
رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب استبعاد استخدام القوة للسيطرة على جزيرة جرينلاند، التابعة للدنمارك، بعد أن هدد بفرض رسوم جمركية على دول حليفة أجرت تدريبات عسكرية مشتركة على الجزيرة، فيما أرسلت الدنمارك قوات عسكرية ومعدات إضافية إلى جرينلاند، وسط تصعيد الرئيس الأميركي لضغوطه.
وعند سؤاله، في مقابلة هاتفية مقتضبة مع NBC News، عما إذا كان سيستخدم القوة للاستيلاء على جرينلاند، قال الرئيس: "لا تعليق".
وصعّد ترمب ضغوطه للاستحواذ على جرينلاند، إذ قال، السبت، إنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 10% على الدنمارك وسبع دول أوروبية أخرى إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن استحواذ الولايات المتحدة على جرينلاند.
وجاء التهديد بفرض الرسوم الجمركية بعدما أجرت الدول الثمانية تدريبات عسكرية مشتركة على الجزيرة خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقالت "فاينانشيال تايمز" إن هذه الأساليب القسرية التي يتبعها ترمب بشأن جرينلاند، تهدد بإشعال حرب تجارية جديدة مع أوروبا، ودفع العلاقات عبر الأطلسي إلى أعمق أزماتها منذ عدة عقود.
وأرسلت الدنمارك الاثنين، قوات إضافية إلى جرينلاند، وهبطت عدة طائرات تقل جنوداً دنماركيين ومعدات عسكرية في جرينلاند.
وقالت القوات المسلحة الدنماركية إن قوة كبيرة من الجنود، إلى جانب قائد الجيش الدنماركي، نُقلت جواً إلى عاصمة جرينلاند نوك وإلى كانجرلوسواك في غرب الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي، إضافة إلى أكثر من 200 جندي موجودين بالفعل.
اجتماع في دافوس
وفي منشور على "تروث سوشيال"، قال ترمب إنه أجرى اتصالاً جيداً مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بشأن جرينلاند، مشيراً إلى أنه وافق على عقد اجتماع لمختلف الأطراف في دافوس.
وتابع: "كما أوضحتُ للجميع، وبصراحة تامة، جرينلاند ضرورة حتمية للأمن القومي والأمن العالمي. لا مجال للعودة إلى الوراء، وفي هذا، الجميع متفق".
وقال إن الولايات المتحدة "هي أقوى دولة في أي مكان على هذا الكوكب، وبفارق كبير. ويعود جانب كبير من ذلك إلى إعادة بناء قواتنا العسكرية خلال ولايتي الأولى، وهي عملية إعادة البناء التي تتواصل اليوم بوتيرة أسرع وأكثر تسارعاً".
وأردف: "نحن القوة الوحيدة القادرة على ضمان السلام في أنحاء العالم. ويتم ذلك، بكل بساطة، من خلال القوة".
نوبل للسلام والخلاف مع النرويج
وأضاف ترمب بُعداً جديداً إلى مواجهته مع حلفاء أوروبيين قدامى، إذ ربط قضية جرينلاند بعدم فوزه بجائزة نوبل للسلام العام الماضي، وذلك في رسالة نصية بعث بها، الأحد، إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره.
وأعلن مكتب رئيس الوزراء النرويجي أن ستوره نشر الرسائل النصية مع ترمب بموجب قوانين الإفصاح العام المعمول بها في النرويج.
وقال ترمب في الرسالة، التي نشرتها شبكة PBS أولاً وأكد رئيس الوزراء النرويجي صحتها في بيان: "نظراً إلى أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لكوني أوقفت ثماني حروب وأكثر، لم أعد أشعر بأنني ملزم بالتفكير في السلام وحده، رغم أنه سيبقى دائماً الأهم، لكن يمكنني الآن التفكير فيما هو جيد وصحيح للولايات المتحدة الأميركية".
وكانت النرويج من بين الدول التي شملتها الرسوم الجمركية الجديدة، والتي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 1 فبراير المقبل، وفقاً لمنشور كتبه ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشيال".
وقال ستوره، في بيان صدر الاثنين، إن "موقف النرويج من جرينلاند واضح. جرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، والنرويج تدعم بشكل كامل مملكة الدنمارك في هذه المسألة".
وتمنح لجنة مكوّنة من خمسة أعضاء، يعينهم البرلمان النرويجي، جائزة نوبل للسلام سنوياً. وفي عام 2025، اختارت اللجنة زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو للفوز بالجائزة.
