
يستعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لزيارة العاصمة الصينية بكين، الأربعاء، في أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018، تتضمن "مهمة شاقة" تهدف لإذابة الجليد في العلاقات، والتقارب مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفي الوقت نفسه محاولة تجنب "استفزاز" الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وخلال لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينج، ينهي رئيس الوزراء البريطاني ما وصفه بـ"العصر الجليدي" الذي ساد العلاقات بين البلدين في عهد الحكومة المحافظة السابقة، ويسعى إلى إبرام صفقات يمكن تسويقها للناخبين باعتبارها دفعة لاقتصاد بريطانيا المتعثر، وفق مجلة "بوليتيكو".
ولفتت المجلة إلى أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، غادر بكين، منتصف الشهر الجاري، ليعلن فوراً أن "النظام العالمي" الذي تقوده الولايات المتحدة قد انهار، لكن نظيره البريطاني ستارمر لا يُتوقع أن يُقدم على خطوة مماثلة.
وينضم ستارمر إلى طابور من القادة الذين يتجهون إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر الماضي، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس الشهر المقبل. ومثلما فعل كارني في دافوس الأسبوع الماضي، حذر ستارمر من أن العالم يعيش أكثر فتراته اضطراباً منذ جيل.
غير أن ستارمر، وعلى خلاف كارني، حريص بشدة على ألا يُصور هذا التحرك باعتباره "قطيعة" مع الولايات المتحدة، وعلى تجنب الانتقادات التي شنها دونالد ترمب في الأيام الأخيرة على كارني بسبب تعامله مع الصين.
بكين: نسعي لتعميق التعاون
من جانبها، قالت وزارة الخارجية الصينية، الثلاثاء، إن الصين مستعدة لتعزيز الثقة المتبادلة مع بريطانيا وتعميق التعاون العملي مع مجموعة الدول السبع، مع زيارة رئيس الوزراء ستارمر.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون، خلال مؤتمر صحافي، إن ستارمر يلتقي خلال الزيارة التي تستمر من الأربعاء إلى السبت، بالرئيس شي جين بينج، ورئيس الوزراء لي تشيانج، وكبير المشرعين الصينيين تشاو ليجي.
ويقود ستارمر وفداً يضم أكثر من 50 شركة ومؤسسة بريطانية من قطاعات تشمل التمويل والرعاية الصحية والتصنيع، حسبما قالت وزارة التجارة الصينية في بيان منفصل الثلاثاء.
وأشارت الوزارة إلى أنه سيجري توقيع وثائق تجارية واستثمارية خلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني، موضحة أنها مستعدة "لتعزيز التواصل بشأن السياسات التجارية والاقتصادية لخلق أجواء أعمال عادلة وشفافة وقائمة على سيادة القانون للتعاون بين الشركات من الجانبين".
3 أهداف رئيسية
ويحاول رئيس الوزراء البريطاني تحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد، عبر الحفاظ على علاقات ودية، أو على الأقل تفاعلية، مع واشنطن وبروكسل وبكين.
وقال مسؤول بريطاني رفيع، عمل طويلاً على ملفات العلاقات البريطانية-الصينية، مازحاً: "إنها إشكالية الأجسام الثلاثة الخاصة به".
وذكرت "بوليتيكو" أنها تحدثت إلى 22 مسؤولاً حالياً وسابقاً، ونواباً، ودبلوماسيين، وشخصيات من قطاع الصناعة، وخبراء في الشأن الصيني، مُنح معظمهم حق عدم الكشف عن هوياتهم للتحدث بصراحة.
وقدم هؤلاء صورة لزعيم يسير على الحبل المشدود ذاته الذي اعتاده، محاطاً بخيارات قاتمة، من مفاوضات "بريكست" الشائكة مع الاتحاد الأوروبي، إلى انتقادات الرئيس ترمب للسياسات البريطانية وتجميده محادثات اتفاق تكنولوجي بين لندن وواشنطن.
ويريد ستارمر أن تحقق زيارته، المخطط لها منذ وقت طويل، إلى الصين نمواً اقتصادياً، مع توخي الحذر بما لا يضر بالأمن القومي أو يستفز ترمب. ولا يبدو أنه كثّف تواصله مع بكين رداً على ترمب، ولا أنه خفضه في ظل الانتقادات الموجهة لسجل الصين في التجسس وحقوق الإنسان.
وقالت "بوليتيكو" إن ستارمر "لا يريد أي مشكلات".
