريك تجاري من حيث تجارة السلع. ففي عام 2024، تجاوزت القيمة الإجمالية للصادرات والواردات بين كندا والولايات المتحدة تريليون دولار كندي (أي ما يُعادل نحو 720 مليون دولار أميركي)، ما يعكس حجم التجارة السلعية المشتركة. كما كانت واشنطن وجهة حوالي 75.9% من إجمالي صادرات كندا، بينما شكّلت السلع الأميركية نحو 62.2% من وارداتها في ذلك العام.

وخلال الزيارة، وقّع البلدان أيضاً اتفاقيات عدة في مجالات التنسيق الاقتصادي الكلي، والتعاون الاقتصادي والتجاري، والطاقة، والتمويل، والأمن والسلامة العامة، والتواصل بين الشعوب والتبادلات الثقافية، فضلاً عن التعددية.

ومن أبرز هذه الاتفاقيات "خريطة طريق التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وكندا"، وقرار إعادة تنشيط "الحوار الاستراتيجي الاقتصادي والمالي الرفيع المستوى بين البلدين"، بالإضافة إلى اتفاقية لمبادلة العملات بقيمة 28.5 مليار دولار أميركي بين البنكين المركزيين في البلدين، تهدف إلى تسهيل التجارة والاستثمار الثنائيين.

اعتقال مادورو والتأثير على قطاع الطاقة 

في أعقاب اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفرض سيطرتها على صناعة النفط في بلاده، تواجه كندا مخاطر متزايدة على القطاع نفسه لديها. لذلك، برز تعزيز التعاون في مجال الطاقة كأحد المحاور الرئيسية لزيارة كارني إلى الصين، مدفوعاً بحاجة كندا إلى تنويع أسواق تصديرها في ظل التوترات الجيوسياسية.

وتوقع البروفيسور وانج قواننج، وهو خبير استشاري في اللجنة الوطنية للطاقة التابعة لإدارة الطاقة الوطنية الصينية، في حديثه لـ"الشرق"، أنه إذا استؤنفت صادرات النفط الفنزويلي تحت النفوذ الأميركي "فقد تنخفض أسعار النفط الثقيل الكندي"، مشيراً إلى أنه "باعتمادها على الولايات المتحدة لمعظم صادراتها من الطاقة، أصبحت كندا أكثر وعياً بالحاجة إلى أسواق بديلة مستقرة ومستقلة".

ويُنظر على نطاق واسع إلى دفع كارني للتعاون في مجال الطاقة مع الصين باعتباره تحوطاً استراتيجياً، يقلل من اعتماد كندا المفرط على السوق الأميركية، ويعزز أمنها في مجال الطاقة.

وأشار ون ران جيانج، رئيس منتدى كندا-الصين للطاقة والبيئة، في حديث لـ"الشرق" إلى أن الصين "هي السوق الطاقة المحتملة الأكبر لكندا"، مضيفاً أن مبادرة الحزام والطريق التي طرحتها بكين تتطلب مصادر طاقة متنوعة وتقدّر تنويع الواردات.

ولفت جيانج إلى أن "النفط الفنزويلي يُمثِّل 2% فقط من واردات الصين، وحصة كندا أصغر من ذلك، ما يخلق فرصة كبيرة للنمو".

ووفقاً للبيان المشترك، قررت الصين وكندا أيضاً إطلاق حوار وزاري للطاقة، لتحديد المجالات الرئيسية لدعم الاستثمار والتجارة الثنائية في الطاقة النظيفة والتقليدية.

كما تعهد البلدان بالبناء على التعاون القائم لإدارة الطاقة النووية المدنية بشكل مسؤول، وتعزيز التعاون في تجارة اليورانيوم الطبيعي وفق أعلى المعايير الدولية، بما في ذلك الأدوات المتعلقة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية.

السيارات الكهربائية الصينية وزيت الكانولا الكندي

وشهدت الزيارة تطورات مهمة تتعلق بالرسوم الجمركية، والتي كانت نقطة خلاف رئيسية في السنوات الأخيرة.

ففي عام 2024، تبعت كندا الولايات المتحدة وفرضت ضريبة إضافية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، وأضافت لاحقاً رسوماً بنسبة 25% على منتجات الصلب والألومنيوم.

وردت الصين بفرض رسوم بنسبة 100% على زيت الكانولا الكندي، والبازلاء، وغيرها من المنتجات الزراعية، إضافة إلى رسوم بنسبة 25% على المأكولات البحرية ولحم الخنزير.

وقال رئيس الوزراء الكندي، الجمعة، إن استبدال الرسوم الجمركية المرتفعة بحصص استيراد سيساعد في تحقيق "الاستفادة الكاملة" من هذه الشراكات وتقليل التكاليف على الكنديين.

وفي بيان صادر عن وزارة التجارة الصينية، الجمعة، قالت بكين إنها تعتبر تعديلات كندا على تدابير صادرات السيارات الكهربائية الصينية "خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح"، وهي أيضاً خبر سار للسيارات الكهربائية الصينية التي تسعى لاستكشاف السوق الكندية.

"طوق نجاة" للمزارعين الكنديين.. ولكارني 

واعتبر تسوي هونج جيانج لـ"الشرق" أن "حضور سكوت مو، رئيس وزراء مقاطعة ساسكاتشوان الكندية، أكبر منتج للكانولا في كندا، أظهر الحاجة المُلحة للقطاع الزراعي لاستعادة الوصول إلى السوق الصينية".

ويأتي تخفيف الرسوم كطوق نجاة للقطاع الزراعي الكندي، إذ انخفضت صادرات الكانولا من ساسكاتشوان إلى الصين بنسبة 76% على أساس سنوي في أغسطس 2025، ما أدى إلى تكدس الإنتاج في المخازن، الأمر الذي تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين.

وبالنسبة إلى كارني، يحمل هذا الملف وزناً سياسياً، فالمجتمعات الزراعية تمثل قاعدة انتخابية رئيسية، وقد يهدد استمرار أزمة المزارعين موقفه السياسي.

وبموجب الاتفاق الجديد، ستسمح كندا بدخول ما يصل إلى 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى السوق الكندية، مع تعريفة أفضلية وطنية بنسبة 6.1%، ما يعني إزالة الرسوم الإضافية بنسبة 100% التي فرضتها على السيارات الكهربائية الصينية بعد خطوة الولايات المتحدة في 2024.

وأضاف الاتفاق أنه من المتوقع بحلول 1 مارس أن تخفض الصين الرسوم الجمركية على بذور الكانولا الكندية إلى معدل إجمالي يقارب 15%، وأن زيت الكانولا والبازلاء وجراد البحر وسرطان البحر الكندية لن تخضع بعد الآن للرسوم المضادة للتمييز.

تصنيفات

قصص قد تهمك