
تفاوتت ردود فعل الدول، بين قبول ورفض وتردد وصمت، بشأن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى مبادرته لتشكيل "مجلس السلام" لحل النزاعات على مستوى العالم، وهي خطة وصفها دبلوماسيون غربيون أنها قد تضر بعمل الأمم المتحدة.
واقترح ترمب في الأصل إنشاء المجلس عندما أعلن عن خطته، في سبتمبر الماضي، لإنهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لكن الدعوات أُرسلت، الأسبوع الماضي، إلى عدد من زعماء الدول، محددة دوراً أوسع لـ"مجلس السلام" في إنهاء النزاعات على مستوى العالم.
وأفاد دبلوماسيون بأن الدعوات وُجهت لأكثر من 60 دولة، وبدأت تصل إلى العواصم الأوروبية أيضاً منذ السبت الماضي، وبحسب مسودة ميثاق أرسلتها الإدارة الأميركية إلى الدول، دعت إلى أن يساهم الأعضاء بمبلغ مليار دولار نقداً إذا أرادوا أن تستمر عضويتهم لأكثر من ثلاث سنوات، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".
ورغم أن عدداً قليلاً من القادة أعلنوا قبولهم للمبادرة، فإنه لا يُعرف حتى الآن ما إذا كان أيٌّ منهم قد وافق على التبرع بمليار دولار لتفادي تجديد عضويته بعد 3 سنوات، وفق NBC NEWS الأميركية.
وقال أحد المصادر لشبكة CBS NEWS الأميركية، إن بعض الدول ستساهم بمبلغ أقل بكثير، ربما حوالي 20 مليون دولار.
وأثار إعلان ترمب عن "مجلس السلام" في غزة، الكثير من التساؤلات بشأن ما إذا كان الرئيس الأميركي يخطط لتشكيل كيان مواز للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أو على الأقل منافستهما في إدارة المشهد الدولي.
وقال ترمب، مساء الثلاثاء، إنه يجب السماح للأمم المتحدة بالاستمرار لأن إمكاناتها هائلة، وعندما سئل عما إذا كان يريد لمجلس السلام أن يحل محلها أجاب "ربما".
وكشفت صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن الميثاق المرسل إلى الأعضاء المحتملين في "مجلس السلام" لم يتطرق حتى إلى القطاع الفلسطيني، لكنه شدد على الحاجة إلى "هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام".
ومع ذلك، بدأت بعض الدول الرد على الدعوة، فبين قبول حذر ورفض صريح، أظهرت عدة دول استعدادها للمشاركة، بينما تحفظت دول أوروبية وآسيوية أخرى على الانضمام مباشرة.
دول وافقت رسمياً على الانضمام
وأبدت عدة دول حتى الآن، قبولها للانضمام رسمياً إلى "مجلس السلام" الذي اقترحه ترمب، لتكون من أوائل الحكومات التي تصادق على المبادرة.
وزارة الخارجية الإماراتية قالت، الثلاثاء، إن رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد، قبل دعوة ترمب للانضمام إلى "مجلس السلام" المقترح حديثاً.
وفي ضوء ما أعلن عنه، وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، أكد أن قرار دولة الإمارات يعكس أهمية المضي قدماً في التنفيذ الكامل لخطة السلام بشأن غزة، والتي تضم 20 نقطة، نظراً لدورها المحوري في صون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وأضافت الخارجية الإماراتية، في بيان، أن الإمارات تؤكد مجدداً استعدادها للإسهام الفعّال في مهمة مجلس السلام "دعماً لتعزيز التعاون وترسيخ الاستقرار والازدهار للجميع".
وفي البحرين، قالت وزارة الخارجية، إن ملك البحرين، حمد بن عيسى، قبل دعوة ترمب للانضمام إلى "مجلس السلام" بقيادة الولايات المتحدة.
كما أكدت الخارجية البحرينية أن قرار المنامة يأتي انطلاقاً من حرصها على الدفع قدماً نحو التطبيق الكامل لخطة السلام في غزة، وفق وكالة الأنباء البحرينية (بنا).
بدوره، قبل المغرب بالدعوة، حيث قالت وزارة الخارجية، في بيان، الاثنين، إن الملك محمد السادس قبل دعوة ترمب للانضمام بصفته عضواً مؤسساً إلى "مجلس السلام" بقيادة واشنطن.
وذكرت الوزارة، في بيان، أن المملكة "ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس".
بدوره، قبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الدعوة بشكل كامل، وكتب عبر منصة "إكس": "بالطبع، قبلنا هذه الدعوة الكريمة". وأوضح أن الدعوة جاءت تقديراً لـ"جهود المجر في دعم السلام"، مؤكداً قبول بودابست بما وصفها بـ"الدعوة المشرفة" للانضمام كعضو مؤسس.