وقدمت ماتشادو لترمب ميداليتها، المصنوعة من ذهب عيار 18 قيراطاً، خلال زيارة إلى البيت الأبيض الأسبوع الماضي، تعبيراً عن الامتنان لإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في ضربة عسكرية، ورفض ترمب فكرة أن النرويج لا تملك أي نفوذ في مسابقة جائزة نوبل للسلام وأن القرار يعود بالكامل إلى اللجنة.
وقال ترمب لـNBC News: "النرويج تسيطر عليها بالكامل، رغم ما يقولونه". وأضاف: "يحبون القول إنهم لا علاقة لهم بها، لكن لهم كل العلاقة بها".
في المقابل، أصر آخرون على أن هذا الأمر غير صحيح.
مواجهة مع الحلفاء
وفي المقابلة، انتقد ترمب أيضاً القادة الأوروبيين الذين عارضوا مساعيه للحصول على جرينلاند، والتي يقول إنها ضرورية لحماية الأمن القومي من تهديدات خارجية.
وقال ترمب: "يتعين على أوروبا أن تركز على الحرب بين روسيا وأوكرانيا، لأنكم ترون، بصراحة، إلى أين أوصلهم ذلك. هذا ما ينبغي على أوروبا التركيز عليه، وليس جرينلاند".
وعند سؤاله عما إذا كان سيمضي قدماً في خططه لفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن جرينلاند، قال ترمب: "سأفعل ذلك، بنسبة 100%".
ونقلت صحيفة "فاينانشيال تايمز" عن مسؤولين مطلعين على مشاورات مع دول أوروبية، إن الاتحاد الأوروبي من المرجح أن يرد بفرض رسوم على سلع أميركية بقيمة 93 مليار يورو، في حال مضيّ الرئيس الأميركي قدماً في فرض رسوم إضافية.
ودعت ألمانيا وفرنسا، الاثنين، إلى رد أوروبي "واضح" على تهديدات ترمب الجمركية، مع تأكيدهما في الوقت نفسه ضرورة خفض التصعيد.
وقال وزير المالية الألماني لارس كلينجبايل: "لن نتعرض للابتزاز".
"مكافحة الإكراه"
وبحسب ثلاثة مسؤولين في الاتحاد الأوروبي مطلعين على الاستعدادات، فقد أعد مسؤولو المفوضية الأوروبية خيارات تفصيلية لخطوات انتقامية إضافية.
إلا أنهم يؤجلون تفعيل الإجراء الأكثر تأثيراً، وهو ما يُعرف بأداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه، على أمل التوصل إلى حل دبلوماسي محتمل خلال محادثات مع ترمب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الأسبوع.
وقالت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية هينا فيركونن لصحيفة "فاينانشيال تايمز": "أولويتنا الأولى الآن هي الانخراط الحقيقي والتعاون وإجراء حوار جيد مع نظرائنا الأميركيين. وفي الوقت نفسه، لدينا أيضاً أدوات في متناولنا، وقد استعددنا لذلك".
ويتيح تفعيل أداة مكافحة الإكراه للاتحاد الأوروبي تقييد وصول شركات التكنولوجيا الأميركية إلى السوق الداخلية للاتحاد. وأشارت فيركونن إلى أن الاتحاد الأوروبي يُعد أكبر سوق لبعض شركات التكنولوجيا.
ولا يزال قادة أوروبيون يأملون في إقناع ترمب بالتراجع، عبر التعهد بلعب دور أكبر في الدفاع عن القطب الشمالي، حيث اقترحت الدنمارك وجرينلاند إطلاق مهمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على الجزيرة، على غرار العمليات الهادفة إلى حماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق.
وعندما سُئل عمّا إذا كان سيمضي قدماً في تهديداته بفرض رسوم جمركية على أوروبا في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن جرينلاند، قال: "سأفعل ذلك، بنسبة 100%".
تصعيد
وفي دافوس، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن أي رد انتقامي من الاتحاد الأوروبي على تهديدات ترمب الجمركية سيكون "غير حكيم للغاية"، مضيفاً أن "على الجميع أن يأخذوا الرئيس على محمل الجد".
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيستخدم "كامل قوة الحكومة في الداخل والخارج" للدفاع عن القانون الدولي، واصفاً تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على حلفاء الولايات المتحدة بأنه "خاطئ تماماً".
لكن مسؤولين بريطانيين أكدوا أن فريق ترمب يسعى إلى حل الأزمة المتعلقة بجرينلاند، مع مساعي كل من بيسنت ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للتوصل إلى حل تفاوضي.
ومع تصعيد ترمب للضغوط على أوروبا لتسليم جرينلاند إلى الولايات المتحدة، ظهرت مؤشرات على قيام مستثمرين ببيع أصول أميركية والبحث عن ملاذات آمنة بديلة.










