
في خضم التصعيد المتواصل والتداعيات المتسارعة على الساحة اللبنانية، يبقى السؤال الجوهري قائماً "هل يواجه لبنان حرباً مفتوحة، وهل بات مصيره معلقاً بما ستؤول إليه الحرب في إيران، وإلى أي مدى تتشابك الملفات الإقليمية الكبرى، من المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى مسار السلام مع إسرائيل، في تحديد مصير هذا البلد الصغير؟".
توجهنا بهذا السؤال إلى سفير مصر لدى لبنان علاء موسى، المطلع على الملف اللبناني بكل تشعباته وتعقيداته، الذي تلعب بلاده حالياً دوراً أساساً، إلى جانب تركيا وباكستان، في مساعي إيجاد حل للحرب الدائرة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى.
موسى تحدث عن طبيعة الحرب الدائرة وأطرافها وعن التوغل البري الإسرائيلي، وموقف "حزب الله" وخلفياته، والأزمة الدبلوماسية مع إيران على خلفية قرار الدولة اللبنانية طرد السفير الإيراني وسحب الموافقة على اعتماده.
يُقدم السفير رؤية مصرية هادئة لا تتحاشى التعقيد، وتُقر بتشابك المسؤوليات بين أطراف متعددة، مؤكداً أن المخرج الحقيقي يمر عبر ثلاثة مسارات متوازية، داخلي وإقليمي ودولي.
لبنان يعيش حرباً مفتوحة
لا يتردد السفير المصري في توصيف ما يجري على الأراضي اللبنانية بوصفه حرباً مفتوحة بكل معنى الكلمة، فالضربات العسكرية الإسرائيلية لم تعد تقتصر على الجنوب، بل امتدت إلى بيروت وضواحيها وسائر أرجاء البلاد، مع تصاعد واضح في الوتيرة والنوعية والنطاق الجغرافي. إسرائيل هي من تقود هذه الحرب، لكن تحديد المسؤولية عن اندلاعها يظل أمراً أكثر تعقيداً، إذ تتشابك في ذلك عوامل داخلية لبنانية وأخرى إقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها، بحسب قوله.
ومن هنا، يعد موسى أن إنهاء الحرب يقتضي التحدث مع جميع هذه الأطراف، لأنه لا يستطيع طرف واحد وحده أن يضع لها نهاية. ويضيف، "كما اشتركت أطراف عدة في الوصول إلى هذه المرحلة، يجب أيضاً أن تشترك في إنهائها، وهذا ما يجعل المهمة أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون المصالح متباينة والرؤى مختلفة".
لبنان في مرمى المواجهة الأميركية- الإيرانية
يرى السفير المصري أنه لا يمكن قراءة الوضع اللبناني بمعزل عن المواجهة الأشمل الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. يعد أن ما تشهده الجبهة اللبنانية هو في جوهره انعكاس لهذا الصراع الأوسع، وأن أي تهدئة حقيقية للوضع في لبنان تبدأ بالضرورة من تهدئة هذه المواجهة الكبرى.
ويكشف عن جهود مصرية وتركية وباكستانية تبذل حالياً لدفع الطرفين الأميركي والإيراني نحو طاولة التفاوض، فيما تُشير التقارير إلى أن جولة مفاوضات مرتقبة في إسلام آباد. ويقرأ في قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتمديد المهلة حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، قبل ضرب منشآت الطاقة في إيران، إشارة إيجابية قد ترخي بظلالها على الأجواء الدبلوماسية، غير أنه يُحذر من الجزم بنجاح هذه المساعي، إذ يشترط ذلك توافقاً حقيقياً في الرؤى، وحداً أدنى من المكاسب المتبادلة التي تجنب الطرفين الشعور بالخسارة الكاملة مقارنة بالأهداف المعلنة.
ويضيف، "التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن نقاطاً كثيرة جداً، ومن بينها، كما هو معلن، ما يتعلق بالأذرع أو الوكلاء. وإذا تم التوصل إلى اتفاق حول هذا الملف، فأتصور أن ذلك سينعكس بالضرورة بشكل إيجابي على لبنان. لذلك، علينا أولاً أن ننتظر إلى أين ستصل هذه المفاوضات، ونأمل أن تصل إلى نهاية سريعة، لأن كلما كانت المعالجة أسرع وأشمل وأكثر نهائية، أمكن نزع فتيل التوتر من هذه المنطقة".
التوغل البري احتلال أم ورقة تفاوضية؟
على رغم تأكيده أنه لا يمكن التنبؤ بما تفكر به إسرائيل يعد أن ما يراه من شواهد ومؤشرات يوحي بأنها، من وجهة نظرها، تسعى إلى تطهير الجنوب بالكامل، وهذا ما أعلنته بصورة أو بأخرى. وهي تستند في ذلك إلى شكواها الدائمة من أن الجيش اللبناني لم يقم بدوره في الجنوب، ولذلك قررت أن تتدخل هناك وأن تقيم منطقة عازلة. بيد أن حدود هذه المنطقة تبقى غامضة متسائلاً "هل تقتصر على كيلومترين، أم تمتد إلى ثمانية، أم تطال حتى نهر الليطاني؟".
ويخلص إلى أن ما تفعله إسرائيل حالياً يذهب باتجاه اقتطاع جزء تلو الآخر من الأراضي اللبنانية. ويضيف "لكن هل هذا موقت إلى حين التوصل إلى اتفاق مع لبنان؟ ربما. فمن الطبيعي أن أي طرف يسيطر على أراض في دولة أخرى سيستخدم هذا الأمر لاحقاً كورقة إضافية لتحسين موقعه التفاوضي، وهو ما يستوجب من الطرف اللبناني يقظة ودقة بالغتين".
أما وقف هذه المسألة فتبدأ أولاً بحسب رأيه من الداخل اللبناني، إذ لا غنى عن موقف وطني موحد تتبناه الدولة بكل مؤسساتها ومكوناتها. فهذا التوافق الداخلي هو الأرضية التي يمكن البناء عليها لوقف الحرب، وحرمان الخصم من الاستثمار في التناقضات الداخلية كما يشرح. ويتابع "أتمنى أن تصل الجهود الداخلية إلى مرحلة يجلس فيها الجميع معاً ويتحاورون حول مستقبل لبنان، لأن الطرف الآخر سيستفيد من هذه التناقضات، ولا بد من تقديم المصلحة الوطنية اللبنانية على المصالح الطائفية ومصالح القوى السياسية المختلفة".
"حزب الله" وحصر السلاح
سألنا سفير مصر عن موقف بلاده من "حزب الله" وهل يعد أن الحزب دخل الحرب بقرار إيراني؟ فكان جوابه "لا أملك جواباً حاسماً على هذا السؤال، لكن ما أراه هو أن الحرب في حد ذاتها لا تمثل مصلحة لأي طرف"، مؤكداً أن "ما رشح من بيانات الحزب في الثاني من مارس (آذار) الجاري، ومن مواقف طهران المتزامنة معها، يُشير إلى نوع من التنسيق بين الطرفين". يشيد في المقابل بقرار الحكومة الفوري الذي اتخذته رداً على ما فعله "حزب الله" في الثاني من مارس الجاري ويصف خطوتها بالإيجابية، وقرار الحكومة هنا كان حظر النشاط العسكري للحزب.
يشدد على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ويضيف "قرار حصر الأنشطة العسكرية بيد الدولة أمر أساس، ولا بد من احترام قرارات الحكومة والدولة، فهذا أمر محسوم لا جدال فيه، فحين تسأل أي مواطن مصري عن مسألة حصر السلاح بيد الدولة سيعدها أمراً بديهياً، إذ لا وجود لسلاح خارج إطار الدولة".
لا لاختزال الأزمة بقضية السلاح
يصف الإجراءات التي اتخذتها الحكومة" لنزع السلاح أو مصادرته" بأنها بالغة الأهمية، لكن لدى مصر قناعة بضرورة مساعدة الدولة اللبنانية على استكمال هذه المهمة. ويتطلب ذلك أن يكون الجيش اللبناني مؤهلاً للقيام بدوره، وأن يلتزم الطرف الإسرائيلي بما تم الاتفاق عليه، لا سيما في اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 لوقف إطلاق النار، لكن الأهم أيضاً هو أن تكون الجبهة الداخلية اللبنانية أكثر تماسكاً، من خلال تناغم وتناسق بين مواقف وأفعال القوى السياسية المختلفة، بما يخدم مصلحة واحدة هي المصلحة الوطنية اللبنانية.
لكنه في المقابل ينصح بعدم اختزال الأزمة اللبنانية في قضية حصر السلاح وحدها، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير، وفق قوله. يشرح أن لبنان يواجه تحديات كثيرة، ومن يختزلها في كونه جزءاً من المحور الإيراني ويعد ذلك القضية الأساسية فهو مخطئ، كما أن من يعتقد أن مصادرة السلاح أو نزعه الحل النهائي فهو أيضاً مخطئ، لأن هناك قضايا أخرى يجب معالجتها للوصول إلى حل شامل.
لا مبادرة مصرية
في الأسبوع الحالي زار وزير خارجية مصر بدر عبدالعاطي بيروت، والتقى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، وقبله زار لبنان رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد وبقيت زيارته بعيدة من الإعلام. فهل من مبادرة مصرية في الكواليس؟
يؤكد سفير مصر لدى لبنان أن بلاده تتحرك على أكثر من مسار: سياسي وأمني ودبلوماسي، بالتنسيق مع مختلف الشركاء. ويوضح "لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حالياً، لأن صوت الحرب يطغى على أي مسار آخر، لكن الجهود مستمرة". ويطمئن "هناك اعتقاد بأن هذه الجولة قد تكون حاسمة، وقد تفضي إلى مخرج يضمن استقرار لبنان لأعوام مقبلة".
ويؤكد أن القاهرة تعمل على تنسيق مكثف مع دول صديقة للبنان، يشمل الولايات المتحدة وباكستان وتركيا، إضافة إلى تنسيق مستمر مع السعودية نظراً لدورها المهم في هذا الملف، وسط توافق على ضرورة ممارسة ضغط جدي للتوصل إلى تسوية نهائية للوضع في لبنان.
يرفض علاء موسى الرواية القائلة إن المجتمع الدولي يتخلى عن لبنان أو يتركه لمصيره. ففي تقديره، ثمة اهتمام دولي حقيقي بالوضع اللبناني، لكن كثيراً من الأطراف الدولية تنظر إليه من زاوية الصراع الأشمل مع إيران، مما يجعل التهدئة في لبنان رهينة في جزء منها بما سيؤول إليه هذا الصراع.
الرهان على 3 مسارات
يُبدي السفير علاء موسى تفاؤلاً عميقاً بمستقبل لبنان، مؤمناً بأن هذا البلد قادر على الانبعاث متى توقفت الحرب وتحققت التسوية الشاملة. غير أن هذا التفاؤل مشروط بشرط جوهري: ألا يقتصر العلاج على إسكات المدافع أو حصر السلاح، بل أن يمتد ليطال عوامل الاختلال البنيوي المتراكمة.
يرى ضرورة الانتقال الجذري من نظام المحاصصة الطائفي نحو دولة مواطنة حقيقية، عبر إلغاء الطائفية السياسية، وإطلاق حوار وطني شامل يُقدم المصلحة اللبنانية على سائر الولاءات. وفي المسار الإقليمي، لا بد من وقف التدخلات الخارجية في الشأن اللبناني وقفاً تاماً حتى تُتاح للدولة فرصة الاضطلاع بمهامها كاملة. أما في المسار الدولي، فيتطلع السفير إلى ضمانات دولية صلبة ودعم اقتصادي وأمني يُوفر للبنان أرضية صلبة للانطلاق من جديد. وخلاصة الرؤية المصرية "لا مخرج إلا باجتماع هذه المسارات الثلاثة وتناسقها، وإلا فإن أي تعثر في أحدها سيُلقي بظلاله السلبية على الآخرين، ويُطيل أمد الأزمة".
هل ينصح لبنان بالذهاب إلى السلام؟
يُشير السفير إلى أن المشهد الإقليمي المتشكل في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر في غزة فتح نوافذ جديدة لمسارات كانت تبدو مستحيلة. ففي لبنان، أطلق الرئيس جوزاف عون مبادرة نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، نالت دعم رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، في دلالة على توافق لبناني داخلي نادر حول الخيارات الاستراتيجية الكبرى.
المبدأ الذي ينطلق منه السفير واضح، وهو أن العلاقات الطبيعية بين الدول هي الأصل، والاستثناء هو حالة الاحتلال والاعتداء. لذا فإن أي مسار نحو التسوية يجب أن يبدأ بمعالجة القضايا العالقة وهي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وعودة الأسرى، وترسيم الحدود، وضمان أمن الجنوب. متى تحققت هذه المطالب، غدا القرار النهائي بيد الدولة اللبنانية وحدها في تحديد شكل علاقتها المستقبلية مع إسرائيل، سواء بقت في إطار اتفاق الهدنة أم سارت نحو آفاق أبعد.
وحين يُسأل السفير إن كان يُوصي لبنان بالسير نحو السلام، تجيء إجابته معبرة بإيجاز عن فلسفة سياسية متكاملة "أنا أنصح أي دولة بإقامة سلام طالما كان قائماً على العدل وعودة حقوقها".
القرار بحق سفير إيران يجب أن يكون سيادياً
نسأل أخيراً الدبلوماسي المصري عن الأزمة الدبلوماسية المتعلقة بالسفير الإيراني، ونسأله عن تعليقه على قرار الدولة اللبنانية بطرده، فيُصنف السفير المصري هذا القرار بوصفه قراراً سيادياً بامتياز، مستنداً إلى المبدأ الراسخ في الأعراف الدبلوماسية، وفي الجهة المخولة بمنح الاعتماد هي ذاتها التي تملك صلاحية سحبه.
ويضيف "إذا اتخذت الدولة اللبنانية هذا القرار فهي تدرك جيداً أسبابه وخلفياته وتداعياته، وقد صدر بيان عن وزارة الخارجية اللبنانية لكن لم تصدر توضيحات من رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة، وأعتقد أنه في مرحلة لاحقة سيكون هناك شرح أوضح لهذا القرار من الجهات المعنية، وفي جميع الأحوال فإن لبنان يمارس سيادته، وهذا القرار يعكس سيادة الدولة".
نسأله عما إذا كانت إيران قد ارتكبت أخطاء في لبنان، فيجيب بأنه لا بد من انتظار مرحلة المحاسبة وإعادة النظر التي تأتي بعد انقشاع غبار الأزمات، ويضيف في الوقت نفسه "كل تدخل في شؤون دولة أخرى هو خطأ جسيم، أياً كان عنوانه أو مسماه".
هذا المحتوى من "اندبندنت عربية"