وفي بيلاروس، وقع الرئيس ألكسندر لوكاشينكو الانضمام إلى "مجلس السلام"، ونشرت الرئاسة عبر "تليجرام" مقطع فيديو للوكاشينكو، وهو يوقع الوثيقة، والتي أعرب فيها عن أمله في المساهمة في تحقيق السلام في أوكرانيا.
وكانت وزارة خارجية بيلاروس أعلنت، الاثنين، أن ترمب دعا لوكاشينكو للانضمام إلى المجلس، وأكد المتحدث باسم الوزارة، رسلان فارانكوف، أن لوكاشينكو "رحب" بالدعوة.
كما أعلن رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، انضمامه إلى "مجلس السلام" بعد قبوله الدعوة، وأرسل رسالة إلى ترمب يعبر فيها عن امتنانه، ويؤكد موافقته على الانضمام، معرباً عن تطلعه للمساهمة في تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
دول تدرس دعوة الانضمام
وأثار إدراج "الميثاق" في رسالة الدعوة تردد بعض الحكومات في الموافقة، حيث قدم بعض القادة ردوداً غامضة.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال، الثلاثاء، إن كييف تلقت دعوة للانضمام إلى "مجلس السلام"، مضيفاً أن الدبلوماسيين يعملون على دراسة الدعوة.
وقال زيلينسكي لوسائل الإعلام عبر نقاش على تطبيق "واتساب" إنه يصعب عليه تخيل وجود أوكرانيا وروسيا في هذا المجلس أو في مجلس آخر.
وفي تركيا، قال وزير الخارجية هاكان فيدان، إن الرئيس رجب طيب أردوغان سيقرر قريباً ما إذا كان سينضم لمجلس السلام بعد تلقي دعوة من ترمب.
وأضاف فيدان، (وهو عضو المجلس التنفيذي لغزة التابع لمجلس السلام)، في مقابلة مع وسائل إعلام رسمية: "تلقينا دعوة.. رئيسنا مدعو كعضو مؤسس، نيابة عن تركيا، ومن المرجح أن يتخذ قراره في هذا الشأن قريباً جداً".
أما وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر قال، الثلاثاء، إن واشنطن دعت تل أبيب للانضمام إلى مجلس السلام، ولم يتضح بعد ما إذا كانت إسرائيل قبلت الدعوة، وفق "رويترز".
وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتقد تشكيل المجلس التنفيذي لغزة الذي أعلنته الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، زاعماً أنه يتعارض مع سياسة إسرائيل.
وسيكون المجلس التنفيذي لغزة تحت سلطة "مجلس السلام"، وقال البيت الأبيض إنه سيركز على تعزيز الاستقرار والازدهار في غزة، في وقت لا يوجد فلسطينيون في المجلس.
وفي ألمانيا، شكر متحدث باسم الحكومة الرئيس الأميركي على الدعوة للانضمام إلى "مجلس السلام"، وقال إن برلين ستدرس المساهمة التي يمكن أن تقدمها من أجل تحقيق هدف التوصل إلى حل دائم للصراع في غزة.
وأوضح المتحدث في مؤتمر صحافي، الاثنين، أن الحكومة لا تتفق مع المخاوف من أن المجلس الذي يشكله ترمب يمكن أن يقوض الأمم المتحدة. وأضاف: "هذا بالنسبة لنا هو الإطار المركزي متعدد الأطراف"، وشدد على أهمية هذه الأداة في مثل الأوقات الراهنة التي تشهد أزمات عالمية غير مسبوقة.
وفي روما، قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إن بلادها "مستعدة للقيام بدورها"، في حين قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الأحد، إنه وافق من حيث المبدأ على مجلس السلام الذي اقترحه ترمب لغزة، لكن التفاصيل لا تزال قيد الدراسة.
وجاء في الرسالة أن المجلس سيرأسه ترمب مدى الحياة، وستقتصر مدة عضوية الدول على 3 سنوات ما لم تدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة.
وقال البيت الأبيض، عبر منصة "إكس": "يقدم هذا ببساطة عضوية دائمة للدول الشريكة التي تظهر التزاماً كبيراً بالسلام والأمن والازدهار".
دول ترفض الانضمام.. وترمب يهدد فرنسا
ورفضت بعض الدول الأوروبية، الانضمام إلى المجلس، معبّرةً عن مخاوفها من أن يقوّض ذلك عمل الأمم المتحدة، فيما هدد ترمب فرنسا، التي تتصدر الدول الرافضة، بفرض رسوم جمركية على الخمور الفرنسية لإجبار الرئيس إيمانويل ماكرون على الانضمام إلى "مجلس السلام".
