أولاف شولتز.. مقاتل انتخابي ومفاوض ائتلافي وخليفة محتمل لميركل

time reading iconدقائق القراءة - 9
مرشح الحزب الاشتراكي في الانتخابات الألمانية، أولاف شولتز ، خلال مؤتمر صحافي في برلين - 12 مايو 2021 - Bloomberg
مرشح الحزب الاشتراكي في الانتخابات الألمانية، أولاف شولتز ، خلال مؤتمر صحافي في برلين - 12 مايو 2021 - Bloomberg
دبي – إيلي هيدموس

قبل أسبوعين من الانتخابات العامة، تستعد ألمانيا لتشهد تحوّلاً ربما لم يتوقّعه الشخص الذي يجسّد هذا الأمر، وزير المالية أولاف شولتز، الذي ترجّح استطلاعات الرأي أن يقود الحزب الاشتراكي إلى الفوز في الاقتراع، المرتقب في 26 من الشهر الجاري.

ويخلف الفائز أنجيلا ميركل التي طغت على المشهد السياسي في ألمانيا طيلة 16 سنة، منذ انتخابها في عام 2005، ما يوضح حجم التحدي الذي يواجهه شولتز، والذي تفيد كل المؤشرات بأنه سيخرج من الانتخابات فائزاً، منهياً هيمنة تحالف حزبَي "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" و"الاتحاد الاجتماعي المسيحي" المحافظ، الذي يحكم ألمانيا منذ عقود.

خلال المناظرة التلفزيونية الثانية للمرشحين الأحد، التي جمعت شولتز، ومرشح المحافظين أرمين لاشيت و"حزب الخضر" أنالينا بيربوك، سعى لاشيت للاستفادة من تفتيش مدعين ألمان وزارة المال الخميس الماضي، في إطار تحقيق بشأن مكافحة تبييض الأموال.

وقال مرشح المحافظين لنظيره الاشتراكي: "لو أن وزير المال لديّ فعل مثلك، لواجهنا مشكلة خطرة".

وأفادت وكالة "بلومبرغ" الأميركية، بأن شولتز "تحدث بنبرة رجل دولة"، في تصدّيه لهجمات لاشيت، مذكّراً بأنه وسّع الوحدة الخاصة بمكافحة تبييض الأموال في الوزارة.

واعتبرت الوكالة أن شولتز "أحدث تحوّلاً في صورته بألمانيا، في الأشهر الـ 18 الماضية، بوصفه واجهة عامة لبرنامج مساعدات واسع، ساهم في الحفاظ على الاقتصاد أثناء تفشّي فيروس كورونا المستجد، واعتمد نهجاً حذراً بشأن الشؤون المالية للبلاد"، إذ رفض خفض الضرائب على الشركات، معتبراً أنه على الألمان الأكثر ثراءً دفع المزيد للمساهمة في تمويل المدارس والشرطة.

وانتقد لاشيت اقتراح خصمه، منبّهاً إلى أن "رفع الضرائب سيكون خطوة خاطئة في هذه المرحلة من اقتصادنا".

كذلك ندّد برفض شولتز استبعاد ضمّ حزب "اليسار" إلى تحالف محتمل مع الاشتراكيين و"حزب الخضر"، إذ أن الحزب انبثق عن الحزب الشيوعي السابق لألمانيا الشرقية.

"الخيار الأقلّ سوءاً"

"بلومبرغ" لفتت إلى أن شولتز "تجنّب (ارتكاب) أخطاء، حتى مع استمرار تخبّط منافسيه في الأحزاب الأخرى"، مضيفة أن "الألمان قرروا أنه الخيار الأقلّ سوءاً".

أما وكالة "أسوشيتد برس" فاعتبرت أن كثيرين يرون في شولتز "مرشّح الاستمرارية، على الرغم من انتمائه إلى حزب مختلف عن ميركل".  

وأشارت إلى أنه "نصّب نفسه كزعيم يبني على الشعور بالتضامن الذي شهدته (ألمانيا) خلال الجائحة، من خلال رفع الحدّ الأدنى للأجور وضمان معاشات تقاعدية مستقرة لعقود، جزئياً من خلال إعادة فرض ضريبة الثروة على أغنى أغنياء ألمانيا".

صحيفة "نيويورك تايمز" رأت أن أبرز مرشحَين في السباق، في إشارة إلى شولتز ولاشيت، يفتقران إلى الكاريزما، مستدركة أن "الألمان يحبّون ذلك". ووصفت المرشّح الاشتراكي بأنه "تكنوقراطي وسياسي مخضرم، يمكن أن يبدو أشبه بروبوت".

وذكّرت الصحيفة بقوله: "معظم المواطنين يدركون مَن أنا"، مستحضراً بذلك عبارة شهيرة أدلت بها ميركل للناخبين في عام 2013: ​​"أنتم تعرفونني".

