قبل محادثات مرتقبة الأحد.. روسيا تصعد ضرباتها على أوكرانيا | الشرق للأخبار

قبل محادثات مرتقبة الأحد.. روسيا تصعد ضرباتها العسكرية على أوكرانيا

time reading iconدقائق القراءة - 10
رجال الإطفاء  يعملون في منشأة تابعة لشركة صناعية تعرضت لهجوم جوي روسي بطائرة مسيرة في أوديسا. 29 يناير 2026 - Reuters
رجال الإطفاء يعملون في منشأة تابعة لشركة صناعية تعرضت لهجوم جوي روسي بطائرة مسيرة في أوديسا. 29 يناير 2026 - Reuters
دبي -

بينما يستعد المفاوضون لجولة جديدة من المحادثات، التي ترعاها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لا تزال موسكو وكييف عالقتين عند الخلافات الجوهرية نفسها التي حدّدت مسار النزاع منذ اندلاعه، فيما تواصل روسيا تصعيد ضرباتها العسكرية على عدة مدن أوكرانية، بما فيها أوديسا والعاصمة كييف.

وقصفت القوات الروسية الأربعاء، مدناً عدة في أنحاء أوكرانيا بطائرات مسيّرة وصاروخ، ما أودى بحياة شخصين قرب العاصمة كييف، وذلك بعد يوم واحد فقط من مصرع خمسة أشخاص في هجوم استهدف قطاراً للركاب، وفق "الجارديان".

وأدان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الهجوم على مبنى سكني، إضافة إلى ضربة أخرى بصواريخ قصيرة المدى استهدفت، بحسب قوله، منطقة سكنية بلا أهداف عسكرية في مدينة زابوريجيا جنوب البلاد، متعهداً بـ"الرد بشكل عادل" على هذه الهجمات. كما طالت الضربات الروسية مدناً أخرى، بينها أوديسا الساحلية وكريفي ريه في وسط البلاد.

ويأتي هذا التصعيد الميداني، بينما تستعد الأطراف لجولة جديدة من المحادثات. وقال زيلينسكي، الاثنين الماضي، إن فريقه التفاوضي قد يلتقي الروس والأميركيين، الأحد المقبل، فيما أوضح وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، أن الرئيس الأوكراني مستعد للجلوس مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لكنه أقرّ بأن "القضايا الأكثر حساسية لم تُحل بعد"، حسبما نقلت مجلة "بوليتيكو". 

وقبيل محادثات عُقدت نهاية الأسبوع الماضي في الإمارات، قال المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، إن الخلافات اختُصرت إلى مسألة واحدة "قابلة للحل". ومن دافوس، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين إنه يعتقد أن التوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا بات "قريباً إلى حد معقول". 

ومع ذلك، تعثرت المحادثات بين موسكو وكييف في أبوظبي، عند ثلاث قضايا تقع في صميم النزاع: مطالبة روسيا بأراضٍ أوكرانية، ومستقبل الضمانات الأمنية لأوكرانيا، ومسألة ما إذا كان القتال يجب أن يتوقف قبل التوصل إلى اتفاق أو بعده. 

معضلة دونباس

يُرجَّح أن تكون المسألة المتبقية التي كان ويتكوف يشير إليها، هي مصير إقليم دونباس في شرق أوكرانيا، والذي يصفه مطلعون بـ"القضية الإقليمية". 

وعلى الرغم من أن روسيا لم يعد بوسعها الأمل في السيطرة على أوكرانيا بأكملها في أي وقت قريب، فإن الرئيس الروسي لا يزال يسعى إلى الحصول، في أقل تقدير، على كامل إقليم دونباس، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها موسكو سابقاً. 

وتقترح موسكو إطاراً تسميه "صيغة أنكوريج"، في إشارة إلى التفاهمات بين الرئيسين الأميركي والروسي في قمة ألاسكا في أغسطس 2025، تلتزم بموجبه أوكرانيا بالتنازل عن كامل دونباس، بما في ذلك المناطق التي عجزت روسيا عن السيطرة عليها. ويقول الكرملين إن هذا ما اتفق عليه بوتين وترمب عندما التقيا في ألاسكا العام الماضي.  لكن كييف ترى أن التنازل عن أراضٍ سيكون غير قانوني، وغير مقبول شعبياً على نطاق واسع.

وفيما قال زيلينسكي إنه مستعد للنظر في سيناريو تُجرَّد فيه المنطقة من السلاح وتُصنَّف "منطقة اقتصادية حرة" مع بقائها رسمياً جزءاً من أوكرانيا، أوضحت موسكو أن ذلك لا يكفي.

وبعد زيارة ويتكوف الأخيرة إلى موسكو، جدد مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، موقف الكرملين، قائلاً إن "التوصل إلى تسوية طويلة الأمد لا يمكن توقعه من دون حل القضية الإقليمية"، مُصراً مرة أخرى على أن إحراز تقدم في المحادثات يتوقف على حصول موسكو على كامل دونباس.

اقرأ أيضاً

بعد قمة ترمب وزيلينسكي.. روسيا تشترط انسحاب أوكرانيا من دونباس لوقف القتال

قال الكرملين إن على أوكرانيا سحب قواتها من دونباس لوقف القتال، فيما أشار فولوديمير زيلينسكي إلى أن السيطرة على دونباس لا تزال دون حسم في خطة السلام.

وأقر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأربعاء، بحالة الجمود بشأن دونباس. وقال أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ: "لا تزال جسراً يتعين علينا عبوره. لا تزال فجوة، لكننا على الأقل نجحنا في تضييق نطاق القضايا إلى مسألة مركزية واحدة، وستكون على الأرجح صعبة جداً". 

ويبرز خلاف آخر حول الجهة التي ينبغي أن تدير محطة زابوريجيا للطاقة النووية، الأكبر في أوروبا، والقريبة من خط الجبهة، والخاضعة حالياً لسيطرة روسيا. 

ويريد زيلينسكي أن تُدار المحطة بشكل مشترك بين أوكرانيا والولايات المتحدة، بينما تسعى موسكو إلى أن تكون طرفاً في أي اتفاق، مقترحةً تقاسم السيطرة مع واشنطن، أو ربما مع كييف. 

الضمانات الأمنية

تُطرح أيضاً مسألة ما يُعرف بـ"الضمانات الأمنية"، أي الدعم الذي تتعهد دول أخرى بتقديمه لأوكرانيا في حال أقدمت روسيا على محاولة جديدة لغزو شامل. 

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، اتفقت بريطانيا وفرنسا على نشر قوات في أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وأشاد ويتكوف بالخطة الأمنية، واصفاً إياها بأنها "الأقوى على الإطلاق"، لكنه بقي غامضاً بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة نفسها للدفاع عن أوكرانيا. 

ووفق تقرير نشرته "فاينانشيال تايمز"، الثلاثاء، ربطت إدارة ترمب تقديم الضمانات الأمنية بعد الحرب بتخلي أوكرانيا عن دونباس، وهو ما نفاه البيت الأبيض. 

وتتصور الخطة الأميركية، المكونة من 20 نقطة، انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2027. ويتضمن الانضمام إلى الاتحاد بنداً يدعو الدول الأعضاء إلى الدفاع المتبادل في حال التعرض لغزو. وقد بدأ الاتحاد محادثات مع أوكرانيا بشأن العضوية، لكنه لم يحدد موعداً لذلك. 

وفي المقابل، شددت موسكو على أنها لن تقبل بوجود قوات من دول حلف شمال الأطلسي "الناتو" في أوكرانيا، مطالبةً بدلاً من ذلك بما تسميه "ضماناتها الأمنية" الخاصة. 

ويقول الكرملين إنه لن يشعر بالأمان إلا عندما يُستبعد نهائياً انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وعندما يُحدَّد سقف قوام الجيش الأوكراني عند 600 ألف جندي بدلاً من نحو 800 ألف حالياً، وعندما تُمنح موسكو حق نقض فعلي على أي قرارات مستقبلية تتعلق بدفاع أوكرانيا. 

وقف إطلاق النار 

لكن بالنسبة للأوكرانيين العاديين، تبقى المسألة الأكثر إلحاحاً هي وقف إطلاق النار. وتطالب كييف بوقف فوري للأعمال القتالية، بينما تصر موسكو على ضرورة التوصل إلى اتفاق أولاً قبل النظر في أي هدنة. 

