
على مدار أشهر، كان يُنظر إلى اليمين المتطرف في فرنسا وكأنه "حكومة منتظرة" تقريباً، إذ كان قادته يتمتعون بتقدم واسع في استطلاعات الرأي على جميع منافسيهم وذلك قبل عام واحد فقط من الانتخابات الرئاسية، ومع ذلك، بدا أن الناخبين الفرنسيين قدموا حكماً أكثر تبايناً، الأحد في الانتخابات البلدية، وفقاً للنتائج الأولية.
ورغم أنه لم يكن من المتوقع صدور النتائج النهائية لكل دائرة انتخابية قبل عدة ساعات، خسر مرشحو اليمين المتطرف في مدينتين جنوبيتين رئيسيتين هما تولون ونيم.، وكان مرشح آخر في طريقه للخسارة بمرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، والتي حددها حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف كهدف لإظهار صعوده، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
ومع تسرب النتائج مساء الأحد من الجولة الثانية للتصويت، كان حزب اليسار الراديكالي "فرنسا الأبية" هو من حصد أقوى الأرقام. وحقق الحزب نصراً في المدينة الصناعية "روبيه"، وإن كانت مكاسبه محدودة في أماكن أخرى، لا سيما في تولوز، حيث كان قد تحالف مع مرشح من يسار الوسط كان من المتوقع على نطاق واسع أن يخسر السباق.
وفي المقابل، أشارت التوقعات إلى فوز مرشح لليمين المتطرف في مدينة "نيس"، بينما بدا مرشح آخر في وضع يؤهله للسيطرة على بلدية "كاركسون".
ورغم أن نتائج انتخابات رؤساء البلديات ربما افتقرت إلى ذلك النوع من الانتصارات الساحقة التي كان من شأنها إشعال حماس اليمين المتطرف وإثارة قلق خصومه، إلا أنها رسخت مع ذلك مكانة حزب "التجمع الوطني" كقوة لا يُستهان بها—وهو ما يحدث قبل 13 شهراً فقط من موعد الانتخابات الرئاسية.
لوبان وبارديلا
وتتصدر مارين لوبان، التي تُعد ركيزة أساسية لسياسات اليمين المتطرف في فرنسا، وتلميذها جوردان بارديلا، رئيس الحزب البالغ من العمر 30 عاماً، معظم استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الرئاسية منذ ما يقرب من عام كامل.
وفي حال مُنعت لوبان من الترشح بسبب إدانتها في تهم مالية (وهو حكم تستأنفه حالياً)، فمن المرجح أن يترشح بارديلا بدلاً منها.
ووفقاً للصحيفة، فقد شكّلت عملية انتخاب ما يزيد على 34 ألفاً للعمدة، ممارسةً انتخابيةً محليةً بامتياز، احتلت فيها القضايا المحلية البحتة، مثل جمع النفايات، مرتبةً متقدمةً للغاية ضمن قائمة اهتمامات الناخبين.
ومع ذلك، فإن هذه الانتخابات تُعد أيضاً بمثابة مقياس حيوي لاستشراف التحولات السياسية في فرنسا.
وواجه مرشحو الوسط صعوبات جمة في الفوز بالانتخابات الأخيرة. وفي المدن التي تمكنوا فيها من تحقيق الفوز، اضطروا في كثير من الأحيان إلى عقد تحالفات مع خصومهم، سواءً من اليسار أو اليمين، لضمان الفوز في جولات الإعادة.
استياء من السياسة السائدة
وعكست هذه النتائج حالة من الاستياء العميق والمتجذر إزاء السياسة السائدة، وهو مشهدٌ سياسيٌ ترك الناخبين الفرنسيين منقسمين ومستقطبين بشدة.
وشكلت العاصمة باريس استثناء لافتاً لهذه القاعدة، إذ أشارت التوقعات إلى فوز إيمانويل جريجوار، مرشح الحزب الاشتراكي الذي يمثل تيار يسار الوسط، في جولة الإعادة التي خاضها ضد المرشحة المحافظة، رشيدة داتي.
وكانت داتي حظيت بدعم إضافي من مرشحٍ ينتمي لليمين المتطرف، كان قد انسحب من السباق عقب الجولة الأولى. ويُعد جريجوار نائباً سابقاً للعمدة المنتهية ولايتها، آن هيدالجو، وضمن فوزه بقاء باريس التي دأبت على انتخاب عمد اشتراكيين طوال الـ25 عاماً الماضية، راسخةً في قبضة اليسار.
ومع ذلك، يحذر المحللون من المبالغة في تفسير ما تكشف عنه نتائج الانتخابات البلدية فيما يتعلق بالنتائج المحتملة للانتخابات الرئاسية المقبلة.
رغم أن هذه النتائج تظل أداةً مفيدةً لقياس القوة النسبية للأحزاب السياسية، فضلاً عن كونها مؤشراً على طبيعة المشهد السياسي والمواقف التي يعتزم السياسيون ترسيخها مع اكتساب حملات الانتخابات الوطنية مزيداً من الزخم.









