
تعود المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة مجدداً، مع انطلاق جولة جديدة تستضيفها سلطنة عُمان، من المتوقع أن تشهد لقاءً مباشراً بين وفدي البلدين، وذلك في ظل مناخ إقليمي شديد التعقيد، يتزامن مع تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب باللجوء إلى عمل عسكري.
انطلقت المفاوضات، الجمعة، من بوابة ملف طهران النووي، إلا أن الولايات المتحدة تصر على أن تشمل قضايا خلافية أخرى ليست أقل تعقيداً، على غرار البرنامج الصاروخي الإيراني، والدور الإقليمي لطهران عبر شبكة من الحلفاء الإقليميين. وهي ملفات لطالما شكّلت جوهر التوتر بين الجانبين، وحددت مسار العلاقة المتأرجحة بينهما خلال العقود الماضية، لكن طهران تؤكد أن المفاوضات ستقتصر فقط الملف النووي ورفع العقوبات.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال حول قدرة هذه الجولة التفاوضية بين واشنطن وطهران على احتواء جميع هذه القضايا الخلافية، أو ما إذا كانت ستقتصر على معالجة أحدها دون سواها.
الملف النووي الإيراني
بدأ برنامج إيران النووي بدعم غربي، في عهد الشاه خلال خمسينيات القرن الماضي، عندما وقّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقية تعاون نووي مدني في إطار برنامج "الذرة من أجل السلام" الأميركي، قبل أن يتوقف بعد الثورة الإسلامية في عام 1979، ثم استئنافه تدريجياً خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع مطلع الألفية الثالث، تصاعدت المخاوف الدولية من طابع البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً بعد الكشف عن منشآت غير معلنة، ما أدى إلى فرض عقوبات دولية مشددة. وفي 2003 أفاد تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأن إيران لم تمتثل لالتزاماتها بموجب اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية بعد الكشف عن قيامها بأنشطة نووية سرية.
وتمنح هذه المعاهدة، إيران، الحق في برنامج للطاقة النووية مدنية، لكن تمنعها من استخدام التكنولوجيا النووية لأغراض عسكرية.
في عام 2015، توصلت القوى الغربية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ألمانيا)، إلى جانب الصين وروسيا، إلى اتفاق مع إيران يقيد أنشطتها النووية ويخفف العقوبات، في ما عُرف بخطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA (الاتفاق النووي)، التي نصت على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.67%، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، وإخضاع المنشآت النووية لرقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وكانت تنفيذ تلك البنود شرطاً لرفع العقوبات الاقتصادية عن الإيران.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى في عام 2018، انسحاب بلاده من الاتفاق، إذ اعتبر أن الاتفاق الذي أبرمته إدارة سلفه السابق باراك أوباما، "لا يقيّد برنامج الصواريخ الباليستية ولا يحد من النفوذ الإقليمي الإيراني". أعقب ذلك إعادة فرض عقوبات خانقة ضمن سياسة "الضغط الأقصى. وفي عهد الرئيس السابق جو بايدن، استؤنفت المحادثات غير المباشرة، لكن دون إحراز تقدم يذكر.
ردّت طهران تدريجياً بتجاوز التزاماتها، فرفعت نسب التخصيب بدرجة نقاء 60%، وهي نسبة قريبة من 90% الازمة لصنع سلاح نووي. كما وسّعت مخزون اليورانيوم المخصب، وقلّصت التعاون مع المفتشين الدوليين.
وبعد عودة ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025، هدد بالتصعيد العسكري تجاه طهران، إذا لم توافق على إبرام اتفاق نووي جديد. وفشلت عدة جولات من المحادثات في التوصل إلى اتفاق. بينما أصرّت إيران على أن سلمية برنامجها النووي.
في يونيو الماضي 2025، تعرّضت منشآت إيران النووية لضربات أميركية - إسرائيلية، استهدفت بنى تحتية حساسة. ورغم إعلان واشنطن وتل أبيب إلحاق "أضرار كبيرة"، فإن تقارير متعددة أشارت إلى أن البرنامج لم يُدمَّر بالكامل، بل تعرّض لانتكاسة مؤقتة، نظراً لتوزيع المنشآت تحت الأرض.
وتتمحور الخلافات اليوم حول نسبة تخصيب اليورانيوم التي وصلت إلى مستويات تقترب من عتبة الأغراض العسكرية، وسط شكوك أميركية وإسرائيلية، بأن إيران باتت تمتلك القدرة التقنية لإنتاج سلاح نووي خلال فترة قصيرة.
ومن بين المسائل التي باتت تُطرح، نقل أو معالجة اليورانيوم الإيراني خارج البلاد، مع استعداد روسي معلن للمشاركة في تخصيبه وإعادة تزويد إيران بكميات تكفي للأغراض السلمية، في محاولة لطمأنة الغرب ومنع الانزلاق نحو الخيار العسكري.