وأضافت أن مجلة "دير شبيجل" الألمانية نشرت مؤخراً نبذة شخصية عن شولتز، بعنوان "أنجيلا الثانية"، خصوصاً لأنه "حاول جاهداً إتقان فنّ تجسيد هالة المستشار، في الاستقرار والهدوء".

"نسخة عن ميركل"

ونقلت الصحيفة عن جون كورنبلوم، وهو سفير أميركي سابق في ألمانيا، يقيم في برلين بشكل متقطّع منذ ستينات القرن العشرين، قوله: "يحاول شولتز أن يكون نسخة عن ميركل... الرجل الذي يحبّه الجميع أكثر من غيره، هو الأكثر مللاً في الانتخابات، وربما في البلاد. إنه يجعل مشاهدة الماء يغلي، تبدو مثيرة".

أما يان بومرمان، وهو مقدّم برامج تلفزيونية وممثل كوميدي شهير، فذكّر بتسلّم الزعيم النازي أدولف هتلر الحكم، في انتخابات حرة عام 1933، معتبراً أن هذه الذكرى قولبت ديمقراطية ما بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا بطرق مختلفة، "ومن ضمنها أن الكاريزما ممنوعة في السياسة".

وإذا كانت الكاريزما ممنوعة، فإن شولتز يتسلّح بالبراجماتية، كما أفادت وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، مذكّرة بأن الحزب الاشتراكي عانى من أسوأ نتيجة انتخابية في تاريخه، في عام 2017، بنيله 20.5% من الأصوات، ومعتبرة أن شولتز "كان بمثابة الوجه الهادئ لحزب في أزمة" بعد تلك الانتخابات، بما في ذلك فترة شهرين كزعيم مؤقت للحزب.

وبعدما بدأ حياته السياسية يسارياً متشدداً، بات شولتز الآن معتدلاً والسياسي الأكثر شعبية في الحزب، رغم تعرّضه لهجمات متكررة من الجناح اليساري في حزبه.

قمة مجموعة العشرين

شولتز الذي وُلد في 14 يونيو 1958، انضمّ إلى الحزب الاشتراكي في عام 1975، وانتُخب نائباً في البرلمان الوطني للمرة الأولى في عام 1998، علماً بأنه محام.

وفي عام 2002، تولّى الأمانة العامة للحزب لسنتين، كما عُيّن وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية، في عام 2007، في أول حكومة ائتلافية شكّلتها ميركل مع الاشتراكيين.

بين عامّي 2011 و2018، شغل منصب رئيس بلدية مدينة هامبورج، حيث واجه انتقادات، لأسلوب تعامله مع تظاهرات عنيفة نظمها متظاهرون مناهضون للرأسمالية في المدينة، خلال قمة مجموعة العشرين في عام 2017.

اعتذر شولتز علناً عن الإخفاق الأمني آنذاك، مشيراً إلى أنه كان سيستقيل من منصبه، لو أسفرت الاحتجاجات عن وفيات. لكن ساسة يمينيين اعتبروا أنه كان متساهلاً جداً مع من وصفوهم بـ"المشاغبين".

حلف الناتو "الإمبريالي"

مجلة "ذي نيو ستيتسمان" البريطانية كتبت أن اختيار الاشتراكيين شولتز لمنصب المستشار، "بدا بالنسبة إلى كثيرين وكأنه اختيار يائس لحزب يفتقر إلى بدائل"، لا سيّما أنه خسر السباق على زعامة الحزب، في عام 2019.

وأشارت إلى أنه شغل في ثمانينات القرن العشرين، منصب نائب رئيس "الاتحاد الدولي للشبيبة الاشتراكية"، ونشر مقالات في مجلة تعكس أفكار يسار الحزب الاشتراكي، داعياً إلى "الانتصار على الاقتصاد الرأسمالي"، ومنتقداً "حلف شمال الأطلسي الإمبريالي العدواني"، وواصفاً ألمانيا الغربية بأنها "المعقل الأوروبي للتمويل العالي" الذي يشمل مبالغ طائلة.

واستدركت أنه يشير إلى التسعينات بأنها حقبة "التخلّص من السموم" السياسية، مشيرة إلى أنه انكبّ على التفكير بشأن تيار يسار الوسط في ألمانيا والعالم، و"درس محن حزب العمال البريطاني والديمقراطيين الأميركيين، وقرأ على نطاق واسع". هذه المراجعة قادته إلى "صوغ نهج موحّد للسياسة"، نعتته المجلة بـ "الشولتزية"، نسبة إليه.

ووصفت المجلة شولتز بأنه "مقاتل انتخابي، ومفاوض ائتلافي ومستشار مرتقب"، لافتة إلى أن "الأسابيع الماضية أظهرت أن التقليل من شأنه سيكون خطأً".

اقرأ أيضاً: