
يستعد حلف شمال الأطلسي "الناتو" لإعادة تركيز اهتمامه على أمن القطب الشمالي، في ظل تحذيرات متزايدة من دول إسكندنافية بشأن تصاعد الوجود العسكري الروسي في المنطقة، ولا سيما في شبه جزيرة كولا التي تضم أحد أكبر التجمعات النووية في العالم.
وتدفع دول شمال أوروبا باتجاه انخراط أطلسي أوسع، معتبرة أن أي تهديد محتمل عبر القطب الشمالي يمس أمن الولايات المتحدة وأوروبا، بالتزامن مع تنامي التركيز الأميركي، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، على جرينلاند ضمن حسابات الدفاع الصاروخي والردع الاستراتيجي.
وقال وزير الدفاع النرويجي، توري سانفيك، لـ"فاينانشيال تايمز"، إن أقصر مسار طيران لمقذوف يُطلق من جزيرة كولا باتجاه المدن الأميركية الكبرى على الساحلين يمر عبر القطب الشمالي وجرينلاند.
وأوضح أن أي صاروخ باليستي عابر للقارات سيستغرق 18 دقيقة من لحظة إطلاقه حتى يصل إلى مدينة أميركية كبرى بسرعة سبعة كيلومترات في الثانية.
وأضاف: "هذا دفاع عن الوطن. ولهذا نضع هذا الأمر على الطاولة أمام الرئيس الأميركي ترمب وعندما نلتقي الحلفاء. هذا دفاع عن الوطن (للولايات المتحدة)، ولندن، وباريس، وبرلين، ولكل دول الحلف".
طموحات ترمب بشأن جرينلاند
وخلال العام الماضي، ركز ترمب "بشكل عدواني، وأحياناً مثير للانزعاج"، على جرينلاند، في إطار سعيه القوي للسيطرة على الجزيرة الدنماركية الواقعة في القطب الشمالي.
لكن موافقته الأسبوع الماضي على "إطار" لاتفاق بشأن أكبر جزيرة في العالم مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، حوّلت تركيز الحلف نحو أمن القطب الشمالي، وهو مسألة تضغط الدول الإسكندنافية منذ عقود لمناقشتها.
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن: "يجب على الناتو زيادة انخراطه في القطب الشمالي. الدفاع والأمن في القطب الشمالي مسألة تخص الحلف بأكمله".
وبالنسبة للدول الإسكندنافية الخمس (السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا وآيسلندا)، وكلها دول قطبية، يمثل ذلك فرصة لإعادة النقاش الجيوسياسي إلى التهديد القادم من روسيا، وفق "فاينانشيال تايمز". فبعد نهاية الحرب الباردة، قلّصت معظم دول القطب الشمالي، بما في ذلك روسيا، وجودها العسكري عبر إغلاق قواعد. وأغلقت الولايات المتحدة عدة قواعد في جرينلاند وآيسلندا.
لكن روسيا بدأت إعادة إحياء تواجدها العسكري والاقتصادي في القطب الشمالي في وقت أبكر بكثير من القوى الغربية، بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين في العقد الأول من الألفية الجديدة.
وتسيطر روسيا على نحو نصف مساحة اليابسة والمياه في القطب الشمالي، ما يمنحها الحضور الأكبر بفارق واسع بين الدول الثماني التي لها وجود في المنطقة، والتي تشمل الولايات المتحدة وكندا إضافة إلى الدول الإسكندنافية الخمس.
واليوم، تمتلك موسكو أكثر من 40 منشأة عسكرية على امتداد ساحل القطب الشمالي، تشمل قواعد عسكرية ومطارات ومحطات رادار وموانئ.
عقيدة روسيا النووية
ويلعب القطب الشمالي دوراً محورياً في العقيدة النووية لموسكو. فهو موطن الأسطول الشمالي الروسي، المتمركز في سيفيرومورسك على شبه جزيرة كولا، والذي يُشغّل ست غواصات من أصل 12 غواصة نووية لدى البلاد، وفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو مؤسسة بحثية في لندن.
وقال أوندريه ديتريخ، كبير محللي الشؤون الروسية في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية في باريس: "الأسطول الشمالي، ولا سيما غواصاته، يشكل ركناً أساسياً في الردع الاستراتيجي الروسي. وبسبب أهميته، ما زال هذا الأسطول يخضع لعمليات تحديث".
كما تحافظ روسيا، حسبما نقلت "فاينانشيال تايمز"، على مستوى عالٍ من الجاهزية في موقع تجاربها النووية في نوفايا زيمليا، وهو أرخبيل في القطب الشمالي اختبرت فيه، في أكتوبر الماضي، صاروخها الجوال "بوريفيستنيك" العامل بالطاقة النووية.
وتروج روسيا أيضاً لاستخدام طريق البحر الشمالي، الذي يمتد فوق الأراضي الروسية ويوفر إمكانية تقليص كبير في أزمنة الشحن بين الصين وأوروبا، رغم أن حجم حركة الشحن لا يزال دون المستهدف.
قلق إسكندنافي متزايد
وتراقب الدول الإسكندنافية المجاورة لروسيا، هذه التطورات بقلق متزايد، وتحث الناتو على الانخراط بصورة أكبر، لكن دون جدوى تُذكر بسبب معارضة أطراف مثل الولايات المتحدة.
وقال سانفيك للصحيفة البريطانية: "نعلم أن الروس يزيدون من نشاطهم في الشمال. كما أن الوضع الأمني يتأثر بذوبان الجليد القطبي، ومع صعود الصين كقوة مهيمنة إقليمياً ذات مصالح عالمية. لقد أعلنوا أنفسهم دولة قريبة من القطب الشمالي".
وأضاف مسؤول رفيع من دولة إسكندنافية أخرى: "تركيز الموارد العسكرية في جوارنا ضخم للغاية".
وقال رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، الأدميرال الإيطالي، جوزيبي كافو دراجوني، لـ"فاينانشيال تايمز"، في أكتوبر 2025، إن القطب الشمالي "يحظى باهتمام كبير" من جانب الحلف العسكري، الذي يلتزم بالحفاظ عليه مفتوحاً أمام الملاحة الحرة وفرص الأعمال الناشئة مثل التعدين والتنقيب عن النفط والغاز.
تدريبات على الظروف الشتوية القاسية
وكثّفت قوات تابعة لعدد من الدول الأعضاء في الناتو، تدريباتهم في ظروف القطب الشمالي في النرويج وفنلندا وجرينلاند، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
وفي مارس المقبل، سيشارك نحو 25 ألف جندي من مختلف دول الحلف، بينهم أربعة آلاف من الولايات المتحدة، في مناورة "الاستجابة الباردة" Cold Response في شمال النرويج، بهدف التدريب على القتال الجوي والبحري والبري في ظروف شتوية قاسية.
وإلى جانب محاولتهم إعادة تركيز اهتمام الولايات المتحدة على التهديد الروسي، يأمل الإسكندنافيون أيضاً، أن يتيح الاهتمام المتجدد بأمن القطب الشمالي إبراز أهميتهم بالنسبة لواشنطن.
وهناك منطقتان بحريتان بالغتا الأهمية يمكن أن يتنافس فيهما الناتو وروسيا على السيطرة، في أي صراع في القطب الشمالي، وهما الفجوة المعروفة باسم "جيـوك" بين جرينلاند وآيسلندا وبريطانيا؛ وما يُعرف بـ"فجوة الدب" بين أرخبيل سفالبارد النرويجي والبر الرئيسي، وتنتهي قرب شبه جزيرة كولا.
وقال سانفيك إن النرويج تستخدم طائرات الاستطلاع من طراز B-8، إضافة إلى الأقمار الاصطناعية والطائرات المُسيرة بعيدة المدى والغواصات والفرقاطات لمراقبة "فجوة الدب" ومناطق أخرى. وأضاف: "هكذا يفكر الناتو في الدفاع عن هذه المنطقة في وقت الأزمات الساخنة. لكننا، قبل كل شيء، نفعل ذلك لتجنب التصعيد وردع روسيا".
وأضاف مسؤول إسكندنافي رفيع، لـ"فاينانشيال تايمز"، أن الولايات المتحدة تعتمد على هذه المعلومات الاستخباراتية. وأضاف: "إنها بالتأكيد علاقة متبادلة. لدينا وعي ميداني جيد بما تفعله روسيا على الجانب الآخر من الحدود. كما يمكن للولايات المتحدة استخدام مجالنا الجوي لمراقبة روسيا".
ويتركز قدر كبير من الاهتمام بالقطب الشمالي على مراقبة ما قد يأتي عبر الجو أو تحت الماء، بدلاً من الاستعداد لعمليات برية. وقال مسؤول دنماركي: "من المستحيل غزو جرينلاند. يمكن السيطرة على نوك، لكن 95% منها ثلوج وجليد، ولا يمكن السيطرة على ذلك".
ويبدو أن ترمب، على وجه الخصوص، ينظر إلى جرينلاند ضمن خطته المقترحة لمنظومة الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية"، التي ستستخدم أجهزة استشعار وأقماراً اصطناعية واعتراضات لوقف المقذوفات المختلفة قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.
وتدير الولايات المتحدة القاعدة العسكرية الرئيسية في الجزيرة القطبية، وهي قاعدة بيتوفيك الفضائية في أقصى الشمال الغربي، والمستخدمة لأنظمة الرادار للإنذار المبكر.
عسكرة القطب الشمالي
لكن كثيرين في الدول الإسكندنافية يخشون وجود "منطق حتمي" وراء عسكرة القطب الشمالي، الذي ظل حتى الآن إحدى المناطق القليلة في العالم التي يمكن تصنيفها على أنها "منخفضة التوتر". ويشددون على أن المنطقة تضم ملايين السكان، كثير منهم من الشعوب الأصلية كما في جرينلاند.
وقال مسؤول إسكندنافي رفيع آخر: "قلقي هو أن الأمن يهيمن على أجندة القطب الشمالي، وننسى أن هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية مثل تغيّر المناخ والبنية التحتية وحقوق الشعوب الأصلية. لا مكاسب كثيرة من عسكرة القطب الشمالي لأنه منطقة بالغة الصعوبة للنشاط".
وفي الوقت الراهن، هناك أيضاً إقرار بأن الحرب الروسية الأوكرانية أبطأت وتيرة حشدها العسكري في القطب الشمالي. وقال محلل الشؤون الروسية ديتريخ: "لقد تراجع الوجود الفعلي للقوات في المواقع العسكرية القطبية مع نشر بعض الألوية في أوكرانيا وتكبدها خسائر فادحة".
لكن ثمة إدراكاً أيضاً بأن كلاً من روسيا والصين مستعدتان للعب على المدى الطويل في منطقة يمكن أن يغيّر ذوبان الجليد فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية على مدى عقود. وقال وزير الدفاع النرويجي سانفيك: "إنه سباق في التنافس الاستراتيجي في القطب الشمالي".











