
أبدى قضاة المحكمة العليا الأميركية تشككاً إزاء مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإقالة عضو مجلس محافظي مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، وذلك خلال استماعهم للمرافعات في قضية ذات تداعيات واسعة على استقلالية أهم بنك مركزي في العالم، وفق "فاينانشيال تايمز".
وتأتي الجلسة بعد أن تحرك ترمب لإقالة كوك في أغسطس 2025، على خلفية اتهامات بارتكابها احتيالاً في قروض عقارية، وهي اتهامات تنفيها.
وشكّلت هذه الخطوة أول محاولة في الولايات المتحدة لإقالة عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي. وكان قاضٍ اتحادي قد أوقف القرار إلى حين البت في النزاع القضائي، قبل أن تؤيد محكمة استئناف هذا القرار لاحقاً.
وفي وقت لاحق، أصدرت أعلى محكمة في الولايات المتحدة قراراً بوقف محاولة ترمب لإقالة كوك إلى أن تستمع إلى المرافعات الشفوية في القضية.
تحفظات من القضاة
وبدا عدد من القضاة، الأربعاء، متحفظين إزاء مرافعات المحامي العام جون ساور، الذي جادل بأن المحاكم لم يكن ينبغي لها إعادة كوك إلى منصبها، وأن ترمب يملك سلطة إقالتها من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة.
وأشار القاضي صموئيل أليتو، الذي عيّنه الرئيس الجمهوري الأسبق جورج دبليو بوش، إلى "الطريقة المتعجلة" التي اعتمدتها إدارة ترمب في السعي إلى إقالة عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وحذّر القاضي بريت كافانو، وهو عضو آخر في الجناح المحافظ للمحكمة، قاعة مكتظة بالحضور من أن موقف الحكومة القائل بعدم الحاجة إلى أي مراجعة قضائية أو إجراءات عند إقالة عضو في مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد "يُضعف، إن لم يُحطم" استقلالية البنك المركزي.
وأضاف: "كما تدين تُدان.. فعندما تُطلق هذه الأدوات، يستخدمها الطرفان"، مشيراً إلى خطر أن تُسهم في "تحفيز" الرؤساء على "اختلاق اتهامات تافهة أو غير ذات شأن أو قديمة يصعب دحضها" في محاولة لإقالة مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي. كما وجّه الجناح الليبرالي في المحكمة بدوره أسئلة إلى ساور.
وسألت القاضية كيتانجي براون جاكسون ساور: "كيف توفّق بين تصورك لسلطة الرئيس التقديرية وبين نص قانوني وُضع بوضوح للحد من سلطة الرئيس" في عزل مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي؟ وأضافت: "لست متأكدة من أن لدينا هنا أدلة تُظهر أن السيدة كوك تشكل تهديداً مباشراً للمصلحة العامة".
الفيدرالي في الواجهة
وتأتي الجلسة، التي حضرها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، في وقت يواصل فيه ترمب وكثير من حلفائه انتقاد البنك المركزي بلا هوادة؛ لعدم خفضه أسعار الفائدة بشكل حاد لتحفيز نمو أسرع.
وكان باول قد كشف، في وقت سابق من هذا الشهر، أنه يخضع لتحقيق جنائي من وزارة العدل بشأن مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي بكلفة 2.5 مليار دولار. ولا يجوز إقالة كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي من قبل الرئيس إلا "لسبب وجيه"، وهو مصطلح نادر الاستخدام عادة ما يفسره خبراء القانون على أنه سوء تصرف جسيم.
وقالت كوك، في بيان أعقب الجلسة، إن "هذه القضية تتعلق بما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيحدد أسعار الفائدة الأساسية استناداً إلى الأدلة والحكم المستقل، أم سيخضع للضغوط السياسية".
وقد دفعت قضية كوك المحكمة العليا إلى التدخل في أحد أكثر مساعي ترمب جرأة لإعادة تشكيل الحكومة. وتأتي في وقت تنظر فيه أقوى هيئة قضائية في الولايات المتحدة في جوانب عدة من أجندة الرئيس الواسعة في ولايته الثانية، من الهجرة إلى الرسوم الجمركية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول حدود السلطة الرئاسية.
وغالباً ما انحازت المحكمة، التي تضم 6 قضاة محافظين مقابل 3 ليبراليين، إلى ترمب في قضايا سابقة. واستقطبت القضية البارزة اهتمام المصرفيين المركزيين في الولايات المتحدة وخارجها، إذ حضر رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، بن برنانكي، جلسة الأربعاء.
وكان ترمب قد حاول إقالة كوك، أول امرأة سوداء تشغل منصب عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بعد أن زعم مدير وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية، بيل بولت، أنها ادعت في طلبات قروض عقارية أن منزلاً في ولاية ميشيجان وشقة في أتلانتا هما مقر إقامتها الرئيسي.
"حماية أقوى"
وادعت الحكومة، في مذكرة قضائية، أن الرئيس "أقال كوك بشكل قانوني"، وأن "سلوكها يخلق مظهراً غير مقبول من تضارب المصالح في الشؤون المالية".
وقال أستاذ القانون في جامعة كولومبيا ليف ميناند إن مسار أسئلة القضاة، الأربعاء، أشار إلى أنهم لا يعتقدون أن الإدارة قدمت أدلة قوية كافية ضد عضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وأضاف ميناند: "نقطة الضعف الحرجة التي برزت في قضية الرئيس هي أن القضاة غير مقتنعين بأن الرئيس قدم أدلة، حتى بمعزل عما قد تضيفه كوك إلى سجل القضية، تُظهر إهمالاً جسيماً وليس مجرد إهمال، وهو ما بدا لكثير من القضاة أنه غير كافٍ".
وقد نفت كوك، التي عيّنها الرئيس السابق جو بايدن عضواً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي عام 2022، الاتهامات ولم تُوجّه إليها أي تهم.
وجادل محاموها في مذكرة بأن موكلتهم "أُحيلت جنائياً" من قبل مسؤول تابع للرئيس "استخدم منصبه لبدء تحقيقات بحق من يُنظر إليهم على أنهم خصوم للرئيس، بمن فيهم الرئيس بأول". لكن وزارة العدل رفضت اتهامات التدخل السياسي.
وسبق للمحكمة العليا أن سمحت لترمب بإقالة مسؤولين في وكالات مستقلة، من بينها المجلس الوطني لعلاقات العمل ومجلس حماية نظم الجدارة. غير أن القرار أشار إلى أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قد يتمتعون بحماية أقوى.








