
في خضم جدل سياسي حول تشكيل الحكومة في العراق، دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، إلى إعادة النظر في تفسير المادة 76 لسنة 2005 الخاصة بـ"الكتلة النيابية"، عبر "ربط الكتلة الأكبر بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة".
وحذر زيدان، في بيان نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، من أن "الخطأ في تفسير النصوص الدستورية لا يقتصر على خلاف قانوني، بل قد يتحول إلى أزمة تمس استقرار النظام السياسي، وثقة المواطنين بالمؤسسات".
وجاءت دعوة زيدان في وقت لا يزال فيه المشهد السياسي العراقي يعيد ترتيب أوراقه بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 11 نوفمبر 2025.
وأسفرت هذه الانتخابات عن فوز "ائتلاف الإعمار والتنمية"، بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بأكبر عدد من مقاعد مجلس النواب.
في المقابل، يمثل "الإطار التنسيقي" الكتلة النيابية الأكبر داخل البرلمان، ويقود حالياً مشاورات لتشكيل الحكومة، في ظل مفاوضات مستمرة مع القوى السنية والكردية بشأن توزيع المناصب الدستورية الرئيسية، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النواب.
التفسير الدستوري للمادة 76
وأضاف زيدان أن التفسير الدستوري ليس إجراءً فنياً بحتاً، بل فعل تأسيسي ينعكس على كيان الدولة بأكمله، حسبما ذكرت الوكالة.
وأوضح أن "الخطأ في التفسير لا يعني مجرد اختلاف في الرأي، أو تنوعاً في المدارس الفقهية، بل يتمثل في الابتعاد عن روح الدستور ومقاصده، أو تحميل النص ما لا يحتمل من معان، أو إغفال السياق التاريخي والسياسي الذي نشأ فيه".
وحذر من أن "الاجتهاد غير المنضبط، خصوصاً إذا تلاقى مع مصالح سلطة معينة، قد يُفسَّر على أنه انحياز سياسي، بما يهدد الثقة باستقلال القضاء الدستوري ونزاهته".
الكتلة الفائزة أم التحالفات؟
يتركز الجدل حول المادة (76) من الدستور العراقي لعام 2005، التي تنص على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" بتشكيل الحكومة خلال مدة محددة.
غير أن الخلاف برز بشأن تحديد المقصود بهذا المصطلح: هل هي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات، أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟
ويشير زيدان إلى تفسير سابق للمحكمة الاتحادية العليا، في 25 مارس 2010، لمادة "الكتلة النيابية الأكثر عدداً"، بأنها قد تكون الكتلة التي خاضت الانتخابات باسم واحد، وحصدت أعلى المقاعد، أو الكتلة التي تتشكل من قائمتين، أو أكثر داخل الجلسة الأولى لمجلس النواب، وتصبح الأكثر عدداً.
"إشكاليات دستورية"
ويرى زيدان أن هذا التفسير أثار إشكاليات دستورية، إذ فتح الباب أمام تحالفات لاحقة قد تغيّر الخريطة السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، "ما ينعكس على مبدأ المشروعية الشعبية"، بحسب تعبيره.
كما أسهم التفسير نفسه في إطالة أمد مفاوضات تشكيل الحكومات، بعد انتخابات أعوام 2010، و2018، و2021، و2025، ودفع نحو أزمات سياسية متكررة، وفق زيدان.
وأشار إلى أن "التوسع في فهم النص الدستوري قد يحوّل الدور التفسيري إلى دور إنشائي، يتجاوز حدود الاختصاص، بحيث لا يقتصر على شرح النص، بل ينشئ قاعدة دستورية جديدة لم ينص عليها صراحة".
ودعا زيدان إلى معالجة الإشكال عبر أحد ثلاثة مسارات: تعديل دستوري صريح يحدد مفهوم الكتلة الأكبر بصورة لا تقبل التأويل، أو تعديل قانون مجلس النواب بما يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر رسمياً في الجلسة الأولى ومنع تغيير صفتها لاحقاً، أو إعادة نظر قضائية في التفسير السابق بما يربط المفهوم بنتائج الانتخابات مباشرة.
ويتزامن هذا الجدل الدستوري، حول مفهوم "الكتلة الأكبر"، مع ضغوط إقليمية ودولية تلقي بظلالها على خيارات "الإطار التنسيقي" في اتخاذ القرار النهائي بشأن تسمية رئيس الوزراء المقبل، وخاصة بعد الخلاف المحتدم حول ترشيح نوري المالكي للمنصب السياسي الرفيع، ما يزيد من تعقيد مفاوضات تشكيل الحكومة.









