
تتجه الأنظار إلى مجلس النواب العراقي، مع اقتراب موعد الجلسة المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، في ظل مشهد سياسي معقّد يتسم بتعدد المرشحين واستمرار الانقسام داخل البيت الكردي، بالتوازي مع ترقب إعلان اسم مرشح رئاسة الوزراء من قبل الإطار التنسيقي.
وبين حسابات النصاب الدستوري ومعادلات التحالفات السياسية والحزبية، تبدو الجلسة المحتمل عقدها الثلاثاء المقبل، محطة مفصلية في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة في العراق.
نصاب معقّد
وقالت مصادر من داخل مجلس النواب لـ"الشرق" إن رئاسة مجلس النواب تتجه لتحديد الثلاثاء 27 يناير موعداً لعقد الجلسة الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، أي قبل انتهاء المدة الدستورية بيوم واحد، ويتطلب افتتاح الجلسة حضور ثلثي العدد الكلي لأعضاء البرلمان، أي ما لا يقل عن 220 نائباً، عملاً بقرار المحكمة الاتحادية رقم 16 لسنة 2022 المفسّر للمادة 70 من الدستور.
ويجرى التصويت في الجلسة عبر الاقتراع السري المباشر، ويُشترط في الجولة الأولى حصول أحد المرشحين على أغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس للفوز بالمنصب، وفي حال عدم تحقق ذلك، يتنافس المرشحان الأعلى أصواتاً في جولة ثانية، ويُحسم المنصب لصالح من ينال العدد الأكبر من الأصوات.
انقسام كردي يربك الحسابات
ورغم العرف السياسي الذي يمنح منصب رئاسة الجمهورية للمكوّن الكردي، لا يزال الانقسام قائماً بين الحزبين الرئيسين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ يتمسك كل طرف بمرشحه، ما يعني دخول الجلسة بمرشحين مختلفين دون اتفاق مسبق.
و هذا الانقسام، إلى جانب كثرة المرشحين، يجعل من الصعب حسم المنصب من الجولة الأولى التي تتطلب 220 صوتاً، وهو ما يرجح الذهاب إلى جولة ثانية داخل البرلمان.
من أصل 44 مرشحاً تقدموا بأوراق ترشحهم، أعلنت رئاسة مجلس النواب أن 15 مرشحاً فقط تنطبق عليهم الشروط الدستورية والقانونية، فيما أضافت المحكمة 4 اخرين بعد طعن المتضررين ليكون العدد النهائي 19.
وضمت القائمة 13 مرشحاً، وهم: شوان حويز فريق نامق، حسين طه حسن محمد سنجاري، نجم الدين عبد الكريم حمه كريم نصر الله، آسو فريدون علي، سامان علي إسماعيل شالي، عبد اللطيف محمد جمال رشيد شيخ محمد، نزار محمد سعيد محمد كنجي، سردار عبد الله محمود تايمز، فؤاد محمد حسين بكي، مثنى أمين نادر، نوزاد هادي مولود، خالد صديق عزيز، آزاد مجيد حسن.
كما تقدم 6 مرشحين من المكون العربي وهم: أحمد عبد الله توفيق أحمد، صباح صالح سعيد، عبد الله محمد علي ظاهر، إقبال عبد الله أمين حليوي، رافع عبد الله حميد، وسالم حواس علي.
سباق مع الوقت بعد انتخاب الرئيس
وقال الخبير القانوني علي التميمي لـ"الشرق" إن رئيس الجمهورية، بعد أدائه اليمين الدستورية وفق المادة 50 من الدستور، يمتلك مهلة 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، عملاً بالمادة 76 من الدستور.
وبيّن التميمي أن بإمكان الكتلة الأكبر إعلان اسم مرشحها لرئاسة الوزراء في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية نفسها، بل ويمكن في الجلسة ذاتها أن يصدر التكليف الرسمي لرئيس الوزراء، ليبدأ بعدها سباق الثلاثين يوماً لتشكيل الكابينة الوزارية وتقديم المنهاج الحكومي.
الإطار التنسيقي وترشيح المالكي
وقال عضو الإطار التنسيقي عامر الفايز لـ"الشرق" إن الإطار اتفق على تسليم اسم مرشح رئاسة الوزراء إلى رئيس الجمهورية الجديد فور انتهاء جلسة انتخابه، ليتم تكليفه في اليوم ذاته، بهدف كسب الوقت ومنح رئيس الوزراء المكلف فرصة كاملة لتقديم حكومته خلال المدة الدستورية.
وأضاف الفايز أن الإطار التنسيقي يُرجّح أن يعلن اسم مرشحه خلال اليومين المقبلين، مرجحاً أن يكون رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، بعد توافق أغلب قيادات الإطار على ترشيحه لهذا المنصب.
الموقف السني.. تحفظات وشروط
وبالتوازي مع تداول اسم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي داخل أروقة الإطار التنسيقي، تشير مواقف قوى سنية إلى تحفّظ واضح إزاء عودته المحتملة إلى رئاسة الحكومة.
وقالت مصادر سياسية سنية لـ"الشرق" إن عدداً من القوى داخل تحالفات المكوّن السني لا تبدي حماسة لترشيح المالكي، على خلفية تجارب سابقة مرتبطة بإدارة الملفين الأمني والسياسي خلال ولاياته السابقة.
وترى هذه القوى أن أي دعم سني لمرشح رئاسة الوزراء يجب أن يكون مشروطاً بتعهدات واضحة تتعلق بالشراكة السياسية، وضمان عدم تهميش المحافظات المحررة، إضافة إلى حسم ملفات عالقة مثل إعادة الإعمار، عودة النازحين، والتوازن في إدارة مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، لا تستبعد مصادر برلمانية سنية إمكانية التعاطي البراجماتي مع مرشح الإطار التنسيقي، أياً كان اسمه، في حال جرى التوصل إلى اتفاق سياسي مكتوب يحدد ملامح المرحلة المقبلة، ويضمن مشاركة حقيقية في القرار الحكومي، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع، إذا ما أخذ بنظر الاعتبار أن عدد النواب تحت سقف "الإطار التنسيقي الشيعي"، والذي يبلغ 187 نائباً، يتيح له الاريحية في تمرير مرشحه الذي يتطلب التصويت عليه الاغلبية البسيطة (نصف زائد واحد) من عدد اعضاء مجلس النواب البالغ 329 نائباً، أي 166 نائب فقط.
ويتوقع أن تعقد قوى "الإطار التنسيقي" اجتماعاً، السبت، وتشير بعض المصادر الصحافية إلى أن جدول أعمال الاجتماع سيتضمن "الإعلان عن المرشح أو تغيير الآليات". وفي ذلك إشارة إلى إمكانية قلب موازين اللعبة التي قد تطيح بطموحات المالكي.
وبين تعقيدات اكتمال النصاب الدستوري، والانقسام الكردي، وتعدد المرشحين، تبدو جلسة الثلاثاء المقبل خطوة أولى في مسار طويل نحو استكمال الاستحقاقات الدستورية.
ومع ترقب إعلان مرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء، يظل المشهد السياسي العراقي مفتوحاً على احتمالات متعددة، قد تحسمها التوافقات في اللحظات الأخيرة تحت قبة البرلمان، لترسم ملامح الحكومة المقبلة وتوازناتها في مرحلة لا تخلو من التحديات.