ونقلت عن شخص مطلع على ترتيبات الزيارة، قوله: "ستارمر يميل أكثر إلى الإدارة. يريد إبقاء علاقات بريطانيا مع القوى الكبرى مستقرة". وأضاف: "يصعب تخيله يقوم بما فعله كارني أو ماكرون، ويستخدم الزيارة لطرح رؤية جيوسياسية كبرى".
وأضاف مسؤول في داونينج ستريت: "هو واضح في أن من مصلحة بريطانيا أن تكون لها علاقة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبينما تُعد الولايات المتحدة أقرب حلفائنا، فإنه يرفض فكرة أن ذلك يمنع إقامة تعاملات براجماتية مع الصين".
ويأمل ستارمر أن يرى ترمب، الذي يخطط لزيارة الصين في أبريل المقبل، الأمر كذلك.
استدعاء الدعم
ووفق "بوليتيكو"، تحضر كلمة واحدة في ذهن ستارمر خلال هذه الزيارة إلى الصين، وهي النمو، الذي لم يتجاوز 0.1% خلال الأشهر الثلاثة حتى سبتمبر.
ويرافق رئيس الوزراء عدد من كبار التنفيذيين في مؤسسات مالية كبرى في لندن، بينها "إتش إس بي سي" HSBC و"ستاندرد تشارترد" Standard Chartered و"شرودرز" Schroders و"مجموعة بورصة لندن"، إلى جانب شركة الأدوية "أسترازينيكا"، ومصنع السيارات "جاجوار لاند روفر"، ومزود الطاقة "أوكتوبس" Octopus Energy، وشركة "برومبتون" Brompton Bicycle المصنعة للدراجات القابلة للطي.
وقال المصدر المطلع على خطط الزيارة، إن أولوية "داونينج ستريت" ستكون العودة بـ"خبر يُثير اهتمام وسائل الإعلام". فالاقتصاد هو محور الاهتمام الطاغي.
وبينما ناقش مسؤولون السعي لتحقيق مكسب سياسي، مثل رفع الصين العقوبات التي فرضتها على نواب بريطانيين في عام 2021، قال مسؤول بريطاني إنهم باتوا يرون ذلك غير مرجح.
وتوقع 5 أشخاص مطلعين على التخطيط للزيارة عدداً كبيراً من الصفقات والحوارات ومذكرات التفاهم، لكنها ستتركز إلى حد كبير في مجالات ذات مخاوف أقل على صعيد الأمن القومي.
ومن المرجح أن تشمل هذه المجالات العمل المشترك في الطب والصحة وعلوم الحياة، والتعاون في علوم المناخ، وتسليط الضوء على برامج تعليم اللغة الصينية (الماندرين)، وفق ما أفاد به هؤلاء.
ويعمل المسؤولون أيضاً على الاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية، والسفر دون تأشيرة للإقامات القصيرة، في حين تضغط الشركات من أجل توسيع تراخيص العمل المصرفي والتأمين للشركات البريطانية العاملة في الصين.
وفي الوقت نفسه، يُرجح أن تحاول بريطانيا إقناع بكين بخفض الرسوم الجمركية على الويسكي الاسكوتلندي، التي تضاعفت في فبراير 2025.
وتوقع مسؤول بريطاني سابق شارك في آخر زيارة لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين، قامت بها تيريزا ماي في 2018، أن تكون جميع الصفقات "منجزة بنسبة 100 أو 99%، وسارية، وأن يكون لدى مقر رئاسة الوزراء رقم محدد جاهز للإعلان".
"مهمة شاقة"
مع ذلك، اتفق الأشخاص الخمسة جميعهم على أنه من غير المرجح التوصل إلى اتفاق في مجالات البنية التحتية الثقيلة للطاقة، بما في ذلك تكنولوجيا توربينات الرياح، التي قد تجعل بريطانيا عرضة للمخاطر الصينية.
وحتى الآن لم تحسم بريطانيا قرارها بشأن السماح لشركة "مينج يانج" الصينية Mingyang Smart Energy باستثمار 1.5 مليار جنيه إسترليني في مزرعة رياح قبالة سواحل اسكتلندا.
وبينما وافق كارني على تخفيف الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية، قال ثلاثة من الأشخاص الخمسة المطلعين على التخطيط للزيارة إن أي تعاون عميق في تكنولوجيا السيارات الكهربائية من المرجح أن يكون خارج طاولة المفاوضات.
