
يعيش العراق مرحلة سياسية معقدة، تتقاطع فيها حسابات الداخل مع تأثيرات الخارج، وسط انسداد واضح في مسار استكمال الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتسمية رئيس الوزراء الجديد، منذ الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نوفمبر الماضي.
وبين ضغوط الشارع وتحديات الاقتصاد والأمن، تتجه الأنظار إلى اجتماعات القوى السياسية التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
وداخل أروقة الإطار التنسيقي، أكبر الكتل النيابية في البرلمان العراقي، تتواصل الاجتماعات المكثفة في محاولة لفك عقدة اختيار رئيس الوزراء، وهو الملف الذي بات مرتبطاً بشكل مباشر بانتخاب رئيس الجمهورية.
عضو الإطار عامر الفائز أوضح في حديثه لـ"الشرق"، أن القوى السياسية العراقية، ما زالت تناقش هذا الملف، مع عقد اجتماعات متتالية، بهدف الوصول إلى مخرج من أزمة الانسداد السياسي.
ويشير الفائز إلى أن استمرار التأخير لم يعد خياراً متاحاً، في ظل تداعيات على مجمل الأوضاع في البلاد، لاسيما الاقتصادية والأمنية، مؤكداً أن المرحلة تتطلب تسريع تمرير الاستحقاقات الدستورية.
أما بشأن معايير اختيار رئيس الوزراء، فيؤكد أنها لا تزال قيد النقاش، رغم إعلانها سابقاً، والتي تتضمن أن يكون المرشح مستقلاً وذا خبرة، مع جدل مستمر حول مسألة ارتباطه بالعمل الحزبي أو المشاركة في الانتخابات.
وفي ما يتعلق بملف رئاسة الجمهورية، يضع الإطار سقفاً زمنياً لحسم الخلاف الكردي، إذ يمنح الأطراف الكردية مهلة تتراوح بين أسبوع وعشرة أيام للاتفاق على مرشح واحد، محذراً من أن عدم التوافق قد يدفع مجلس النواب إلى المضي بجلسة انتخاب من بين المرشحين الحاليين، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام أزمات سياسية جديدة، يفضل الجميع تجنبها.
خيارات مفتوحة للحسم
على مستوى مجلس النواب، تتزايد الضغوط لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بعد تحرك نيابي واسع. النائب ياسين العامري كشف لـ"الشرق" عن تقديم أكثر من 230 نائباً طلباً لعقد جلسة قريبة، ما يعكس إرادة المضي قدماً نحو الحسم، حتى في ظل استمرار الخلافات.
ويؤكد العامري، في تصريحاته لـ"الشرق"، أن منصب رئيس الجمهورية يمثل استحقاقاً كردياً، إلا أن عدم اتفاق القوى الكردية على مرشح موحد حتى الآن يعطل هذا المسار، رغم أنه كان الخيار الأكثر استقراراً للعملية السياسية. وفي حال استمرار هذا التعثر، يبرز خيار "الفضاء الوطني"، الذي يقوم على طرح جميع الأسماء المرشحة للتصويت داخل البرلمان، وترك القرار للكتل السياسية.
ومن بين الأسماء المطروحة، يبرز كل من فؤاد حسين (وزير الخارجية الحالي مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني)، ونزار أوميد (مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني)، إلى جانب مرشحين آخرين، ما يجعل المنافسة مفتوحة في حال غياب التوافق.
ويشير العامري إلى أن النصاب القانوني لانتخاب رئيس الجمهورية، والمحدد بثلثي أعضاء مجلس النواب (220 نائباً)، قد يكون متحققاً في ظل هذا الحراك، خاصة إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي.
ورغم إمكانية عقد جلسة اعتيادية بنصاب النصف زائد واحد، إلا أن جلسة انتخاب الرئيس تتطلب توافقاً أوسع، ما يجعل نتائج الاجتماعات السياسية الجارية حاسمة في تحديد سيناريو الجلسة المقبلة.
ترابط معقد بين السياسة والأمن
وفي قراءة أوسع للمشهد، يرى المحلل السياسي أثير الشرع في حديثه لـ"الشرق"، أن ما يجري في العراق لا يمكن فصله عن التوترات الأمنية، مشيراً إلى وجود ترابط عميق بين المسارين السياسي والأمني، خاصة في بيئة تعاني من هشاشة السيادة.
ويضيف أن عامل التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران يلعب دوراً محورياً في تحديد مستوى التوتر داخل العراق، حيث يؤدي أي تقدم في هذه المفاوضات إلى تهدئة نسبية، بينما ينعكس التعثر في شكل تصعيد أمني وسياسي.