البرنامج الصاروخي الإيراني
بدأ البرنامج الصاروخي الإيراني خلال الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، في سياق سعي طهران إلى بناء قدرات ردع تعوّض النقص في سلاحها الجوي.
وعلى مدى العقود اللاحقة، شهد هذا البرنامج تطوراً ملحوظاً، ليشمل منظومة واسعة من الصواريخ القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، إلى جانب الصواريخ الباليستية ذات دقة أعلى، وصواريخ كروز، إضافة إلى الطائرات المسيّرة التي باتت تشكّل جزءاً أساسياً من القدرات العسكرية الإيرانية. وتُعد هذه الترسانة اليوم ركناً مركزياً في العقيدة الدفاعية الإيرانية، التي تقوم على الردع ومنع نقل المواجهة إلى الداخل الإيراني.
وبرز الدور العسكري والسياسي لهذه الصواريخ خلال فترات التصعيد الأخيرة، ولا سيما في سياق الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية، حيث استُخدمت صواريخ ومسيّرات في استهداف مواقع داخل إسرائيل لأول مرة في 2024، حيث شكّلت تلك الضربات اختباراً لأنظمة الدفاع الإسرائيلية وأسفرت عن وقوع خسائر مادية وبشرية.
وشبّهت إسرائيل خطر صواريخ إيران ببرنامجها النووي. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يناير الماضي، إن "محاولة إيران تطوير أسلحة نووية" وامتلاك "20 ألف صاروخ باليستي" تشبه "ورمين سرطانيين".
وفي المسار الدبلوماسي، يشكّل البرنامج الصاروخي أحد أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. إذ تصرّ واشنطن، بدعم من إسرائيل، على إدراج هذا الملف ضمن أي اتفاق مستقبلي، معتبرة أن القدرات الصاروخية الإيرانية تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة.
وقال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن المحادثات الجادة يجب أن تشمل "مدى صواريخهم الباليستية".
في المقابل، ترفض طهران إدراج هذا الملف في جدول المفاوضات، مؤكدة أن برنامجها الصاروخي "شأن سيادي غير قابل للتفاوض"، وأنه "عنصر دفاعي أساسي"، فضلاً عن كونه "يشكّل تعويضاً استراتيجياً عن محدودية قدرات سلاحها الجوي".
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 30 يناير الماضي: "قدرات إيران الدفاعية والصاروخية.. وصواريخ إيران.. لن تكون أبدا موضوعا لأي مفاوضات".
وكلاء إيران في الشرق الأوسط
على مدى عقود، تبنّت إيران سياسة تقوم على توسيع نفوذها خارج حدودها، فيما عُرف بـ"تصدير الثورة"، مستندة إلى مزيج من الدعم المالي والعسكري والعقائدي.
واستطاعت طهران بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين، شكّلت أحد أبرز أدوات سياستها الخارجية، ومكّنتها من تعزيز حضورها في عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط.
وامتد هذا النفوذ إلى عدة ساحات رئيسية، من العراق عبر فصائل مسلحة لعبت أدواراً سياسية وأمنية، إلى سوريا حيث دعمت إيران نظام الرئيس السابق بشار الأسد عسكرياً وسياسياً، مروراً بلبنان عبر "حزب الله" الذي يُعد أبرز أذرعها الإقليمية، وصولاً إلى اليمن من خلال دعم جماعة الحوثي، إضافة إلى الساحة الفلسطينية.
وقد مكّنت هذه الشبكة إيران، من امتلاك أوراق ضغط متعددة في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، لكنها اتُّهمت بالتورط في تعقيد الأزمات الإقليمية وزعزعة الاستقرار، وأدخلت نفسها في صدامات مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
غير أن شبكة الوكلاء الإقليميين هذه تعرضت لضربات قاسية عقب هجوم7 أكتوبر 2023، وما تلاه من تصعيد واسع في المنطقة. فقد تراجع نفوذ حركة "حماس" في قطاع غزة، وشهدت سوريا تحولات كبرى مع سقوط نظام الأسد. وفي لبنان، تعرض "حزب الله" لضربات أضعفت قدراته، وطالت الفصائل العراقية الموالية لإيران تهديدات ومحاولات لتحجيم دورها، بينما تعرض الحوثيون في اليمن لضربات أميركية وإسرائيلية مكثفة.
ورغم هذه الخسائر المتتالية، لم ينتهِ النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل كامل، إذ لا تزال شبكات الوكلاء قائمة، وإن كانت بقدرات أضعف وتأثير أقل مقارنة بالسنوات السابقة، ما يجعل هذا الملف حاضراً بقوة في أي مفاوضات.