وتوقع أحدهم: "لن تكون هذه لحظة مماثلة لما حدث في كندا. لا أتوقع أننا سنفتح الأبواب على مصراعيها أمام السيارات الكهربائية".
وقال المصدر الأول المطلع على التخطيط إن بريطانيا تحاول الالتزام بـ"المجالات الآمنة" في أي صفقات. وأضاف المصدر الثاني: "أعتقد أنهم يتجهون إلى المجالات الهادئة، اللطيفة قليلاً".
ولدى بريطانيا أسباب وجيهة للحذر، إذ طالما وُجهت اتهامات إلى جماعات مرتبطة بالصين بالقرصنة والتجسس، بما في ذلك استهداف نواب وبرلمان البلاد واللجنة الانتخابية.
وشهدت وستمنستر، في ديسمبر 2025، عناوين بارزة حول انهيار قضية ضد رجلين كانا متهمين بالتجسس لصالح الصين. وكانت شركة "هواوي" الصينية قد مُنعت من المساعدة في بناء شبكة الجيل الخامس البريطانية عام 2020 بعد ضغوط من ترمب.
وحتى الآن، تعمل أجهزة الأمن البريطانية على إجراءات تخفيف المخاطر المتعلقة بكابلات الاتصالات قرب برج لندن، التي تمر بالقرب من حدود موقع السفارة الصينية المقترحة، والتي نالت موافقة التخطيط الأسبوع الماضي.
وقال أندرو سمول، مدير برنامج آسيا في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، وهو مركز أبحاث في لندن يعمل في قضايا السياسة الخارجية والأمن: "الجدل الحالي حول كيفية زيادة دور الصين بأمان في إمدادات الطاقة الخضراء في بريطانيا، لا سيما عبر طاقة الرياح، يعيد إلى الأذهان بقوة ملف الجيل الخامس، ويثير قلقاً أكبر لدى الجانب الأميركي مقارنة بقرار السفارة".
تفادي "استفزاز" ترمب
وقال ثالث الأشخاص الخمسة المطلعين على التخطيط إن ستارمر وفريقه "لا يريدون استفزاز الأميركيين" قبل زيارة ترمب المقررة في أبريل. وأضاف: "إنهم يتحركون بحذر شديد... فإذا أعلنوا عن حوار جديد حول سياسة الأمم المتحدة أو أي أمر آخر يمكن أن يخطر ببالهم، فقد يُفسر ذلك على أنه هجوم على إدارة ترمب".
وتجعل هذه العوامل مجتمعة طريق ستارمر نحو تحقيق "انتصار" ضيقاً، بحسب تاليا بيترسون، الباحثة في شؤون الصين في "تشاتام هاوس".
وقالت بيترسون: "لن يعيد ستارمر ضبط العلاقة في زيارة واحدة، ولن يفتح الباب أمام استثمارات صينية واسعة النطاق في البنية التحتية الأساسية لبريطانيا".
وقال سمول إن الشركات الأجنبية تتعرض للتضييق في السوق الصينية، وإن شي "يستغل" الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. وأضاف: "من المرجح أن تقدم بكين تنازلات طفيفة للغاية في مجالات مثل الخدمات المالية، لا تتجاوز كونها هامشاً ضئيلاً في الحجم الاقتصادي".
وتدرك وزيرة الخزانة البريطانية، راشيل ريفز، مرارة ذلك. فقد سُخر من عودتها باتفاقات لا تتجاوز قيمتها 600 مليون جنيه إسترليني من زيارتها للصين قبل عام. ووصف وزير محافظ سابق هذا الرقم بأنه "إهانة متعمدة" من جانب الصين.
وحتى بعد حصد المكسب الكبير، يبقى خطر انهياره قائماً عند الوصول. فقد أعلن كارني أن كندا والصين ستوسعان السفر دون تأشيرة، قبل أن يقول السفير الصيني في أوتاوا إن الخطوة لم تُعتمد رسمياً بعد. ومع ذلك، أبدت الشركات حماساً لإعادة انخراط ستارمر.
وقالت راين نيوتن-سميث، المديرة العامة لاتحاد الصناعات البريطانية، إن الشركات تشعر بالقلق إزاء الاعتماد على المعادن الأرضية النادرة الصينية، لكنها أضافت: "إذا قمت بتتبع سلاسل التوريد من أي مكان، فإن فكرة الانفصال عن الصين مستحيلة. المسألة تتعلق بكيفية تيسير هذه التجارة بأفضل طريقة".













