
تعيش العاصمة العراقية بغداد حالة من القلق المتصاعد عقب حادثة اختطاف الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون في وضح النهار، في واقعة أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة من عودة مظاهر الانفلات الأمني، بعد سنوات من الاستقرار النسبي الذي شهدته المدينة.
وجاءت الحادثة في توقيت إقليمي وأمني غير مستقر، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما انعكس في زيادة وتيرة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل العراق ومحيطه.
مطاردة الخاطفين
الولايات المتحدة كشفت عن تعرض الصحافية للاختطاف في العاصمة بغداد، فيما أعلنت السلطات الأمنية العراقية لاحقاً اعتقال أحد المشتبه بهم، وبدء تحقيقات موسعة لكشف ملابسات الحادثة، والجهات التي تقف وراءها.
وذكرت وزارة الداخلية العراقية، في بيان صدر الثلاثاء، أن قواتها تمكنت من محاصرة سيارة تابعة للخاطفين، ما أدى إلى انقلابها أثناء محاولة الفرار، قبل أن تتمكن من إلقاء القبض على أحد المتهمين، وضبط إحدى المركبات المستخدمة في تنفيذ الاختطاف.
وأكدت الوزارة استمرار الجهود لتعقب المتورطين والعمل على تحرير المختطفة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق جميع المشاركين في هذا الحادث، مشددة على أنها لن تسمح بأي محاولة لزعزعة الأمن أو استهداف الأجانب، وأن أجهزتها ستبقى يقظة في ملاحقة الخارجين عن القانون.
جهاز الاستخبارات العراقي يتابع التحقيق
وفي السياق، أفاد مصدر أمني عراقي لـ"الشرق" بأن التحقيقات تُدار بسرية عالية وإشراف من جهات استخبارية مختصة، لضمان الوصول إلى نتائج دقيقة بعيداً عن أي ضغوط أو تأثيرات.
وأضاف أن الحكومة قررت إسناد ملف التحقيق مباشرة إلى جهاز الاستخبارات العراقي، بدلاً من الأجهزة الأمنية الأخرى، بهدف الحفاظ على أعلى درجات السرية المهنية، واعتماد آليات استخبارية متقدمة لتتبع خيوط القضية.
وأشار المصدر إلى أن المعلومات الأولية تفيد بتورط "جهة مسلحة" في عملية الاختطاف، مؤكداً أن التحقيقات لا تزال في مراحلها الأولى، وأن الكشف عن تفاصيل إضافية سيبقى مرهوناً باستكمال الإجراءات الأمنية والقضائية.
شبح الانفلات الأمني
ورغم سرعة التحرك الأمني، أثارت الحادثة تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية بشأن قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الوضع، في ظل تحركات بعض الفصائل المسلحة خارج الأطر الرسمية، وما يمثله ذلك من تحديات لسيادة الدولة، وذلك في أعقاب استهداف مقار حكومية ومناطق في بغداد من قبل فصائل عدة.
ويرى مراقبون أن خطورة الحادثة لا تقتصر على استهداف صحافية أجنبية، بل تمتد إلى توقيتها وطبيعتها، إذ تعيد إلى الأذهان سنوات انتشار عمليات الخطف، وهو ما قد يؤثر سلباً على صورة العراق دولياً، خاصة مع تزايد أعداد الصحافيين الأجانب، والبعثات الدبلوماسية، والزوار في الفترة الأخيرة.
كما تثير الواقعة مخاوف من تداعيات سياسية ودبلوماسية محتملة، قد تنعكس على علاقات العراق الخارجية ومستوى الثقة الدولية ببيئته الأمنية، في وقت تسعى فيه بغداد إلى جذب الاستثمارات وتعزيز الانفتاح الاقتصادي، وإعادة تقديم العاصمة العراقية، كمدينة آمنة نسبياً بعد سنوات طويلة من الصراع.
وفي تصريح لـ"الشرق"، قال عضو مجلس النواب العراقي، أحمد الشرماني، إن "حادثة اختطاف الصحافية الأميركية في بغداد تمثل مؤشراً خطيراً يستدعي مراجعة شاملة للملف الأمني"، محذراً من "تداعيات أي خروقات أمنية على استقرار البلاد وسمعتها الدولية".
اختطاف في وضح النهار
وأضاف الشرماني أن "ما جرى يثير قلقاً حقيقياً، ليس فقط بسبب استهداف شخصية أجنبية، بل لأن الحادثة وقعت في وضح النهار داخل العاصمة، وهو ما يفرض على الجهات الأمنية تقديم توضيحات سريعة وكشف نتائج التحقيق للرأي العام".
وأشار إلى أن "العراق حقق خلال السنوات الماضية تقدماً ملحوظاً في تعزيز الاستقرار، إلا أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة قد يهدد هذا التقدم ويعيد المخاوف الأمنية السابقة".
وأكد الشرماني أن "البرلمان سيتابع القضية من خلال لجانه المختصة"، داعياً الحكومة العراقية إلى "تعزيز الإجراءات الأمنية لحماية البعثات الدبلوماسية والصحافيين الأجانب وجميع المقيمين في العراق، فأمن العاصمة يمثل جزءاً أساسياً من ثقة المجتمع الدولي بالعراق".
وشدد النائب العراقي على أن "الحفاظ على هيبة الدولة وفرض القانون على الجميع دون استثناء هو الضمان الحقيقي لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.. المرحلة الحالية تتطلب تنسيقاً أمنياً أعلى في ظل التوترات الإقليمية التي قد تنعكس على الوضع الداخلي".
معالجة الثغرات الأمنية
من جهته، قال الخبير الأمني، العميد عدنان الكناني، إن العملية تمثل مؤشراً واضحاً على وجود ثغرات أمنية يجب معالجتها بشكل عاجل، خاصة أنها تستهدف صحافية أجنبية وتحمل أبعاداً دولية.
وفي حديثه لـ"الشرق" أوضح الكناني أن "توقيت الحادثة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يزيد من خطورتها، إذ قد يتحول العراق إلى ساحة لتبادل الرسائل الأمنية والسياسية بين أطراف خارجية".
وأكد الكناني أن مثل هذه الحوادث لا تُفسر دولياً كجرائم جنائية فحسب، بل كمؤشر على مستوى السيطرة الأمنية وقدرة الدولة على حماية الضيوف والبعثات الأجنبية، محذراً من أن تكرارها قد يؤثر على عمل الإعلام الدولي والاستثمارات الأجنبية والنشاط الدبلوماسي داخل البلاد.
وتابع الكناني: "التداعيات المحتملة تتمثل في خلق حالة خوف لدى الأجانب المقيمين والزائرين للعراق، إضافة إلى تأثيرات سلبية على صورة بغداد التي بدأت خلال السنوات الأخيرة تستعيد حضورها الإقليمي والدولي بعد مرحلة طويلة من الاضطرابات الأمنية".
وختم بالتأكيد على أن التعامل مع الحادثة يجب أن يتجاوز بعدها الجنائي، ليشمل مراجعة شاملة للمنظومة الأمنية، بما يضمن عدم عودة مشاهد الخطف والفوضى التي تكبد العراق كلفة كبيرة لإنهائها.