ويؤكد الشرع، في تصريحاته لـ"الشرق"، أن العراق يقترب بالفعل من لحظة الحسم، لكن هذا الحسم قد يأتي على شكل "تسوية مؤقتة لا تنهي الخلافات"، خصوصاً داخل البيت الشيعي، حيث لم يعد الخلاف على الشخص بقدر ما هو على شكل النظام وتوازناته. كما أن القوى السنية والكردية تترقب وضوح الصورة، مستفيدة من حالة الفراغ لتعزيز شروطها التفاوضية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
اعتبر الشرع، أن المعطيات الحالية تشير إلى سيناريوهين رئيسيين: الأول يتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، مع بقاء الخلافات الجوهرية قائمة، ما يعني أن الاستقرار سيكون هشاً وقابلاً للاهتزاز لاحقاً.
أما السيناريو الثاني، على حد وصفه، فيتمثل في استمرار الفراغ السياسي، خاصة في حال تصاعد التوتر الإقليمي أو فشل التفاهمات بين القوى المؤثرة، وهو ما قد يبقي حكومة تصريف الأعمال في إدارة البلاد لفترة أطول.
ويختم الشرع حديثه بأنه ورغم أن العراق يمتلك قدرة على التكيف مع الأزمات، إلا أن هذه القدرة ليست بلا حدود، إذ إن استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية إلى جانب تصاعد مطالب الشارع، قد يجعل "كلفة الفراغ أعلى من كلفة التسوية".
وما بين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج، يقف العراق عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد تأجيل الحلول خياراً مريحاً. ومع تسارع وتيرة الاجتماعات السياسية، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت البلاد ستتجه نحو تسوية تفتح الباب لتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات، أم أن دوامة الفراغ ستستمر، مع ما تحمله من مخاطر على الاستقرار السياسي والأمني.
إنجاز القوانين ذات الأولوية
من جهة أخرى، شدد المكتب الاعلامي لرئيس مجلس النواب العراقي، هيبت الحلبوسي في بيان، الأحد، على أهميةَ الإسراع في إنجاز القوانين ذات الأولوية التي تمسُّ حياة العراقيين، وتعزِّز استقرار الدولة إلى جانب استكمال التصويت على تشكيل اللجان النيابية الدائمة، بما يضمن تفعيل الدورين التشريعي والرقابي للمجلس.
جاء ذلك خلال اجتماع لرئاسة مجلس النواب، من أجل مناقشة جملةٍ من الملفات المرتبطة بسير العمل التشريعي خلال المرحلة المقبلة.
كما ناقش الاجتماع ملف انتخاب رئيس الجمهورية، حيث سيتم تحديد موعد جلسة الانتخاب عقب اجتماع مرتقب مع رؤساء الكتل النيابية.
وجدَّدت رئاسة المجلس تأكيدها على تحمل مسؤولياتها الدستورية، والعمل الجاد لإنهاء الملفات العالقة، وترسيخ الاستقرار السياسي.
وبحسب الدستور العراقي، يُعد انتخاب رئيس الجمهورية خطوة مفصلية تسبق تكليف الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة، غير أن الخلافات السياسية، ولا سيما بين القوى الكردية حول المرشح للمنصب، أدت إلى تعطيل جلسات الانتخاب مرتين لعدم اكتمال النصاب القانوني، ما انعكس مباشرة على ملف تشكيل الحكومة.
وأثار التعطيل مخاوف من تداعيات على الاستقرار السياسي والاقتصادي، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى تغليب منطق التوافق وتقديم حلول وسط تضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة.
ويتطلب انعقاد جلسة البرلمان العراقي لاختيار رئيس الجمهورية، حضور ثلثي العدد الكلي لأعضاء البرلمان، أي ما لا يقل عن 220 نائباً، عملاً بقرار المحكمة الاتحادية رقم 16 لسنة 2022 المفسّر للمادة 70 من الدستور.
ويجرى التصويت في الجلسة عبر الاقتراع السري المباشر، ويُشترط في الجولة الأولى حصول أحد المرشحين على أغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس للفوز بالمنصب، وفي حال عدم تحقق ذلك، يتنافس المرشحان الأعلى أصواتاً في جولة ثانية، ويُحسم المنصب لصالح من ينال العدد الأكبر من الأصوات.
ورغم العُرف السياسي الذي يمنح منصب رئاسة الجمهورية للمكوّن الكردي، لا يزال الانقسام قائماً بين الحزبين الرئيسين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ يتمسك كل طرف بمرشحه، ما يعني دخول الجلسة بمرشحين مختلفين دون اتفاق مسبق.










