
انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، خطة بريطانيا للتنازل عن السيطرة على جزيرة دييجو جارسيا في جزر تشاجوس لموريشيوس، معتبراً إياها عملاً ينم عن "ضعف تام"، و"غباء فاضح"، فماذا نعرف عن هذه الجزيرة التي تضم قاعدة أميركية استراتيجية؟
ترمب اعتبر في منشور على "تروث سوشيال": أنه "من المثير للصدمة أن حليفتنا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، المملكة المتحدة، تخطط حالياً للتنازل عن جزيرة دييجو جارسيا، التي تضم قاعدة عسكرية أميركية حيوية، لموريشيوس، ودون أي سبب على الإطلاق".
وتابع: "لا شك أن الصين وروسيا قد لاحظتا هذا العمل الذي يُظهر ضعفاً تاماً.. هاتان قوتان دوليتان لا تعترفان إلا بالقوة، ولهذا السبب تحظى الولايات المتحدة، تحت قيادتي، باحترام لم يسبق له مثيل بعد عام واحد فقط".
وتقع الجزر المرجانية الست الرئيسية لتشاجوس بين أكثر من 600 جزيرة، على بعد 500 كيلومتر جنوبي جزر المالديف وفي منتصف المسافة بين أفريقيا وإندونيسيا، ويوجد فيها حوالي أربعة آلاف شخص.
متى أقيمت القاعدة الأميركية؟
أُنشئت قاعدة دييجو جارسيا الأميركية التي تقع بالجزيرة التي تديرها بريطانيا، عام 1966، وذلك بعد تهجير نحو ألفي شخص من سكان تشاجوس، كما تضم مدرجاً ضخماً وميناءً ومخازن قنابل خارقة.
وتحتل دييجو جارسيا موقعاً محورياً، وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية والعالمية، ورفض القوى الكبرى قبول أي تنازلات استراتيجية، فما سبب أهميتها؟
كيف تعيد بريطانيا الجزيرة لموريشيوس؟
وقعت بريطانيا، العام الماضي، اتفاقية للتنازل عن سيادتها على جزر تشاجوس لموريشيوس، وتتيح هذه الاتفاقية، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، للمملكة المتحدة الاحتفاظ بالسيطرة على القاعدة الجوية الأميركية ذات الأهمية الاستراتيجية في دييجو جارسيا، أكبر جزر الأرخبيل في المحيط الهندي، بموجب عقد إيجار لمدة 99 عاماً.
واتفق الطرفان على عدم المساس باستمرار عمل القاعدة العسكرية البريطانية الأميركية المشتركة في دييجو جارسيا بشكل آمن وفعال، والتزما بالتعاون لضمان استمرار تشغيلها دون انقطاع.
ورغم عقود من الضغوط الناجمة عن جهود إنهاء الاستعمار، وحق شعب تشاجوس في العودة إلى أراضيهم الأصلية، ومطالبة موريشيوس بالسيادة، والانخراط المستمر من جانب المجتمع الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، لا يزال الوضع الخاص لدييجو جارسيا قائماً.
فحتى بعد اعتراف بريطانيا وجميع القوى الكبرى بالسيادة على جزر تشاجوس والترحيب بها، لا تزال الجزيرة مُعسكره، ولا يزال رغبة شعب تشاجوس بالعودة إلى أراضيهم الأصلية في هذه الجزيرة بعيد المنال.
وشُيّدت هذه القاعدة العسكرية، وجرى تطويرها على مرّ السنين، واستثمرت الولايات المتحدة بكثافة في بناء هذه القاعدة وصيانتها، نظراً لأهميتها في دعم مصالحها الوطنية في منطقة بعيدة عن أراضيها.
وبذلك، تُعدّ دييجو جارسيا قاعدة دعم جيوسياسية ولوجستية رئيسية لمصالح الولايات المتحدة، ومهامها، وعملياتها في منطقة المحيط الهندي، لما تتمتّع به من قدرات عسكرية كاملة، ما يجعل من الصعب إنشاء قاعدة مماثلة في أي مكان آخر دون كلفة مالية وسياسية باهظة.
ما أهمية قاعدة دييجو جارسيا؟
وبحسب مجلة Modern Diplomacy، تحظى قاعدة دييجو جارسيا بمكانة خاصة في استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى، نظراً لموقعها الحيوي.
وتقع القاعدة على طول طرق التجارة الدولية الرئيسية بين آسيا وإفريقيا في المحيط الهندي. وعلى مر السنين، نُفذت منها عمليات جوية متعددة في حروب مثل حرب الخليج، وغزو العراق وأفغانستان، بالإضافة إلى الغارات الجوية الأخيرة على جماعة "الحوثيين" في اليمن.
ووفرت هذه القاعدة العسكرية للولايات المتحدة عمقاً استراتيجياً وقيادة تكتيكية في جميع أنحاء المحيط الهندي، إذ تقدم الدعم اللوجستي والاستخباراتي والمراقبة للعمليات ضد الجهات الفاعلة، وقد تطورت لتصبح واحدة من أهم المنشآت الخارجية لواشنطن، بحسب المجلة.
وتمتلك القاعدة بنى تحتية عسكرية قادرة على ردع طيف واسع من التهديدات، والدفاع عن مصالح واشنطن في المحيط الهندي، ولا سيما منطقة غرب المحيط الهندي وبحر العرب.
وتضمّ مجموعة متكاملة من المرافق، تشمل ميناءً للمياه العميقة قادر على استقبال حاملات الطائرات، ومدرجاً طويلاً يُتيح عمليات الضربات البعيدة المدى، ومرافق اتصالات فضائية متطورة، وبنية تحتية لتتبع الأقمار الاصطناعية، ومنشأة دعم تابعة للبحرية، كما أنها مقرّ لـ16 قيادة منفصلة.
ما علاقة الصين؟
وبحسب المجلة، فإن الصين تبذل جهوداً متواصلة ومنهجية لإنشاء قاعدة وشبكة لوجستية في المنطقة.
وعززت وجودها بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية، حيث استثمرت في 17 ميناءً في أنحاء المحيط الهندي، بما في ذلك ميناء "مومباسا" في كينيا، وميناء "جوادر" للمياه العميقة في باكستان، وميناء "دوراليه" متعدد الأغراض في جيبوتي، وميناء "هامبانتوتا" في سريلانكا، وميناء "داروين" في أستراليا.
كما وفرت كابلات بحرية لدول جزر المحيط الهندي مثل سيشل، وجزر القمر، وجزر المالديف، وسريلانكا، وقد رسخت الصين وجودها بقوة في جميع أنحاء المحيط الهندي من خلال افتتاح سفارات في كل دولة من دول المحيط الهندي، وتُعد أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمعظم هذه الدول.
ويُعد هذا الوجود المتنامي في هذه المنطقة جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية بكين البحرية، حيث تستورد 80% من نفطها وغازها الطبيعي المسال عبر المحيط الهندي.
ويتمثل جوهر هذه المهمة في حماية خطوط الملاحة البحرية التي تربط شرق آسيا بغرب المحيط الهندي وشرق إفريقيا.
ومع تزايد النفوذ الصيني، اكتسبت قاعدة دييجو جارسيا أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للمملكة المتحدة وحلفائها، إذ تُعدّ قاعدة عمليات مستقرة لا تُنازع، تحمي مصالحهم في بيئة بحرية تزداد تنافسية.