وذكرت تقارير بأن ماكرون رفض عرض ترمب للانضمام إلى "مجلس السلام"، حيث أشار مكتبه في بيان لموقع "بوليتيكو" الأميركي، إلى اتساع نطاق ميثاق المجلس.
وعندما سُئل ترمب، الاثنين، عن رفض ماكرون، قال للصحافيين إنه سيفرض "رسوماً جمركية بنسبة 200% على بعض المنتجات"، في خطوة وصفها بأنها ستدفع ماكرون إلى الانضمام إلى مبادرة "مجلس السلام"، وفق "رويترز".
وأردف ترمب قائلاً: "لا أحد يريده" لأن ماكرون "سيغادر منصبه قريباً جداً".
وقال مصدر مقرب من ماكرون، إن فرنسا لا تعتزم تقديم "رد إيجابي" لترمب، موضحاً أن الميثاق "يتجاوز الإطار الخاص بغزة وحدها، ويثير قضايا جوهرية، لا سيما ما يتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة"، حسبما ذكر موقع "أكسيوس" الأميركي.
وأبدت حكومات أوروبية أخرى، الأحد، ردود فعل رافضة، إزاء دعوة ترمب، وهي خطة قال دبلوماسيون إنها قد تضر بعمل الأمم المتحدة.
وحذّرت وزيرة الخارجية الإيرلندية، هيلين ماكنتي، من أن الإطار الأميركي "سيحمل تفويضاً أوسع من مجرد تنفيذ خطة السلام لغزة".
وشددت على "التفويض الفريد" للأمم المتحدة في "الحفاظ على السلم والأمن الدوليين"، مضيفة: "ورغم ما قد يشوبه من قصور، فإن الأمم المتحدة وأولوية القانون الدولي باتتا أكثر أهمية من أي وقت مضى".
وفي النرويج، قال نائب وزير الخارجية النرويجي، أندرياس موتزفيلد كرافيك، لصحيفة "أفتنبوستن" النرويجية، الثلاثاء، إن بلاده لن تشارك في مبادرة ترمب بالطريقة التي تعرض بها الخطة حالياً.
موقف روسيا والصين
بينما يواصل ترمب دعوته لقادة دول العالم للانضمام إلى "المجلس"، تبقى مواقف بعض القوى الكبرى غامضة، لا سيما روسيا والصين، اللتين لم تؤكدا بعد موقفهما النهائي بشأن المشاركة.
وقالت الصين، الثلاثاء إنها تلقت دعوة للانضمام إلى "مجلس السلام"، لكن بكين، التي أبرمت مؤخراً هدنة تجارية مليئة بالتفاصيل الصعبة والخلافات مع واشنطن، لم تفصح عما إذا كانت ستقبل الدعوة أو ترفضها.
وأوضحت الوزارة الصينية أن "الجانب الصيني تلقى الدعوة من الولايات المتحدة"، إلا أنه أحجم عن التعليق عندما سئل عما إذا كانت بكين ستقبل الدعوة.
وأضافت: "على مدار العام الماضي، شهدت العلاقات الصينية الأميركية صعوداً وهبوطاً، لكنها حققت استقراراً ديناميكياً بشكل عام"، موضحاً أنه من المتوقع حدوث تقلبات عرضية في العلاقات بينهما.
وأشارت إلى أن الصين مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة على تحقيق المزيد من الاستقرار في العلاقات مع الحفاظ على مصالحها الخاصة.
وعلى الجانب الروسي، قال ترمب إنه وجّه دعوة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين ليكون عضواً في مبادرة "مجلس السلام". وأضاف ترمب للصحافيين في وقت متأخر الاثنين "لقد تلقى (بوتين) دعوة".
وأكد الكرملين تلقي الدعوة، موضحاً أن موسكو تدرس الاقتراح، وتأمل في إجراء اتصالات مع واشنطن بشأنه.
أما بولندا، فقد ذكر موقع "أونيت" الإخباري، نقلاً عن مصدرين، أن ترمب دعا الرئيس البولندي كارول نافروتسكي، للانضمام إلى مجلس السلام في غزة، ولم يتسن التواصل على الفور مع المتحدث باسم الرئيس ومستشاره للسياسة الخارجية للحصول على تعليقات، وفق "رويترز".
وقالت المفوضية الأوروبية إن رئيستها أورسولا فون دير لاين تلقت دعوة من ترمب ولكنها تفضل الاحتفاظ بردها.












