
رضخ رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو لحزمة جديدة من مطالب الحزب الاشتراكي، من بينها رفع الضرائب على كبرى الشركات في البلاد، مع اقترابه من وضع اللمسات الأخيرة على موازنة عام 2026، وفق صحيفة "فاينانشيال تايمز".
وأعلن لوكورنو، الذي يقود حكومة أقلية "هشة"، أنه سيستخدم "صلاحيات دستورية خاصة" لتجاوز البرلمان من أجل إقرار الموازنة.
وقال إن التوصل إلى تسوية مع المعارضة أثبت أنه أمر "مستحيل"، غير أن اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور ينطوي على مخاطر، إذ توعدت أحزاب اليمين المتطرف واليسار الراديكالي بالرد عبر طرح تصويت بحجب الثقة في الجمعية الوطنية.
وإذا نجح هذا التصويت، تسقط حكومة لوكورنو وتُلغى الموازنة، أما إذا فشل، فستبقى الحكومة وتمر الموازنة. ويُعد الاشتراكيون الكتلة المرجحة في التصويت، رغم أنهم لا يملكون سوى 66 نائباً من أصل 577.
لوكورنو يقدم تنازلات
وينظر قادة الحزب بإيجابية إلى التنازلات الجديدة التي قدمها لوكورنو، بما في ذلك ما اعتبروه مكاسب حققوها للطلاب والطبقة العاملة والمتقاعدين، بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة.
وقال بوريس فالو، أحد كبار نواب الحزب الاشتراكي، لصحيفة "لو باريزيان": "رئيس الوزراء أصدر تصريحات تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، وتتيح لنا التفكير في احتمال عدم إسقاط الموازنة".
وأكد لوكورنو، الجمعة، أنه تراجع عن سلسلة من المقترحات، مثل تجميد الإنفاق الحكومي خارج قطاع الدفاع وإلغاء الإعفاءات الضريبية للمتقاعدين، وهي إجراءات كانت ستسهم في خفض العجز.
كما قال رئيس الوزراء إنه سيُوسع نطاق الوجبات المدعومة لطلاب الجامعات، وسيعزز صافي دخول العمال من ذوي الدخل المنخفض عبر برنامج للإعانات.
وكان لوكورنو قد قدم بالفعل تنازلات كبيرة للاشتراكيين في ديسمبر 2025 من أجل تمرير موازنة الرعاية الاجتماعية، متخلياً عملياً عن الإصلاح الوحيد البارز في الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون، وهو إصلاح نظام التقاعد الذي رُفع بموجبه سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً بعد معركة طويلة.
خلافات سياسية
وتشير تصريحات فالو الأخيرة إلى أن لوكورنو ربما قدم مجدداً ما يكفي لضمان امتناع الاشتراكيين عن التصويت في اقتراع حجب الثقة المرتقب. إلا أن لوكورنو كان قد خالف وعداً قطعه للمعارضة في أكتوبر الماضي بعدم استخدام المادة 49.3، والبحث بدلاً من ذلك عن حلول توافقية.
وثبت أن التوصل إلى اتفاق أمر مستحيل، في ظل عدم اتفاق الأحزاب السياسية على الطريقة التي ينبغي أن تبدأ بها فرنسا تقليص عجز موازنتها، الذي بلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام الماضي.
ويقف لوكورنو في موقع تفاوضي ضعيف، بعدما فقد تحالف الوسط بزعامة ماكرون أغلبيته في الجمعية الوطنية، وسقوط رئيسي وزراء بالفعل خلال ما يزيد قليلاً على عام واحد.
ومع عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق بشأن الموازنة، تعمل فرنسا منذ بداية العام على أساس موازنة مُرحلة من عام 2025، لضمان استمرار الإنفاق العام على كل شيء، من المعاشات التقاعدية إلى الدفاع.
وتهدف الحكومة إلى خفض عجز فرنسا إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، لكنها لم تفصل بشكل كامل كيفية تمويل أحدث التنازلات.
ضريبة على كبرى الشركات
ويبدو أن جزءاً كبيراً من الإنفاق الإضافي سيُمول من خلال تمديد ضريبة كانت الحكومة قد وعدت بأنها ستكون لمرة واحدة فقط على أكبر الشركات الفرنسية، والتي درّت 8 مليارات يورو العام الماضي.
وكان الوسطيون بزعامة ماكرون قد أرادوا في البداية الالتزام بوعدهم بعدم تمديد هذه الضريبة، إلا أنهم تراجعوا لاحقاً ووافقوا على الاكتفاء بخفضها إلى النصف بدلاً من إلغائها بالكامل.
لكن الاشتراكيين حسموا المعركة، وسيُبقى على الضريبة كاملة، وإن كان ذلك مع تقليص نطاقها، بحيث تطال نحو 300 من أكبر الشركات فقط، بدلاً من نحو 450 شركة في العام الماضي.
كما أخلفت الحكومة وعداً آخر للشركات بعدم خفض ما يُعرف بـ"ضرائب الإنتاج"، وهي ضرائب تُفرض على "القيمة" التي تخلقها الشركات في فرنسا، وليس على الأرباح أو الإيرادات.
وترى الأوساط الاقتصادية أن هذه الضرائب تضر بالقدرة التنافسية لفرنسا، وكان ماكرون قد جعل من إلغائها ركناً أساسياً في أجندته الاقتصادية.
وكتب لوكورنو في رسالة مفتوحة إلى قادة الأعمال: "فرنسا بحاجة إلى الوضوح والاستقرار. إن أزمة سياسية جديدة ستُضعف بلدنا وتزيد العبء على الاقتصاد وفرص العمل".