وقال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس بوتين، بعد زيارة ويتكوف إلى موسكو، إن "روسيا ستواصل السعي بثبات لتحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة"، مستخدماً التعبير الذي يعتمده الكرملين لوصف الحرب، إلى أن يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق. 

وتواصل الصواريخ الروسية قصف أوكرانيا يومياً، ما يشل شبكة الكهرباء ويدفع مئات الآلاف إلى الظلام ودرجات حرارة شتوية تحت الصفر. واتهم زيلينسكي موسكو، الأربعاء الماضي، بـ"الإرهاب" بعد أن أصابت طائرة مُسيرة روسية قطار ركاب، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص. 

خلافات جوهرية 

ويبدو أن روسيا وأوكرانيا حريصتان على إظهار تعاونهما للرئيس الأميركي، وفق "بوليتيكو". وقال المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، للصحافيين، الأربعاء، إن "مناقشة مجموعة كاملة من القضايا المعقدة على مستوى الخبراء يمكن اعتبارها تقدماً وبداية لحوار". 

وحتى ديسمبر الماضي، هددت روسيا بمراجعة مشاركتها في عملية السلام، بعدما قالت إن أوكرانيا هاجمت أحد مقار إقامة بوتين بعدة طائرات مُسيرة، وهي تهمة نفتها كييف سريعاً، وتعرضت لتشكيك واسع، بما في ذلك من الاستخبارات الأميركية. 

وأعرب المحلل السياسي الأوكراني، فولوديمير فيسينكو، عن تفاؤل حذر، قائلاً إن "مجرد مناقشة الجوانب الفنية المختلفة يُعد تطوراً إيجابياً". 

لكن محللين شددوا على وجود فارق حاسم بين طرفي النزاع. ففي حين تُبدي أوكرانيا استعداداً لتقديم تنازلات، تكتفي روسيا بالمماطلة مع التمسك بهدفها الأصلي المتمثل في إخضاع أوكرانيا، بحسب مجلة "بوليتيكو". 

وقالت تاتيانا ستانوفايا، مؤسسة شركة "آر بوليتيك" للاستشارات السياسية المتخصصة في الشأن الروسي، إن بوتين "أصبح مهووساً بهذه الحرب وبحاجته الملحّة إلى كسر أوكرانيا". وأضافت: "يعتقد أنها مسألة مقدسة ووجودية، وإذا بدأ بتقديم تنازلات فستُدمر روسيا". 

وأضافت أن إصرار روسيا على الحصول على كامل دونباس "ليس سوى تكتيك للمماطلة". 

وقالت: "إنها لعبة من الجانب الروسي، يوافقون فيها على الحديث عن تسوية سلام مفترضة بينما يقصدون شيئاً مختلفاً تماماً. يمكنهم التحدث لساعات، لكن ذلك لا يمت بصلة إلى الواقع".

وفي المقابل، لا يبدو واضحاً ما إذا كان زيلينسكي قادراً، حتى لو كان مستعداً للتخلي عن دونباس، على تمرير مثل هذا الاتفاق عبر العملية السياسية الداخلية. 

ولوّح الرئيس الأوكراني بفكرة إجراء استفتاء حول القضية، أو حتى انتخابات وطنية، لكنه شدد على ضرورة التوصل إلى وقف لإطلاق النار أولاً. 

وتُظهر استطلاعات الرأي أن الأوكرانيين مستعدون لقبول نوع من الاتفاق العادل، لكن ثقتهم ضعيفة في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة. 

وقال فيسينكو: "في العام الماضي، كانت لا تزال هناك آمال كبيرة في أن يساعد ترمب على إنهاء الحرب. أما الآن، فلم تعد كذلك".  وأشار أيضاً إلى وجود سقف لما يمكن أن يكون الرئيس الأوكراني مستعداً لتقديمه من تنازلات.  وقال: "يريد زيلينسكي أن يُسجَّل في التاريخ باعتباره الرئيس الذي أنقذ أوكرانيا، لا الرئيس الذي خسر الحرب". 

تصنيفات

قصص قد تهمك